سياسة

رفيق الحريري… مشروع دولة في مواجهة منظومة العجز

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

رفيق الحريري… مشروع دولة في مواجهة منظومة العجز

 

الشيخ مروان الميس

يشهد لبنان في هذه الأيام حراكًا سياسيًا وشعبيًا لافتًا مع جولات الأمين العام لتيار المستقبل، الشيخ أحمد الحريري، على مختلف المحافظات اللبنانية، في محاولة صادقة لإعادة وصل ما انقطع بين الدولة والناس، والتأكيد على المشاركة الواسعة في إحياء ذكرى استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط.
وفي خضم هذا المشهد، لا يمكن التعاطي مع ذكرى استشهاد رفيق الحريري كمناسبة عاطفية عابرة، بل كمساحة وطنية لمراجعة عميقة بين مشروع دولة حقيقي حمله رجل ودفع حياته ثمنًا له، وبين واقع سياسي مأزوم تُديره منظومة أثبتت، عبر السنوات، عجزها عن بناء دولة أو حماية وطن.
منذ تولّيه رئاسة الحكومة عام ١٩٩٢، رفع الشهيد رفيق الحريري شعار “لبنان أولًا”، لا كشعار إعلامي، بل كخريطة طريق. أعاد إعمار بيروت وداوى جراح الحرب الأهلية، وأعاد تحريك العجلة الاقتصادية، وثبّت موقع لبنان على خارطة العالم العربي والدولي، واضعًا أسس الدولة الحديثة خلال فترة حكم لم تتجاوز عقدًا من الزمن.
إيمان الشهيد بالإنسان كان حجر الزاوية في مشروعه، فجعل من التعليم أولوية وطنية، وفتح أبواب الجامعات أمام عشرات آلاف الشباب اللبنانيين، إدراكًا منه بأن بناء العقول هو المدخل الحقيقي لبناء الأوطان. وقد انسجمت هذه الرؤية مع ما قاله ابن خلدون قبل قرون، حين اعتبر أنّ فساد التعليم هو مقدّمة لانهيار العمران والاقتصاد، وهي حقيقة نلمسها اليوم بمرارة.
الفارق بين لبنان ما قبل عام ١٩٩٢ ولبنان ما بعده ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل شاهد حيّ على قدرة المشروع الحريري على نقل البلاد من منطق الحرب والسلاح إلى منطق السلم الأهلي والعيش المشترك وبناء الدولة. هذا التحوّل لم يكن صدفة، بل نتاج رؤية واضحة وإرادة سياسية جريئة.
اليوم، وبعد أكثر من عقدين على استشهاده، يتبيّن أنّ ما أنجزه رفيق الحريري لم تستطع المنظومة الحاكمة مجتمعة تحقيقه، رغم الإمكانات والفرص. وهنا تتجلّى الفجوة العميقة بين نهج الاعتدال والمواطنة الذي مثّله الشهيد، وبين واقع سياسي قائم على التعطيل وتغليب المصالح الضيّقة على المصلحة الوطنية.
وليس خافيًا أنّ كل محاولة لإحياء هذا المشروع الوطني تُواجَه بعراقيل ممنهجة، لأنّ مشروع الدولة بطبيعته يُقلق أصحاب مشاريع الفوضى والهيمنة. من هنا تأتي أهمية التحركات التي يقوم بها الشيخ أحمد الحريري، ليس فقط لإحياء ذكرى الشهيد، بل لتجديد الالتزام السياسي والأخلاقي بمسار الدولة.
إنّ الوفاء الحقيقي للرئيس الشهيد رفيق الحريري لا يكون بالشعارات، بل باستكمال مشروعه الوطني بقيادة الرئيس سعد الحريري، وبإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الحاضنة لأبنائها، القادرة على حمايتهم ورعاية حقوقهم وصون كرامتهم.
في ذكرى استشهاد رفيق الحريري، نقول إنّ الرجل لم يغب، لأنّ المشاريع الكبرى لا تُغتال. بقي حاضرًا في وجدان كل من يؤمن بلبنان دولة لا ساحة، وطنًا لا متراسًا، ومستقبلًا لا رهينة.
رحم الله الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكل من سار على دربه في سبيل الوطن والإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى