غارة عين سعادة… اختبار هشاشة الداخل اللبناني – أسامة القادري
أسامة القادري
لم تكن الغارة التي استهدفت منطقة عين سعادة حدثًا عابرًا يمكن إدراجه في سياق يومي من التصعيد العسكري على الحدود. فحين تصل النار إلى قلب المتن، وتتجاوز الجغرافيا التقليدية للمواجهة، يصبح السؤال أكبر من مجرد “من هو الهدف؟”، ليطال بجدية: “إلى أين تتجه البلاد؟”.
ساعات مرّت على الضربة من دون أي توضيح رسمي إسرائيلي لطبيعة الهدف، خلافًا لما درجت عليه تل أبيب في محطات سابقة. هذا الصمت لا يمكن اعتباره تفصيلاً، بل يشكّل بحد ذاته عنصر قلق إضافي، يفتح الباب واسعًا أمام التأويلات، ويترك الساحة الداخلية عرضة للشائعات والتحليلات المتضاربة، في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الغموض.
الأخطر في ما جرى لا يقتصر على البعد الأمني، بل يتعداه إلى حساسية المشهد السياسي الداخلي. فالضحايا ينتمون إلى بيئة سياسية تختلف مع حزب الله في مقاربته للحرب، وتتبنّى خيارات التطبيع واتفاق السلام مع إسرائيل. من هنا، يتحول الحدث من ضربة أمنية إلى قضية ذات أبعاد داخلية دقيقة، تمسّ توازنات قائمة على قدر كبير من الهشاشة.
في هذا السياق، تبرز مخاوف مشروعة من أن تكون الضربة جزءًا من محاولة مدروسة لخلط الأوراق الداخلية، عبر نقل التوتر إلى بيئات سياسية غير منخرطة مباشرة في المواجهة، بما يهدد بإعادة رسم خطوط الانقسام داخل لبنان. وفي المقابل، لا يمكن استبعاد فرضية الخطأ في التقدير أو الاستناد إلى معلومات استخباراتية غير دقيقة. لكن في الحالتين، النتيجة واحدة: توسيع دائرة القلق، وإدخال البلاد في مرحلة أكثر تعقيدًا.
هذا التوتر لم ينعكس فقط على مستوى التحليل السياسي، بل ظهر أيضًا في الخطاب الداخلي، حيث برزت مواقف متباينة حتى ضمن البيئة الواحدة، بين دعوات إلى التهدئة وأخرى أكثر تشددًا، ما يعكس حجم الضغط الذي أحدثته الغارة، أمنيًا ونفسيًا وسياسيًا.
ورغم خطورة المشهد، يبقى التخوّف من الانزلاق نحو “انفجار داخلي” أو “صدام أهلي” قائمًا، إلا أن الرهان لا يزال على تغليب منطق العقل والسلم الأهلي على أي خطاب تصعيدي. فالتجربة اللبنانية القاسية، وذاكرة الحرب الأهلية الحاضرة في وعي مختلف الأطراف، تشكّلان عامل ردع أساسي. إذ تدرك القوى السياسية، على اختلافها، أن أي مواجهة داخلية لن تكون محدودة، بل ستفتح مسارًا يصعب احتواؤه.
أما الحديث عن طرد النازحين أو استهدافهم على خلفيات طائفية، فرغم تردده في بعض الخطابات المتشنجة، وحوادث فردية لا يزال بعيدًا عن التحول إلى سياسة منظمة. ذلك أن أي تدهور في هذا الاتجاه لن يؤدي إلا إلى تعميم الفوضى، وضرب ما تبقى من مقومات العيش المشترك.
لبنان اليوم يقف على حافة دقيقة: غارة واحدة كفيلة بإشعال القلق في كل الاتجاهات، لكن في المقابل، لا تزال هناك هوامش – ولو ضيقة – تحول دون الانفجار الكبير. وهذه الهوامش لا تحتاج فقط إلى ضبط أمني، بل إلى مسؤولية سياسية وإعلامية في إدارة الخطاب، لأن الكلمة في مثل هذه اللحظات قد تكون أخطر من الصاروخ.
في الخلاصة، ما حدث في عين سعادة ليس مجرد حادث أمني، بل إنذار واضح. إنذار بأن الحرب، إذا خرجت عن قواعدها، لن تبقى محصورة في الجغرافيا، بل ستتسلل إلى الداخل اللبناني بكل تعقيداته. وعندها، لن يكون السؤال من استُهدف… بل من بقي خارج دائرة الاستهداف.