خبر عاجلمقالات

قراعلي بعد زيارة عون إلى طرابلس: الطائف لا يتجزّأ، ولا إنماء تحت المحاصصة الطائفية

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

قراعلي بعد زيارة عون إلى طرابلس: الطائف لا يتجزّأ، ولا إنماء تحت المحاصصة الطائفية

 

بقلم: د. مصطفى قراعلي

 

جاء رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى طرابلس ليعلن أن زمن التهميش والإقصاء قد ولّى، وليؤكد أن الدولة المستقرة تقوم على مركزية السلاح بيد الجيش، ولا مركزية الإنماء. لكن الزيارة حملت في جوهرها مفارقةً لم يتناولها الخطاب الرئاسي: كيف يمكن إنهاء تهميش طرابلس من داخل النظام السياسي الذي صنع هذا التهميش وأدامه؟

 

تحدّث الرئيس عن حصرية السلاح والإنماء المتوازن، وهما من القضايا التي تناولها اتفاق الطائف. لكنه لم يتناول التزامًا أساسيًا آخر نصّ عليه الاتفاق نفسه: إلغاء الطائفية السياسية بوصفه هدفًا وطنيًا أساسيًا، وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية لتنفيذ ذلك.

 

والمفارقة أن رئاسة الجمهورية نفسها تُسند، وفق العرف السياسي، إلى طائفة بعينها، ضمن نظام يوزّع السلطة بين الطوائف. فكيف يُستحضر اتفاق الطائف لبسط سلطة الدولة وتحقيق الإنماء، بينما يبقى إصلاح هذا النظام خارج المعادلة؟

 

وكيف نطالب بدولةٍ تحتكر السلاح، فيما تتقاسم الطوائف قرارها، ثم نَعِد طرابلس بالإنماء المتوازن، بينما يبقى قرارها التنموي رهينة المحاصصة الطائفية؟

 

وهذه ليست مسألة دستورية نظرية بالنسبة إلى طرابلس. فقد زار الرئيس مرفأها ومنطقتها الاقتصادية ومعرض رشيد كرامي الدولي، وأكد أن الإنماء حقٌّ للمواطنين وليس منّةً من الدولة. ونحن نأخذ هذا الكلام على محمل الجد. لكن إعلان انتهاء التهميش ليس هو إنهاء التهميش.

 

فالطائفية السياسية لا تكتفي بتوزيع المناصب والنفوذ بين الطوائف، بل تُبقي طرابلس مدينةً تنتظر من السلطة مشروعًا، أو قرارًا، أو تدخّل زعيم. وهكذا يتحوّل الإنماء من حقّ تكفله الدولة إلى منّةٍ يمنحها أصحاب النفوذ، والمبادرات المستقلة إلى مشاريع تنتظر رضى أصحاب القرار.

الإنماء تحت الوصاية

 

في محيط قلعة طرابلس، يواجه مشروع “بيت القلعة” السياحي عقبات إدارية لدى وزارة الثقافة وبلدية طرابلس، في منطقة يُفترض أن تكون ثروتها التاريخية رافعةً للنهوض السياحي والاقتصادي. وقد سبق أن أثرنا، في ملفّ الأبنية المتصدّعة، إشكالية تعطيل إزالة أبنية تقع ضمن المناطق التاريخية لطرابلس، رغم أنها غير مدرجة أصلًا على لوائح الجرد التراثي، بما يعيق إعادة تأهيل هذه المواقع وإحياءها سياحيًا، في حين لا نرى تعطيلًا مماثلًا في البترون أو جبيل. وفي قضية “بيت القلعة” تحديدًا، لا نرى في استمرار التعطيل مجرّد تعقيد إداري، بل استهدافًا للمبادرة الإنمائية بسبب استقلاليتها، في ظلّ نفوذ سياسي متجذّر في مفاصل القرار الإداري، يُبقي مصير المشروع الطرابلسي معلّقًا إلى أجل غير مسمّى، بدلًا من حسمه وفق معايير قانونية وفنية واضحة.

وفي بلدة كفرقاهل بقضاء الكورة، على مقربة من طرابلس، لا يزال مشروع مربط المشرق العربي، وهو أيضاً استثمار اغترابي مستقل، يواجه تعطيلًا إداريًا منذ نحو ثلاث سنوات، رغم الأعمال المنجزة فيه والتراخيص التي استحصل عليها.

فكيف يتحقّق الإنماء المتوازن إذا كان الاستثمار المستقل رهينة المحاصصة الطائفية؟ وكيف يُطلب من أبناء طرابلس أن يستثمروا في مدينتهم ومحيطها، بينما تبقى قدرتهم على المبادرة رهينةَ قراراتٍ إدارية تتحكّم بها شبكات نفوذ طائفية متغلغلة في مؤسسات الدولة، تتخذ من صلاحياتها غطاءً للتعطيل وفرض التبعية؟

لكن ما استدام في طرابلس ليس الإنماء، بل التهميش. وهذا التهميش لا يقتصر على الاقتصاد والعمران؛ فالمدينة التي يُخنق عمرانها تجد نفسها مضطرّةً أيضًا إلى الدفاع عن ذاكرتها وهويتها، وكأنّ المطلوب سلخ جلدها عن جسدها لمعاقبتها.

 

اسم النبي واسم الرئيس

 

في آب الماضي، أزالت بلدية طرابلس من ساحة النور المجسّم الذي يحمل اسم النبي محمد، على الرغم من أنه وُضع بترخيص من المجلس البلدي السابق، ومن المكانة العميقة التي يحملها هذا الاسم في وجدان غالبية أهل المدينة. وبعد شهرين، وقبيل الزيارة الرئاسية، أُدخل اسم الرئيس وصورته إلى الساحة نفسها، وفي الجهة ذاتها التي أُخرج منها اسم النبي محمد.

ليست القضية مقابلةً بين اسم النبي واسم الرئيس، بل مساءلةٌ مباشرة لبلدية طرابلس عن معاييرها وأولوياتها. فالبلدية التي أخرجت اسم النبي محمد من ساحة النور، رغم الترخيص السابق بوضعه، شهدت الساحة التي تديرها، بعد شهرين، إدخال اسم الرئيس وصورته إلى الجهة ذاتها. فبأيّ معايير تمارس البلدية سلطتها على رموز المدينة؟ وكيف وجدت الحسم لإزالة اسمٍ عزيز على أهل طرابلس، بينما تتراكم العوائق وتتأخر القرارات أمام المبادرات الإنمائية المستقلة؟

لكن السؤال يتجاوز قرار الإزالة نفسه: لمن تعمل السلطة المحلية؟ لأهل طرابلس الذين يُفترض أن تمثّلهم، أم لحسابات قوى المحاصصة الطائفية التي ترتهن إليها، وتتحكّم بقرار المدينة ومستقبلها؟

إنها الوصاية نفسها التي نرفضها: أن يُقيَّد عمران طرابلس، وأن يُتَّخذ القرار بشأن هويتها وذاكرتها، من دون أن يكون لأهلها القول الفصل في شؤون مدينتهم.

لقد قال الرئيس عون إن الدولة ليست ملكًا لفئة أو طائفة أو فريق. ونحن نسأل: إذا كانت الدولة ليست ملكًا للطوائف، فلماذا تبقى مواقع السلطة والنفوذ موزّعةً بينها؟ وإذا كان الإنماء حقًّا للمواطنين، فلماذا يبقى الوصول إليه مرهونًا بالوساطة وإملاءات شبكات النفوذ السياسي؟

لسنا نطالب بحصّة جديدة داخل النظام الطائفي، بل بإنهاء نظام الحصص نفسه. فما نريد تغييره هو القاعدة التي جعلت السلطة غنيمةً لزعماء الطوائف، وحوّلت حقوق المواطنين إلى امتيازاتٍ تُمنح وتُحجب وفق الولاءات السياسية.

لقد انتهت الزيارة الرئاسية، وبقيت طرابلس بأهلها وتاريخها وذاكرتها وحقّها في مستقبلٍ تصنعه بإرادتها.

طرابلس ليست مدينة تنتظر أن يتفضّل عليها أصحاب السلطة بالإنماء. إنها مدينة تطالب باستعادة حقّها في أن تنهض بنفسها.

ومن يريد إنهاء تهميشها، فعليه أن يواجه نظام المحاصصة الطائفية الذي فقّر المدينة، وخنق عمرانها، ومدّ وصايته حتى إلى هويّتها ورموزها.

فالطائف لا يتجزّأ: لا يكفي أن تحتكر الدولة السلاح، فيما يحتكر زعماء الطوائف قرارها.

 

*دكتوراه في تاريخ وفلسفة العلوم، محاضر سابق في جامعة هارفارد، ومؤسس مبادرة طرابلس أولًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى