فضيحة العد.و “استغباء شعبه”.. إعلامه تحت مقصّ الرقيب العسكري..بـ”سُمح بالنشر”

خاص مناشير
“سُمح بالنشر”، لازمة تردّدها وسائل الإعلام الإسرائيليّة، يعنون بها أخبار خسائر جيش الاحتلال الإسرائيلي، في ميدان الحرب الدائرة على قطاع غزة أو في المواجهات مع المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان، حتى أضحت العبارة دمغة متلاصقة مع كلّ خبر يكشف عن مقتل جندي، أو رائد أو قائد، ما يعني خضوع إعلامه لرقابة عسكريّة صارمة، تقودها وحدة عسكرية تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” في الجيش الإسرائيلي، ويقف على رأسها ضابط يعرف باسم “الرقيب العسكري”. مهمتها اخفاء الخسائر التي يتكبّدها جيش الاحتلال في مواجهاته الدائرة مع مقاومي غزة ولبنان، وكذلك تخفي حجم الأضرار التي تلحق بالمباني والمستوطنين جراء صواريخ المقاومة الفلسطينية على مدن الاحتلال ومستوطناتها.
هذه الرقابة غايتها جعل المستوطنين والجنود يتلقّون السرديات والفيديوهات والصور التي تبثّها حكومة الاحتلال وجيشها حصرًا، كما يحيكونها لهم، حتى لو كانت مناقضة تمامًا للواقع ولما يجري من معارك شرسة على أرض الميدان.
باعتماد “سياسة الضبابيّة” للجيش الإسرائيلي بهدف التعمية على خسائره البشرية في غزة، كما وصفها المحلّل العسكري لصحيفة “إسرائيل اليوم”، تتعدّى التعتيم الاعلامي إلى الاحتكار الإعلامي، ما يجعل الرقابة العسكرية المتحكّم الفعلي بالإعلام في “إسرائيل”. وهذا ما يدحض زيف الادّعاءات بوجود إعلام حرّ في “اسرائيل”، ويظهر أنّ إعلام الكيان الرسمي وغير الرسمي يصبح في حال الحرب مجندًا بأكمله لخدمة جيش العدو، ولإخفاء الحقائق عن المستوطنين، أو اجتزائها أو فبركتها. كلّ ذلك يستند إلى قوانين الطوارئ التي تعود لزمن الاحتلال البريطاني، والتي تمنع وسائل الإعلام الإسرائيلية من نشر أي مادة (معلومة أو صور) تتعلّق بالجيش والأمن واجتماعات الحكومة من دون إذن وإجازة مسبقة من الرقيب العسكري التابع لشعبة الاستخبارات العسكريّة.
ليس أدلّ على ذلك ممّا أفادت به وسائل الإعلام الإسرائيليّة نفسها، حينما تحدثت قبل أيام عن اعتقال سلطات الاحتلال الصحفي الشّهير “إفرائيم مردخاي” بعد نشره لمقطع فيديو يوثّق فيه عددًا كبيرًا من جثث قتلى جيش الاحتلال، في أحد مستشفيات “تل أبيب”، ما فضح أن أعداد قتلى جيش العدو أكبر بكثير من الرقم المعلن عنه (35) منذ بدء العمليات البريّة. كما فضح جيش الكيان، والذي لم يعد يقم قيمة لقتلاه، فلا يسلّم جثثهم الى ذويهم، تخوفًا من حال الضغط النفسية والشعبية المتوقع أن يتسبّب بها انكشاف حجم خسائره الحقيقة، ثم يتركهم يتعفنون ويتحلّلون بروائحهم الكريهة، من دون أن يقيم لهم مراسم تشييع رسميّة، فلا تحية ولا استعراضات ولا رفاق سلاح يحملونهم على الأكف، ولا من يحزنون.
إخفاء حجم خسائر العدو البشريّة والماديّة، بتكتمه عن إعلانها أو تقطيرها بالقطارة، وحصرها ب35 جنديًا فقط منذ بدء المعركة البريّة، أو اعلانها بالتذاكي، لم ينطلِ على أحد. إذ سرعان ما ظهر وانفضح، أولاً ممّا يبثه الاعلام الحربي التابع لفصائل المقاومة في غزة من صور وفيديوهات يشاهدها العالم أجمع، وتُظهر حجم الالتحام ومن مسافة صفر وكم الدبابات والآليات التي دمرت، والتي بلغت 136 وفقًا لإحصاء كتائب “القسام” وحدها. و هذه الصورة غائبة كليًا عن شاشات إعلام الاحتلال، والذي لا يتحدث عن خسائره الماديّة، ولا حتى عن خسارة آلية عسكرية واحدة.
لكن تغييب إعلام الاحتلال عدد دباباته المدمرة، سرعان ما انكشف أمره أيضًا بإعلان صحيفة “يديعوت أحرونوت” في أن الجيش قرّر إنشاء كتيبة مدرّعة جديدة من الاحتياط تضمّ دبابات “ميركافا 3″ من النماذج القديمة التي كان مقررًا التخلص منها. فقد جاء ذلك محصّلة طبيعية للضربات التي تلقاها جيش الاحتلال في الميدان، ما جعله يستعين بـ”الميركافا 3″ التي كان مقررًا بيعها حديدًا لـ”بور الخردة”، وكل ذلك سببه الحاجة العملية الناجمة عن النقص في المدرّعات جراء الضغط الميداني على الجيش، نتيجة تعدّد جبهات القتال وتدمير آلياته وإعطابها.
أما خسائر العدو البشرية، فسرعان ما نجدها في صفحات الوفيات بحوادث سير قاتلة، أو بانقلاب شاحنة هنا وآلية هناك أودت بحياة جندي او ضابط. وذلك في تكتيك إعلامي حربي لطالما اعتمده جيش العدو بهدف التهرّب من الاعلان عن سقوط جنوده وضبّاطه في الميدان حتى لا يدبّ اليأس في نفوس رفاقهم باقي الجنود، ومن أجل التغطية على أعداد القتلى الحقيقيين في صفوفه.
غدًا؛ بالتأكيد سينجلي غبار المعارك، ويومئذ ستظهر الحقائق كلّها، فلا يعود ثمة مكان لإخفائها، ستظهر على ألستنهم و”السوشيال ميديا” وفي تقاذف المسؤولية وفي لجانهم وتقويماتهم وتقاريرهم. يومها لعلّ المستوطنين سيفاجأون، وأكثر من أي حرب سابقة، كم كذبت حكومتهم عليهم، وكم كبّدتهم خسائر، لم يعلموا بها إلا بعد فوات الآوان، يومها سيتضح عدد القتلى الحقيقي وعدد الآليات والمدرّعات التي أعطبت ودمرت، يومها سيبّين أن حكومتهم فاقدة للمصداقية، وجيشهم نزع أنيابه على تخوم غزة، وأن الكثيرين من جنوده تهرّبوا ولم يلتحقوا للتجنيد ضمن الاحتياط، خلال الحرب وغير ذلك الكثير الكثير.



