خالد العزي – نجم الهاشم الصحافي الخلوق والمثالي في عالم الإعلام

كتب د. خالد العزي في مناشير
من الجميل حقًا أن تجد شخصًا مثل نجم الهاشم، الذي لا يُعتبر مجرد صحافي أو إعلامي مميز، بل هو شخصية تُعبّر عن أعمق معاني المهنية والإنسانية في الإعلام. وعندما تتحدث عن نجم، يبدو وكأنك تتحدث عن أكثر من مجرد زميل أو صديق. هي علاقة تمتد إلى مستوى أعمق من التفاهم والاحترام المتبادل، وهذا ما يجعل الحديث مع نجم تجربة خاصة ومميزة.
التوجه المهني والتفرد في العمل
ما يميز نجم الهاشم ليس فقط مسيرته الإعلامية الطويلة، بل أيضًا قدرته الفائقة على تنقية الذاكرة وتحويلها إلى مواد مكتوبة تفيد الأجيال القادمة. في المنطقة التي نعيش فيها، غالبًا ما تضيع الذاكرة الشفهية مع مرور الوقت، ويختفي الكثير من تاريخنا ومعرفتنا بمجرد انقطاع الأجيال السابقة. لكن نجم، من خلال عمله الصحفي والكتابي، يضمن أن تلك الذكريات والتجارب لا تندثر، بل تُوثق وتُحفظ بطريقة يمكن للأجيال الجديدة الاستفادة منها. هذا النوع من العمل المهني هو بحق سمة من سمات الصحافة التي تتسم بالمسؤولية التاريخية، حيث يبقى الوثائق والمعلومات حية وقابلة للاستخدام رغم مرور الزمن.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التزام نجم بتقديم العمل بمهنية عالية هو ما يبرز فيه. عمله على البودكاست والمقالات اليومية لا يقتصر فقط على تقديم معلومات أو أخبار، بل يعكس التزامًا عميقًا بالمحتوى الذي يحفظ ذاكرة المجتمعات. نجم لا يكتفي بالنقد أو التحليل السطحي، بل يسعى إلى دفع الحوار إلى مستويات أعلى وأكثر نضجًا، مما يعكس منهجية محترفة في بناء النقاش وتقديمه بشكل مبتكر ومؤثر.
الحوار والنقد البناء
إن الحديث مع نجم هو بمثابة إفراج عن الهموم الداخلية. قد يبدو هذا وكأنه مسألة عاطفية، لكن الحقيقة أن هذا النوع من الحوار هو ما يفتح المجال للنقد البناء والتبادل الفكري. نجم لديه القدرة على طرح الأسئلة التي تحفز التفكير، ودائمًا ما يوجه الحديث نحو توسيع الأفق والنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة. هذا التحفيز للفكر والنقد لا يُحجم أبدًا، بل يفتح المجال لتطوير الذات وتحقيق الأفضل.
ورغم اختلاف خلفياتنا الفكرية (انا يساري شيوعي وهو من خلفية قواتية يمنية )، فإن العلاقة بيننا لم تتأثر أبدًا بهذه الاختلافات ولا تزال كلمة رفيق هي السائدة في خطابنا . بل إن هذه الاختلافات تُظهر روح الاحترافية العالية التي يمتلكها نجم. فالمهنية هي الأساس في كل تعاملاته، ومن الواضح أن هدفه في النهاية هو تقديم أفضل ما يمكن، بغض النظر عن الخلفية السياسية أو الفكرية. وهذا يشير إلى أنه لا يرى في الاختلافات السياسية عائقًا، بل يُعتبرها إضافة للثروة الفكرية التي يمكن من خلالها بناء أفكار جديدة ومناقشات ثرية.
الشراكة الإعلامية والعمل المهني
عندما عملت معه في مجلة المسيرة، كان الهدف الرئيس لنجم هو البحث عن الجديد. هذا التوجه الذي كان يسعى من خلاله إلى تقديم المحتوى بأعلى مستوى من المهنية هو ما جعلك ترى في عملك معه تجربة تعليمية رائعة. نجم لم يكن يهتم فقط بالتقارير أو المعلومات المعتادة، بل كان دائمًا يبحث عن الزوايا غير التقليدية، والأفكار التي يمكن أن تُحدث فرقًا في طريقة تقديم الأخبار والمعلومات. هدفه كان دائماً أن يرفع من مستوى العمل، وأن يجعله أكثر تأثيرًا وأعمق في تأثيره على القارئ والمجتمع.
هذا النوع من الشراكة الإعلامية لا يُقدّر بثمن، فهو لا يتعلق فقط بالتغطية الصحفية، بل يشمل أيضًا العمل الجماعي نحو تحقيق الأفضل. نجم، بتوجهاته المهنية، لا يركز فقط على تقديم محتوى، بل يسعى أيضًا إلى رفع مستوى الزملاء من خلال العمل الجماعي والمناقشات المستمرة التي تهدف إلى تحسين الأداء وتحقيق النجاح المشترك.
بالفعل، نجم الهاشم ليس فقط صحافيًا مميزًا في عمله، بل هو شخصية إعلامية تُجسد قيم النزاهة والأخلاق المهنية بشكل لا يقتصر على مجالات معينة بل يمتد ليشمل تعاملاته اليومية مع زملائه. حتى في أيامه كمحرر في صحيفة “نداء الوطن”، التي كنت انشر فيها مقالاتي، كان نجم يُظهر ترحابًا حقيقيًا مع الكتاب والمساهمين في الصحيفة. كان يتعامل مع مقالاتك وكأنها إضافة قيمة للمحتوى الذي يقدمه، ولا يسعى إلى تهميش أو تعديل المواد بشكل يعكس رغباته الشخصية، بل كان يلتزم بالمهنية والأمانة في نشر الأعمال.
الأمانة المهنية: نجم في “نداء الوطن”
الحديث عن أمانة نجم الصحافية لا يقتصر على مجرد نشر المقالات بل على إظهار الاحترام الكامل للكاتب والمحتوى الذي يقدمه. في عالم الصحافة، كثيرًا ما نرى الصحافيين والمحررين الذين يحاولون فرض آرائهم أو تعديل المقالات بما يتناسب مع توجهاتهم السياسية أو الشخصية. ولكن نجم كان دائمًا يحترم النصوص كما هي، ويمنحها الأهمية التي تستحقها، مما يعكس مدى التزامه بالقيم الأساسية للعمل الإعلامي، والتي تشمل الحياد والمهنية.
نجم نشر بعض مقالتي دون كلل أو تردد، وهذا هو أبرز دليل على تواضعه واحترامه للمهنة. في بعض الأحيان، قد يواجه المحررون صعوبة في نشر بعض الأعمال بسبب الاختلافات الفكرية أو السياسية، لكن نجم كان دائمًا يسعى إلى تقديم الأفضل دون أن يسمح بأي تداخل أو تأثيرات شخصية على عمله. هذا يعكس روحه الخلوقة، التي تحترم العمل الصحافي في جو من التعاون، وهو ما يميز الصحافة الجادة عن الصحافة الهادفة إلى التوجيه أو الانحياز.
نجم والخُلق الإعلامي: “سقوط التعجرف والتكبر”
نجم الهاشم يسقط عن نفسه تمامًا أي مفهوم للتعجرف أو التكبر، وهي صفات للأسف يمكن أن تكون شائعة في الوسط الإعلامي، خصوصًا لدى بعض الصحافيين الذين يظنون أن مكانتهم المهنية تمنحهم الحق في فرض السيطرة على من حولهم. ولكن نجم كان دائمًا يُظهر تواضعًا غير عادي، وهو ما كان يجعل تعاملاته مع الجميع، سواء كانوا من خلفيات سياسية أو فكرية مختلفة، تتميز بالاحترام والتقدير.
هذه الأخلاق المهنية تُعد من أهم صفات الصحافي الحقيقي، الذي يضع خدمة المهنة والعمل الإعلامي فوق أي مصالح شخصية. بدلاً من استخدام منصبه كمحرر أو صحافي في توجيه أو تحريف المحتوى بما يتناسب مع أيدلوجياته الشخصية أو السياسية، كان نجم يحترم حرية التعبير ويفتح المجال للمبدعين من مختلف الاتجاهات للإسهام في العمل الإعلامي بشكل نزيه.
نجم كمثال يحتذى به في الصحافة
اليوم، في عالم الإعلام الذي يتسم بالسرعة والضغط، من المهم أن يكون لدينا نماذج صحافية مثل نجم الهاشم، التي تُظهر أن التزام المهنية والأخلاق هو الأساس في العمل الصحافي. نجم لم يكن فقط يقدم مساحة للمقالات والأعمال الإعلامية، بل كان يخلق بيئة داعمة ومحفزة ، مما يساهم في نمو الصحافة ككل.
نجم الهاشم هو مثال حي على الصحافي الذي لا يسعى لجعل نفسه محورًا في العمل الصحافي، بل يُكرس جهوده لتقديم المصلحة العامة ورفع مستوى الصحافة إلى آفاق أفضل. هو الشخص الذي يسعى دومًا لتمكين الآخرين، ويؤمن أن العمل الإعلامي يجب أن يُبنى على أساس من الشفافية والنزاهة.
نجم الهاشم هو أكثر من مجرد إعلامي متميز؛ هو رجل مهنته التي تترجم إلى تاريخ فكري وإعلامي حقيقي. من خلال عمله في توثيق الذاكرة الشفهية وتحويلها إلى مواد مكتوبة، يساهم نجم في الحفاظ على تاريخ المجتمع بشكل يتجاوز حدود الزمن. الحوار معه ليس مجرد نقاش، بل هو تجربة فكرية تدفع دائمًا إلى التحليل والنقد البناء، مما يعكس شخصية إعلامية ذات مستوى عالٍ من المهنية والإنسانية.
إن الحديث عن نجم الهاشم هو حديث عن الصحافي الذي يتجاوز حدود الاحترافية ليصل إلى مستويات عالية من الأخلاق. نجم هو الصحافي الخلوق الذي يعمل بتواضع ودون أي تعالٍ أو تحيز، يُقدّر العمل الصحافي ويمنحه المساحة الكافية للنمو والازدهار. في كل مرحلة من مراحل مسيرته الإعلامية، سواء كان في المسيرة او “نداء الوطن” أو من خلال أعماله الأخرى، نجم كان دائمًا يقف وراء نشر المعرفة والمساهمة في تقدم الصحافة بأفضل الطرق الممكنة، مع الحفاظ على احترام الآخر وسعيه المستمر لتحقيق الأفضل.
إذن، نجم الهاشم هو مثال يُحتذى به في عالم الإعلام اليوم، حيث يُظهر كيف يمكن للصحافي أن يتفوق في عمله دون أن يخسر قيمه الإنسانية أو المهنية. بفضل أخلاقياته العالية، واهتمامه العميق بتوثيق تاريخ المجتمع من خلال أعماله الإعلامية، يُعتبر نجم الهاشم نموذجًا يحتذى به في صناعة الإعلام، الذي يحتاج إلى المزيد من القيم الإنسانية والمهنية في زمن يتسم بالتحديات والضغوط.



