ذكرى رفيق الحريري: بين الاعتدال السنّي والتحولات الإقليمية

د. خالد العزي – مناشير
في ذكرى استشهاد الرئيس الراحل رفيق الحريري، التي صادفت في 14 شباط من العام 2026، اعتلى الرئيس سعد الحريري المنبر في خطاب شعبي ألقى فيه جملة هامة تمثلت في التأكيد على أن “الطائفة السنية هي طائفة الاعتدال”. ومع أن هذه الجملة تحمل قوة رمزية كبيرة، إلا أنها أثارت العديد من التساؤلات حول سياقها ومضمونها في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها المنطقة.
بعد زوال التنظيمات الإرهابية مثل “القاعدة” و”داعش”، وغياب القوى المتطرفة السنية التي كانت تهيمن على بعض مناطق الشرق الأوسط، أصبح من الصعب تحديد أي نوع من “الاعتدال” يتوجه إليه الخطاب السنّي اليوم. فمع التحولات الإقليمية العميقة، التي انتقل فيها التركيز من قضايا التطرف الديني إلى أسئلة أعمق تتعلق ببناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، أصبح الخطاب السنّي يحتاج إلى إعادة تقييم.
عندما استخدم الرئيس سعد الحريري عبارة “الطائفة السنية هي طائفة الاعتدال”، يتساءل الكثيرون: هل ما زالت هذه العبارة تمثل الواقع السياسي الحالي؟ ومن هم المقصودون بها؟ في ظل الواقع الجديد الذي فرض نفسه على المنطقة، أصبح من الصعب تحديد لمن يتوجه خطاب الرئيس الحريري اليوم. فالتطورات الأخيرة في لبنان وفي المنطقة عمومًا تشير إلى أن العديد من القوى السياسية السنّية في لبنان تتبنى خطابًا أكثر عقلانية وواقعية، يركز على بناء الدولة اللبنانية وتعزيز مؤسساتها، بعيدًا عن الصراعات الطائفية.
من المهم الإشارة إلى أن هذه العبارة، في الوقت الراهن، قد لا تكون موجهة إلى الشخصيات السنّية التي تسعى لدعم الدولة اللبنانية وبناء مؤسساتها وفقًا للدستور، مثل الرئيس نواف سلام، أو الوزير أشرف ريفي، أو تمام سلام، أو حتى شخصيات أخرى مثل مخزومي وعبد الله. جميع هؤلاء هم شخصيات تتبنى مواقف معتدلة تطالب بتقوية الدولة، بعيدًا عن الانقسامات الطائفية والتجاذبات السياسية التي تخدم مصالح فئوية.
وبالنظر إلى التحولات السياسية في سوريا، حيث أصبحت القوى السنّية تبحث عن دور بعد مآسيها ومعاناتها التاريخية، نجد أن تجربة طرابلس، بما تحمله من مآسٍ وآلام، تمثل دليلاً على أن السنّة في لبنان ليسوا بحاجة إلى زعامات طائفية تعزز العصبية، بل هم في حاجة إلى قيادة تُوجههم نحو بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها.
اليوم، الأسماء السنّية البارزة في لبنان، مثل الرئيس نجيب ميقاتي، تسعى إلى تجنب المزايدات الطائفية وتحقيق رؤية عقلانية للواقع اللبناني. بل وحتى شخصيات مثل الرئيس احمد الشرع في سوريا قد بدأت تتجه نحو الابتعاد عن التدخل في شؤون الطوائف الأخرى، في خطوة تعكس تحولات سياسية جديدة.
إن غياب الزعامات الفاعلة التي توحد صفوف السنّة في لبنان يشكل تحديًا كبيرًا، لكنه في نفس الوقت يعد فرصة لتغيير حقيقي داخل المجتمع اللبناني. في هذه اللحظة، يجب أن يركز السنّة في لبنان على إعادة بناء أنفسهم كمواطنين فاعلين داخل الدولة، بعيدًا عن البحث المستمر عن زعامات تقوم على العصبية الطائفية، التي لا تؤدي سوى إلى مزيد من الانقسام.
في النهاية، يجب أن يتحد اللبنانيون جميعًا، وخاصة السنّة، حول قضايا أساسية مثل تعزيز الدولة، وتطبيق القانون، وحماية المواطنين من جميع المكونات. فالسنة في لبنان، كجزء لا يتجزأ من الأكثرية العربية في المنطقة، يجب أن يسعى إلى بناء وحدة وطنية تضمن حقوق جميع اللبنانيين في الحياة الكريمة والآمنة. إن غياب الزعماء الذين يشدون العصبية الطائفية يمثل فرصة لتحويل الواقع اللبناني نحو دولة مستقرة وقوية، تتسع للجميع بعيدًا عن المصالح الطائفية والمزايدات السياسية.



