بين الطائف والفدرالية جعجع يفتح باب النقاش حول لبنان ما بعد الصيغة الحالية.. الى أين يأخذ المسيحيين؟

مناشير
إطلالة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الأخيرة ليست محطة إعلامية عادية لتعبئة الهواء ضمن السجال السياسي اللبناني، بل حملت مؤشرات سياسية لافتة تتجاوز حدود المواقف التقليدية إلى طرح أسئلة تتصل بجوهر النظام اللبناني ومستقبله. فالكلام الذي أدلى به حول استنفاد “التركيبة اللبنانية” لأغراضها، واعتباره أن إعادة النظر فيها أصبحت أمراً لا مفر منه، يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز الملفات اليومية نحو البحث في شكل الدولة وآليات الحكم والتوازنات التي أرساها اتفاق الطائف منذ أكثر من ثلاثة عقود.
على مدى سنوات طويلة، تموضع جعجع في خانة المدافعين عن اتفاق الطائف باعتباره الإطار الدستوري والسياسي القادر على تنظيم الحياة الوطنية إذا ما طُبّقت بنوده كاملة، ولا سيما ما يتعلق منها بسيادة الدولة وحصرية السلاح. إلا أن حديثه الأخير أوحى بانتقال تدريجي من المطالبة بتطبيق الاتفاق إلى التشكيك بقدرته على الاستمرار كصيغة صالحة لإدارة البلاد، وهو تحول يحمل دلالات سياسية تتجاوز شخص جعجع وحزبه إلى طبيعة النقاش الوطني المقبل.
تكمن أهمية هذا الطرح في أنه يأتي في مرحلة يعيش فيها لبنان تحولات داخلية وإقليمية عميقة. فالبلاد تواجه أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة، فيما لا تزال الملفات السيادية والأمنية موضع تجاذب داخلي وخارجي. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي حديث عن تعديل النظام أو إعادة تأسيسه لن يبقى محصوراً بفكرة واحدة أو مشروع سياسي محدد، بل سيؤدي تلقائياً إلى إعادة فتح النقاش حول مجمل التوازنات التي قام عليها لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية.
ومن هنا تبرز مجموعة من التساؤلات الجوهرية. فهل تسمح الظروف الراهنة بخوض نقاش تأسيسي جديد حول شكل النظام؟ وهل يمتلك اللبنانيون القدرة على إنتاج توافق وطني جديد في ظل الانقسامات الحادة القائمة؟ والأهم، هل يؤدي فتح هذا الباب إلى تطوير الدولة أم إلى تعميق الانقسامات بين مكوناتها؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أي نقاش حول تعديل الصيغة اللبنانية سيصطدم بواقع ديموغرافي وسياسي مختلف تماماً عما كان عليه الحال عند إقرار اتفاق الطائف. فموازين القوى الداخلية تبدلت، والتحولات السكانية والهجرات المتراكمة خلال العقود الماضية فرضت واقعاً جديداً. لذلك، فإن إعادة فتح الملف قد تدفع أطرافاً متعددة إلى طرح مشاريع متناقضة تتراوح بين اللامركزية الموسعة والفدرالية والمثالثة والمؤتمر التأسيسي، ما يجعل النتائج النهائية لأي عملية مراجعة مفتوحة على احتمالات عديدة يصعب التنبؤ بها.
أما على مستوى الشأن السياسي الداخلي، فقد لفتت مقابلة جعجع الانتباه إلى التباين بين إشادته بأداء رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام من جهة، وانتقاده الضمني لبطء معالجة ملف سلاح حزب الله من جهة أخرى. فالرجل الذي أثنى على الخطاب السياسي للعهد الجديد عاد ليؤكد أن هذا الملف كان سيُحسم منذ زمن لو كان في موقع القرار، ما أثار تساؤلات حول مدى واقعية هذا الطرح في ظل التعقيدات اللبنانية والإقليمية المحيطة بالقضية.
فالحديث عن سلاح حزب الله لا يرتبط فقط بإرادة داخلية أو بقرار سياسي محلي، بل يتصل أيضاً بتوازنات إقليمية وحسابات دولية وتشابكات أمنية معقدة. لذلك، فإن أي مقاربة لهذا الملف تبقى مرتبطة بقدرة الدولة على إدارة التوازنات الدقيقة وتجنب الانزلاق نحو مواجهات داخلية أو أزمات جديدة قد تهدد الاستقرار الوطني.
في المحصلة، تبدو مواقف جعجع الأخيرة بمثابة محاولة لفتح نقاش واسع حول مستقبل لبنان السياسي، سواء من خلال إعادة طرح قضية السلاح أو عبر التشكيك بقدرة الصيغة الحالية على الاستمرار. غير أن السؤال الأساسي يبقى مرتبطاً بمدى استعداد اللبنانيين للدخول في مرحلة إعادة النظر بالنظام، وما إذا كانت الظروف الراهنة تسمح بإنتاج بديل أكثر استقراراً وعدالة، أم أن الحفاظ على التسوية القائمة وتطويرها يبقى الخيار الأقل كلفة في بلد اعتاد أن تكون كلفة التغيير فيه أعلى من كلفة الجمود.



