طهران وواشنطن: وسطاء جدد في المواجهة
طهران وواشنطن: وسطاء جدد في المواجهة

د. خالد العزي – مناشير
ستشارك باكستان في التوسط بين طهران وواشنطن المتنازعتين، من خلال الدعوة والتواصل مع دول أخرى لتشجيع الحوار والجلوس على طاولة المفاوضات، قبل اللجوء إلى استخدام القوة التي قد تترك تداعيات واسعة على دول الجوار.
لقد حشدت الولايات المتحدة، وفقًا لما صرح به الرئيس دونالد ترامب، أسطولًا بحريًا قبالة سواحل إيران، وهي على استعداد تام لتوجيه ضربة قاسية للجمهورية الإسلامية. وفي هذا السياق، تُعدّ التقارير التي تشير إلى موافقة واشنطن وطهران على التفاوض مؤشرًا إيجابيًا. إلا أن مشاركة باكستان في الاجتماع المزمع عقده في السادس من فبراير/شباط في عمان تثير بعض التساؤلات.
ووفقًا لتقارير صحيفة “دون” الباكستانية الشهيرة ووسائل إعلام أخرى، فقد سعت إسلام آباد “بهدوء وبسرية” لتسهيل الاتصالات بين واشنطن وطهران. وقد أشاد الطرفان، حرصًا على تجنب التصعيد، بدور باكستان كوسيط. ولذلك، من المتوقع أن يشارك وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار في المحادثات التي ستُعقد في السادس من فبراير/شباط في عمان.
ورغم ذلك، فإن تركيا تُبدي رغبة قوية في استضافة الاجتماع أيضًا. وقد نقلت وكالة الأناضول عن مصادرها أن المحادثات بين الولايات المتحدة وطهران ستُعقد في إسطنبول، ولكن لم يُحدد الموعد بشكل دقيق، بل اكتفى بالإشارة إلى أنها ستكون في نهاية هذا الأسبوع. ووفقًا للصحافة الأمريكية، سيمثل الولايات المتحدة ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس ترامب، وصهره جاريد كوشنر. بينما سترسل طهران وزير خارجيتها عباس عراقجي. وتضيف وكالة الأنباء التركية عنصرًا جديدًا: يُحتمل أن تشارك مصر وقطر ودول إقليمية أخرى في هذه المحادثات. إذا تأكد ذلك، سيكون الاجتماع متعدد الأطراف، أشبه بمؤتمر، وليس لقاءً ثنائيًا.
أما فيما يتعلق بمضمون المباحثات المنتظرة، فلم تكشف وسائل الإعلام الباكستانية أو التركية عن تفاصيل جديدة. ومن المتوقع أن تطلب الولايات المتحدة من إيران إنهاء برنامجها النووي وإيقاف تطوير الصواريخ المتقدمة. بينما صرحت إيران سابقًا بأنها سترد على أي عدوان باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية وحلفائها في منطقة الشرق الأوسط.
ويعتقد الخبراء والمتابعون للقضية الإيرانية الأمريكية أن هناك احتمالًا أن تتمكن الولايات المتحدة وإيران من التوصل إلى اتفاق، وإلا لما بدأت المفاوضات. ومع ذلك، لا يزال مستوى انعدام الثقة مرتفعًا جدًا، وسيكون من الصعب تجاوزه. وستشهد المفاوضات تحديات وصعوبات كبيرة، مع انقطاعات متكررة، ومن المحتمل أن تلجأ الولايات المتحدة إلى التهديدات بين الحين والآخر. علاوة على ذلك، فإن مستوى انعدام الثقة تجاه أمريكا لا يقتصر فقط على إيران، بل يشمل أيضًا دولًا أخرى في المنطقة. فقد عدتُ مؤخرًا من زيارة إلى دول الخليج العربي، حيث زرتُ الكويت والإمارات. وقد أشار العديد ممن قابلتهم إلى أن سياسات ترامب تُثير القلق في أوساط جيران إيران، وأن ميله إلى المفاجآت والتحركات غير المتوقعة لا يُسهم في إيجاد حلول سريعة للنزاعات.
من جهتها، كانت باكستان قد عرضت خدمات الوساطة في وقت سابق عندما كانت التوترات تتصاعد. كما نسقت إسلام آباد جهودها في هذا الاتجاه مع دول مثل السعودية والكويت.
وبالنسبة لمشاركة باكستان في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، فهي تُعتبر إنجازًا دبلوماسيًا مهمًا. في الواقع، لا تتمتع إسلام آباد بالكثير من الإنجازات على الصعيد الداخلي، إذ لا يزال الوضع الاقتصادي في تدهور بسبب الديون الضخمة المستحقة على البلاد للمؤسسات المالية الدولية. بالإضافة إلى ذلك، ما زالت الجماعات الانفصالية والإرهابية ذات التوجه الإسلامي تشن هجمات على البلاد.
في الأيام الأخيرة، شهدت ولاية بلوشستان معارك عنيفة بين المتمردين البلوش والجيش الباكستاني. ووفقًا لوكالة رويترز، توقفت الحياة في أكبر ولايات باكستان تقريبًا الأسبوع الماضي، حيث هاجم مسلحون أكثر من اثني عشر بلدة وقرية. واستخدم الجيش الباكستاني المروحيات والطائرات المسيّرة لطردهم من مدينة نوشكي.
أما في كويتا، عاصمة الولاية، فلم يكن الوضع أفضل. تقول المصادر إن الاشتباكات الحادة مع المتمردين لا تنذر بالخير، خاصة بعد أن فقدت الدولة أكثر من 70 من أفرادها العسكريين في الاشتباكات. كما دفع المسلحون، بمن فيهم الانتحاريون، ثمناً باهظًا للهجوم، حيث فقدوا 197 شخصًا.
غالبًا ما تُشنّ هذه الهجمات من الأراضي الأفغانية المجاورة، رغم أن كابول تدّعي أن الجماعات الإرهابية التي كانت متواجدة على أراضيها قد تم هزيمتها.
كما تكبّدت الصين خسائر جراء الهجمات المسلحة، حيث قامت ببناء محطات توليد الطاقة والمصانع والطرق في إطار “الممر الاقتصادي” الذي يربط شمال غرب الصين بالمحيط الهندي. وقد وقع العديد من الخبراء الصينيين العاملين في باكستان ضحايا لهجمات إرهابية متكررة.
المنطقة تعيش على صفيح ساخن، فكيف إذا نشبت الحرب ضد إيران؟ إن الصراعات في المنطقة ستفتح على مصراعيها، لذلك تسعى دول الجوار إلى إيجاد حلول عبر الحوار لتجنب التصعيد.



