خبر عاجلسياسة

ترامب أسير زوابعه.. وصدمة ما بعد مادورو تمهّد لنشوء جبهات معارضة

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

ترامب أسير زوابعه.. وصدمة ما بعد مادورو تمهّد لنشوء جبهات معارضة

 

جميل الحسيني

يقول المفكر العربي الجزائري مالك بن نبي إن الاستعمار هو نتيجة لـلقابلية للاستعمار التي تجعل المجتمع مستعداً للخضوع، وهي حالة نفسية عميقة من الرضوخ والتبعية للآخر ناتجة عن إحساس الشعوب بالدونية وعدم القدرة على إدارة شؤونهم، مما يجعلهم أدوات في يد المستعمر. ولئن تحدّث ابن نبي عن انفصام الغرب وحضارته بين حدّي المادة والروح فإنه كان يقصد بذلك التغوّل الأوروبي الذي كان يرى تفوّقاً نوعياً لدى إنسانه مقابل التخلّف والوضاعة في قيم باقي الشعوب وهويتها وخاصة المسلمين، مما يجعلهم بالنسبة للغرب مجرّد أقوام قابلة للغلبة والتحكّم.
ولا شكّ في أن الولايات المتحدة الأمريكية تمثّل نموذجاً متطوّراً عن الجانب القذر للحداثة الغربية، مع ما ورثته عن قوى الهيمنة الأوروبية من اعتماد على القوة والقهر وإخضاع الآخر وسيلةً لفرض الاستعمار بشكل مباشر أو غير مباشر، ولا بد هنا من الإقرار بأن دونالد ترامب نجح في إقامة نوع من المزاوجة والدمج بين الدفع التاريخي لجذوره الألمانية وبين نظريات الإطباق الشامل التي اقترنت بأسماء عدد من الرؤساء الأمريكيين من جورج واشنطن إلى جيمس مونرو مروراً بوودرو ويلسون ورونالد ريغن وجورج بوش وصولاً إلى ترامب نفسه، وكل هؤلاء كانوا ينظّرون لتشريع قانون الهيمنة داخلياً في ما أصبح يُعرف لاحقاً بالولايات المتحدة أو الانقلاب على العالم المستعمِر الأوروبي كنتيجة ميدانية لوقائع الحرب العالمية الثانية والتمهيد للتحكّم المباشر بمنابع الطاقة في ما يسمّى الشرق الأوسط، والإمساك بمفاتيح السلطة والقرار في أنظمة العالمين العربي والاسلامي.
وإذا نظرنا إلى خطوة ترامب في اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو وزوجته بالسيناريو الاستعراضي الهوليوودي الذي تمت به والمواقف التي سبقت وتلت عملية القرصنة هذه لرأينا أن الرجل كان يهدف إلى أبعد من السيطرة على ثروات هذا البلد، باتجاه إطلاق مجموعة من الرسائل التي تصبّ في خانة تكريس نظريته المحّدثة في الهيمنة العالمية، فإن مجرد خطف رئيس واقتياده إلى خارج حدود بلده في عملية محدودة النطاق والأهداف وإخضاعه للمحاكمة القضائية بتهم ملتبسة لا يعني أن النظام في هذا البلد قد سقط وسلّم مقدّراته وثرواته وأصبح أسيراً في قراراته السيادية، وإلا فلماذا لم يقدم ترامب على اجتياح فنزويلا بقواته العسكرية “الخارقة” وأسطوله البحري والجوي ونصّب فيها حاكماً تابعاً له!؟ ولماذا لم يزكّي قوى المعارضة لتولّي الحكم في كاراكاس!؟ إما أنه لا يستطيع أو أن لديه ترتيباً آخر لذلك.
نعم.. أراد ترامب أن يبعث برسالة تهديد مباشرة لكل حكام الدول والأنظمة في العالم من الخصوم والحلفاء والتابعين كي يتحسّسوا رقابهم إذا ما اختاروا معارضته أو عرقلة مساعيه للهيمنة على العالم بالأصالة أو بالوكالة، ولكن المضمون الأقوى للرسالة هو حفر مفهوم “العدالة الأمريكية” في أذهان هؤلاء، ولا يبعد أن يبني على هذا المفهوم لائحة إدانات لمادورو تليها عقوبات مالية وسياسية واقتصادية وتجارية يحمّلها للطاقم الحاكم في فنزويلا كضريبة دائمة على غرار الخوّة الأبدية التي كبّلت بها واشنطن العواصم الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا، ولا نريد في حديثنا إقحام الصين وروسيا ومسؤوليتهما عن عدم التحرّك لنصرة حليفهم مادورو، فإن في ذلك تداعيات اقتصادية وتجارية وصفقات وتبادلات كبرى تحتاج إلى كثير من البحث والدراسة، فضلاً عن أن بكين وموسكو قد لا تريان في البلطجة الأمريكية تهديداً مباشراً لهما، وهما المشغولتان بالحرب في أوكرانيا والتهديد التايواني.
وعلى الرغم مما سبق فسرعان ما سوف تتبدّد آثار صدمة مادورو ليبدأ الحديث عن جدوى هذه القرصنة مع تمكّن الشعب الفنزويلي من التماسك والانصراف إلى تثبيت دعائم الحكم، أما ترامب فسيحاول كعادته إثارة الغبار من جديد في مكان آخر، من غرينلاند إلى المكسيك إلى كولومبيا وغيرها، وهكذا يحافظ على حراك زوابعه الإعلامية والسياسية سعياً منه إلى تصدير مشاكله الشخصية والداخلية إلى الخارج على شكل مشاريع توسّعية وإشغال العالم بامتصاص تردّدات مشاريعه الاستعمارية؛ وعلى المقلب الآخر فإن جموحه الشامل لن يمنحه صكوك استسلام كما يتصوّر، بل قد ينقلب هذا الجموح إلى تشكّل جبهات متعدّدة ولا سيما على مستوى الشعوب، فعلى الرغم من الضوضاء العارمة التي يفتعلها الرجل في الساحات التي يقتحمها إلا أنه حتى اليوم لم يستطع إقفال أي ملف بدءاً من قطاع غزة وسوريا ولبنان واليمن والعراق وإيران وكذلك في فنزويلا.. إن أمريكا ليست قدراً وكذلك “إسرائيل” والحرب سجال والمواجهة مفتوحة ومن يصمد أكثر ينتصر أولاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى