قراءة في تمديد وقف إطلاق النار.. ترامب يسقط مفهوم الوسيط بانحيازه لإسرائيل- أسامة القادري

أسامة القادري – مناشير
في كل مرة تُطرح فيها مبادرة لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل، يُفترض أن تشكّل فرصة لالتقاط الأنفاس وفتح نافذة نحو الاستقرار. لكن ما طرحه امس الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، وفق الرؤية الإسرائيلية، يثير تساؤلات جوهرية حول معنى الوساطة وحدودها، بل وحول مفهوم العدالة في العلاقات الدولية.
المشكلة لا تكمن فقط في مضمون الشروط، بل في الفلسفة التي تقف خلفها. عندما يُمنح طرفٌ ما حرية الحركة العسكرية تحت عنوان “الدفاع عن النفس”، فيقوم بالاعتداء وحملة اغتيالات ونسف القرى ومعالمها وقتل المدنيين والطواقم الطبية والصحفيين بمزاعم عن وجود تحركات عسكرية لعناصر حزب الله، وفق رواياته الممجوجة، ويُطلب من الطرف الآخر تقديم تنازلات سياسية وأمنية عميقة، ولا يعطى الحق بالرد على الاعتداءات واحتلال لـ 55 قرية جنوبية، فإننا لا نكون أمام تسوية متوازنة، بل أمام إعادة إنتاج لميزان قوى مختل أصلًا. هنا، يتحول الوسيط من جهة تسعى إلى تقليص الفجوة بين طرفين متحاربين، إلى لاعب يُكرّس هذا الاختلال ويضفي عليه شرعية سياسية.
الطرح الذي يتحدث عن ضرورة قيام لبنان بمواجهة حزب الله يختصر بدوره إشكالية أعمق. فلبنان ليس ساحة فارغة يمكن إعادة ترتيبها بقرار خارجي، بل هو كيان معقد تحكمه توازنات داخلية دقيقة. أي مقاربة تتجاهل هذه الحقيقة، أو تتعامل معها كعقبة يجب إزالتها، لما تحمل في طياتها من مخاطر تفجير الداخل بدل تثبيته.
أما الحديث عن لقاء سياسي مباشر أو اتفاق سلام سريع، فيبدو أقرب إلى القفز فوق الوقائع منه إلى معالجتها. فالتاريخ القريب والبعيد يُظهر أن السلام لا يُفرض بإملاءات، بل يُبنى على مسار طويل من التفاهمات والتنازلات المتبادلة. وهذا الأسلوب المتعالي الفظ لا ينتج سلامًا بل ينتج هشاشة قابلة للانفجار عند أول اختبار.
ولا يقل خطورة الطرح المتعلق بإلغاء قوانين المقاطعة، إذ إن مثل هذه الخطوة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل تعبير عن تحوّل جذري في الخيارات الوطنية. هذا النوع من القرارات لا يمكن أن يكون نتيجة ضغط ظرفي، بل يحتاج إلى توافق داخلي عميق غير متوافر في الظروف الراهنة.
وتشير كل المعطيات ان الهدنة هشة يمكن ان تنفجر بأي لحظة، فإسرائيل تعطي نفسها المبرر في قصف وضرب اي تحرك في لبنان، وحزب الله مصر على الرد وهذا حق مشروع لأي مقاومة ناتجة من الاحتلال..
في المحصلة، ما يُطرح—سواء بصيغته الدقيقة أو كما يتم تداوله—يعكس منطقًا معروفًا في السياسة الدولية: منطق القوة الذي يفرض شروطه. لكن هذا المنطق، وإن كان واقعيًا، ليس بالضرورة عادلًا ولا مستدامًا. فالاتفاقات التي تُبنى على اختلال كبير في موازين القوى قد تنجح في فرض هدوء مؤقت، لكنها نادرًا ما تؤسس لاستقرار دائم.
من هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في رفض أو قبول هذه الشروط، بل في إعادة طرح السؤال الأساسي: هل المطلوب وقف إطلاق نار مؤقت بأي ثمن، أم مسار حقيقي نحو تهدئة عادلة ومتوازنة؟ بين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، ليس فقط للبنان، بل للمنطقة بأسرها.