مقالات

“زهرة النيل” : الكارثة البيئية في نهري دجلة والفرات

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

“زهرة النيل” : الكارثة البيئية في نهري دجلة والفرات

 

 

 

محمد المشهداني _ مناشير

لم تعد أزمة المياه في العراق مقتصرة على أنخفاض المناسيب والتغيرات المناخية وسوء إدارة الموارد المائية فحسب بل برز خلال السنوات الأخيرة خطر بيئي جديد يهدد نهري دجلة والفرات ويضاعف من معاناة المنظومة المائية الهشة يتمثل في الإنتشار الكاسح لنبتة زهرة النيل هذه النبتة المائية الغازية التي تبدو للوهلة الأولى جميلة بأزهارها البنفسجية الجذاب و لكن تحولت إلى واحدة من أخطر الآفات البيئية التي تواجه الأنهار العراقية بعدما غزت مساحات واسعة من المجاري المائية والقنوات والجداول في ظل أستجابة حكومية بطيئة وغير قادرة على مواكبة حجم التهديد و إن ما يجري اليوم في نهري دجلة والفرات لا يمثل مجرد مشكلة نباتية عابرة بل أزمة مركبة تتداخل فيها الجوانب البيئية والإقتصادية والصحية والأمن المائي فإن الأمر يستدعي إستراتيجية وطنية عاجلة تتجاوز الحلول المؤقتة والإجراءات الموسمية المحدودة.

و ما هي زهرة النيل؟ _ طبعا تنتمي زهرة النيل إلى النباتات المائية العامة وموطنها الأصلي حوض الأمازون في قارة أمريكا الجنوبية وقد إنتقلت إلى العديد من دول العالم كنبات للزينة بسبب جمال أزهارها وسرعة نموها و غير أن هذه الصفات نفسها جعلتها من أكثر الأنواع الغازية خطورة على البيئة المائية وهي تمتلك النبتة القدرة الإستثنائية على التكاثر إذ يمكن أن تتضاعف أعدادها خلال أسابيع قليلة فقط في الظروف المناسبة وتكفي مجموعة صغيرة منها لتغطية مساحات واسعة من سطح المياه خلال فترة قصيرة مشكلة بساطا نباتيا كثيفا يمنع وصول الضوء والأوكسجين إلى الأعماق.

 

والسؤال هنا كيف وصلت إلى العراق؟_

 

تشير العديد من الدراسات والتقارير البيئية إلى أن زهرة النيل دخلت العراق عبر قنوات متعددة أبرزها أستخدامها كنبات زينة في بعض الحدائق والأحواض المائية قبل أن تنتقل إلى المجاري المائية الطبيعية بفعل الإهمال أو النقل غير المقصود ومع توفر الظروف الملائمة من درجات الحرارة المرتفعة و المياه الراكدة أو بطيئة الجريان وجدت النبتة بيئة مثالية للتكاثر في عدد من المحافظات العراقية لتبدأ رحلة إنتشارها من الجداول والقنوات الصغيرة نحو الأنهار الرئيسية ومع مرور الوقت تحولت من حالة محدودة يمكن السيطرة عليها إلى ظاهرة بيئية واسعة النطاق تهدد أجزاء كبيرة من منظومة المياه العراقية.

و تكمن خطورة زهرة النيل في أنها لا تكتفي في إحتلال المسطحات المائية بل تؤدي إلى سلسلة من الأضرار البيئية المتشابكة فعندما تغطي النبتة سطح الماء بكثافة فإنها تمنع أشعة الشمس من الوصول إلى الكائنات النباتية الموجودة في الأعماق مما يؤدي إلى تراجع عملية التمثيل الضوئي و أنخفاض إنتاج الأوكسجين الذائب في المياه وكذلك تتسبب الكتل النباتية الضخمة في أختناق الأحياء المائية خصوصا الأسماك نتيجة نقص الأوكسجين و أرتفاع معدلات تحلل المواد العضوية ومع موت أجزاء من هذه النباتات وتحللها تتدهور نوعية المياه بشكل أكبر ما يخلق بيئة مناسبة لنمو البكتيريا والطفيليات الضارة ولا تقتصر الأضرار على الحياة المائية فحسب بل تمتد إلى التنوع الحيوي بأكمله حيث تطرد الأنواع المحلية وتخل في التوازن البيئي الذي أستقر لعقود طويلة داخل النظم النهرية العراقية.

و هو الأستنزاف الخطير للموارد المائية في بلد يعاني أصلا من أزمة مائية خانقة تمثل زهرة النيل تهديدا مضاعفا بسبب أستهلاكها الكبير للمياه حيث أن النبتة تمتلك معدل تبخر مرتفعا للغاية مقارنة في السطح المائي المفتوح وهو مما يعني أنها تساهم في فقدان كميات إضافية من المياه يوميا وعندما تنتشر على مساحات واسعة من الأنهار والقنوات فإن حجم الهدر يصبح كبيرا للغاية ويكتسب هذا الأمر أهمية إستثنائية في العراق الذي يواجه تراجعا مستمرا في الواردات المائية القادمة من خارج حدوده فضلا عن مواسم الجفاف المتكررة و أرتفاع درجات الحرارة نتيجة التغير المناخي ومن المفارقة أن الدولة تنفق المليارات على مشاريع إدارة المياه بينما تترك أحد أبرز مسببات الهدر المائي يتوسع عاما بعد آخر.

