قراءة في خطاب سعد الحريري بين العودة المشروطة وترتيب التموضع الإقليمي

أسامة القادري
في 14 شباط 2026، لم تكن ساحة الشهداء مجرد مساحة لإحياء ذكرى اغتيال رفيق الحريري، بل تحولت إلى اختبار سياسي مفتوح لعودة رئيس «تيار المستقبل» إلى قلب المعادلة اللبنانية. الحشود التي تحدّت العاصفة لم تكن فقط وفاءً لـ«دولة الشهيد»، بل إعلاناً صريحاً أن الغياب لم يتحول إلى فراغ، وأن الزعامة التي علّقت عملها لم تُلغَ من الوجدان السياسي لبيئتها. لذلك يصح القول إن خطاب الحريري لم يكن إعلان عودة رسمية صريحة، لكنه لم يكن أيضاً خطاب ذكرى عاطفية. كان أقرب إلى إعادة تموضع مدروسة في لحظة لبنانية تختصرها معادلتان: سلاح خارج الدولة يتمدد في الإقليم، وانتخابات نيابية يحيط بها شكّ دستوري وسياسي. بين هذين العنوانين، حاول زعيم «المستقبل» أن يرسم لنفسه موقعاً لا صدامياً، لكن غير محايد. من هذا المنطلق يصح القول انها عودة مشروطة… لا انسحاب دائم، وذلك من خلال العبارة المفتاحية في خطابه: «قولوا لي متى الانتخابات لأقول لكم ماذا سيفعل المستقبل» لم تكن تهرباً، بل رسالة مزدوجة. أولاً، تأكيد أن التيار لن يبقى على هامش الاستحقاق. وثانياً، ربط القرار بجدية السلطة في إجراء الانتخابات. هنا يلتقي السياسي بالرمزي: الحريري لا يريد العودة إلى لعبة قد تنتهي بتمديد مقنّع، ولا يريد في الوقت نفسه أن يُتهم بالتخلي عن جمهوره.
ومن الواضح أن التحضيرات التي قادها أمين عام التيار أحمد الحريري لم تكن تنظيمية فحسب، بل تمهيداً لإعادة إحياء البنية السياسية ولو بحدّها الأدنى. وهذا بحد ذاته إعلان أن «الحريرية السياسية» قررت الخروج من الاستراحة.
رغم ما رافق هذا الحراك من اتهامات ومحاولات عرقلة، سواء من متضررين من عودته أو من قوى فشلت خلال فترة التعليق يملء الفراغ في البيئة السنية، فإن المفارقة أن بعضهم اتهم الحريري سابقاً بأنه ينسحب انسجاماً مع مزاج إقليمي، ليعود ويتهمه اليوم بأن عودته تحدٍّ لإرادة المملكة العربية السعودية. في الحالتين، يتم اختزال القرار اللبناني بعامل خارجي، وكأن الساحة الداخلية بلا دينامية ذاتية.
أعاد التأكيد على الشراكة الوطنية والعروبة الرحبة، من دون الالتحاق بأي خندق في الخلاف العربي–العربي. وهنا يستحضر للمستمع إرث والده في لعب أدوار تلطيفية بين عواصم متخاصمة، بين سوريا والعراق وبين العراق والكويت حينها اراد رفيق الحريري من بيروت ان تبني الجسور لتكون مساحة وصل لا ساحة تصفية حسابات.
لم يقرأ هؤلاء أن خطاب الحريري كان عربياً بامتياز، بلا شحن طائفي ولا إلغاء سياسي. أعاد التأكيد على الشراكة الوطنية والعروبة الرحبة، من دون الالتحاق بأي خندق في الخلاف العربي–العربي. وهنا يستحضر للمستمع إرث والده في لعب أدوار تلطيفية بين عواصم متخاصمة، بين سوريا والعراق وبين العراق والكويت حينها اراد رفيق الحريري من بيروت ان تبني الجسور لتكون مساحة وصل لا ساحة تصفية حسابات.
لذا كان الشق الأبرز في الكلمة هو التأكيد أن الحريرية «تبني جسوراً ولا تبني جدراناً». في منطقة تتكاثر فيها الاصطفافات ، فبدا الحريري كمن يعيد تقديم نفسه عنواناً عربياً جامعاً. حديثه عن أفضل العلاقات مع الدول العربية، وعن دعم أي تقارب عربي، يحمل دلالة تتجاوز الداخل اللبناني.
على ذلك يبرز السؤال المشروع: هل يسعى الحريري إلى لعب دور في إعادة ترتيب التوازنات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الساحة اللبنانية؟ ربما ليس بصفة الوسيط المباشر، لكن بالتأكيد بصفة الشريك الموثوق القادر على تثبيت الاستقرار ومنع انزلاق لبنان إلى محاور متقابلة. هو بذلك يعيد تموضعه كجسر تواصل بين لبنان وعمقه الخليجي، لا كطرف في صراع إقليمي.
فلم يأت من فراغ حين شدد على تطبيق كامل لاتفاق الطائف، بما في ذلك حصرية السلاح بيد الدولة، لم يكن ذلك تفصيلاً عابراً، بل إعلاناً واضحاً أن العودة – إن حصلت – ستكون تحت سقف الدولة لا تحت منطق التسويات الرمادية. من دون تسمية مباشرة، وضع إصبعه على جوهر الأزمة المرتبطة بسلاح حزب الله، لكنه فعل ذلك بلغة سياسية هادئة لا بلغة تحدٍّ مباشر والاستقواء بالضغطين الامريكي والاسرائيلي، وبتطمين الجنوبيين ان الدولة امهم ولن يكون في مرمى ردة لفعل على ما اقترفته سياسة الاستقواء بفائض القوة.
ومن هنا أيضاً جاءت مخاطبته لأبناء الجنوب، حين ربط القوة بالصمود والبقاء في الأرض، لا بالمغامرات المفتوحة. فهو يدرك أن أي مواجهة مباشرة في هذه المرحلة قد تطيح بما تبقى من استقرار هشّ، في ظل مناخ إقليمي متوتر وحرب مفتوحة في غزة ولبنان.
وبالعودة الى المشهد في ساحة الشهداء كان عاطفياً بامتياز، لكن الخطاب كان عقلانياً في حساباته. فالحريري لم يَعِد بشعارات كبرى، ولم يطرح برنامجاً انتخابياً تفصيلياً، بل ركّز على استعادة الثقة مع جمهوره، وتثبيت حضوره لاعباً لا يمكن تجاوزه.
الرسالة الأهم كانت بسيطة: «نحن هنا». وفي السياسة اللبنانية، هذه العبارة توازي إعلان عودة. اي العودة لم تُعلن رسمياً، لكنها بدأت فعلياً. والقرار لم يُحسم، لكنه لم يعد مستحيلاً. والحريري لم يقدّم نفسه زعيماً عاطفياً يستحضر الماضي، بل فاعلاً سياسياً يستعدّ لمرحلة جديدة، في بلدٍ يختنق بين أزماته المزمنة وصراعات الإقليم، قد يكون الرهان اليوم على من يبني الجسور لا من يرفع الجدران. والسؤال الذي سيحدّد مسار المرحلة المقبلة ليس فقط: هل سيشارك «المستقبل» في الانتخابات؟ بل: هل يستطيع سعد الحريري تحويل الحشود إلى قوة سياسية فاعلة تعيد التوازن إلى مشهد لبناني فقد الكثير من توازنه؟
زر الذهاب إلى الأعلى