وهنا أثرت زهرة النيل بشكل مباشر على عدة قطاعات أقتصادية منها القطاع الزراعي الذي يعاني من أنسداد القنوات والجداول التي تنقل المياه إلى الأراضي الزراعية وهو ما يؤدي إلى أنخفاض كفاءة الري وأرتفاع تكاليف الصيانة والتنظيف و كذلك تتضرر مشاريع الثروة السمكية بسبب تدهور البيئة المائية و أنخفاض أعداد الأسماك في حين تواجه محطات الضخ والإرواء مشكلات متكررة نتيجة تراكم الكتل النباتية على المضخات والمآخذ المائية وهنا تتحمل المراكز و المؤسسات الحكومية تكاليف إضافية لإزالة النباتات من بعض المواقع و لكن هذه الجهود غالبا ما تكون موضعية ومحدودة ولا تعالج أصل المشكلة.

وتوفر التجمعات الكثيفة لزهرة النيل بيئة مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض وعلى رأسها البعوض و تتحول المياه الراكدة المحاصرة بين كتل النباتات إلى بؤر ملوثة قد تساهم في أنتشار مسببات الأمراض و الطفيليات وتزداد المخاطر في المناطق السكنية القريبة من المجاري المائية حيث يمكن أن تتحول النبتة إلى مصدر دائم للمشكلات الصحية والبيئية.

 

وهنا أين كانت الحكومة؟. هذا السؤال الذي يفرض نفسه بقوة _ كيف وصلت الأزمة إلى هذا المستوى؟

 

على الرغم من التحذيرات المبكرة التي أطلقها خبراء البيئة والموارد المائية منذ عدة سنوات فإن الإستجابة الحكومية ظلت متأخرة ومحدودة فقد أقتصرت غالبية الإجراءات على حملات إزالة موسمية في أستخدام الآليات والمعدات دون تبني خطة وطنية شاملة للقضاء على النبتة ومنع عودتها و كما أن التنسيق بين الجهات المعنية ظل ضعيفا إذ تتداخل مسؤوليات وزارات الموارد المائية والزراعة والبيئة والحكومات المحلية دون وجود غرفة عمليات موحدة تتولى إدارة الملف بشكل متكامل وهنا تشير الوقائع الميدانية إلى أن المناطق التي تنظف تعود إليها النبتة بعد فترة قصيرة بسبب غياب برامج المكافحة المستدامة والمتابعة الدورية..

تعتمد أغلب عمليات المكافحة الحالية على الإزالة الميكانيكية فقط وهي وسيلة ضرورية لكنها غير كافية فإن النبتة تتميز بسرعة هائلة في إعادة النمو كما أن بقاء أجزاء صغيرة منها داخل المياه يسمح بعودة الإنتشار خلال فترة وجيزة وتحتاج المكافحة الفعالة إلى مزيج من الإجراءات الميكانيكية و البيولوجية والإدارية و التوعوية إضافة إلى مراقبة مستمرة لمواقع الإنتشار الجديدة و لكن غياب التمويل الكافي والخطط طويلة الأمد أدى إلى بقاء الجهود الحكومية في إطار رد الفعل المؤقت بدلا من الإدارة الأستباقية للأزمة وهنا تتطلب الحاجة إلى إستراتيجية وطنية شاملة حيث إن معالجة أزمة زهرة النيل تتطلب تحولا جذريا في طريقة التعامل مع الملف حيث أن الخطوة الأولى تتمثل في إعلانها خطرا بيئيا وطنيا يستدعي تعبئة الموارد والإمكانات الحكومية كافة.

و كما ينبغي إنشاء قاعدة بيانات دقيقة لرصد أماكن أنتشارها وتحديثها في أستمرار مع إشراك الجامعات ومراكز البحوث في تطوير حلول علمية مستدامة ومن الضروري أيضا إطلاق حملات توعية واسعة لمنع نقل النبتة أو أستخدامها لأغراض الزينة فضلا عن تشديد الرقابة على مصادر إنتشارها و أما على المستوى الميداني فيجب تنفيذ برامج إزالة مستمرة ومنظمة تشمل الأنهار والقنوات والمبازل في آن واحد لضمان عدم أنتقال الإصابة من منطقة إلى أخرى.

و في النهاية تمثل زهرة النيل نموذجا صارخا لكيف يمكن لآفة بيئية صغيرة أن تتحول إلى تهديد وطني كبير عندما يقترن خطرها في الإهمال وسوء الإدارة وبينما يواجه العراق تحديات مائية غير مسبوقة فإن السماح لهذه النبتة الغازية في التمدد داخل نهري دجلة والفرات يعني إضافة عبء جديد إلى منظومة تعاني أصلا من الضغوط والأزمات و إن إنقاذ نهري العراق التاريخيين لا يتطلب فقط زيادة الإطلاقات المائية أو بناء السدود والمنشآت بل يستوجب أيضا حماية المجاري المائية من الأخطار البيئية التي تستنزفها بصمت وكل يوم يمر دون معالجة جذرية لأزمة زهرة النيل هو خطوة إضافية نحو تفاقم خسائر قد تصبح أكثر كلفة وصعوبة في المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى