
قاسم يوسف — طامحون
قبل أن يستحضر الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات مقتطفات من مقالة كتبها الصحافي الكبير ميشال أبو جودة في خطابه التاريخي أمام الكنيست الاسرائيلي، كان جمال عبد الناصر يُرسل يوميًا طائرة خاصة إلى بيروت لنقل صُحفها، لا سيما صحيفة النهار التي كانت ممنوعة في مصر آنذاك، وحين كان يُسئل عن سبب اهتمامه البالغ بالصحافة اللبنانية، كان يُجيب: كيف لي أن أفهم ما يجري في المنطقة وفي العالم ما لم أقرأ ما تكتبه صحف بيروت وما يكتبه ميشال أبو جودة كل صباح.
كانت الصحافة رسالة حين كان الصحافي رسولاً. يحمل الهمّ على كتفيه وهو يغوص في مهنة المتاعب. لا يتردد في حفر مقاله بالسكاكين أو الأزاميل متى تحسس رجاحة رأيه ومحورية دوره وعميق حضوره. ثم ما يلبث أن يكتب بريش النعام كلما صارت المسؤولية الوطنية جزءًا لا يتجزأ من قيمه ومن رسالته وأخلاقه. هو الصلب تمامًا متى استدعته الصلابة إلى ساحتها. وهو الطري متى صارت الطراوة صنو استقامته ونبله ووطنيته.
ثمة لهذه القاعدة شواذ. وهو شواذ أخذ يصير بفعل الممارسة والاضمحلال وجهًا أساسيًا من وجوهها. كأن تصير الصحافة فعل ابتزاز. أو أن يتحوّل الصحافي إلى تاجر. يبيع ويشتري. يُهاجم هنا ويهادن هناك. ليس استنادًا إلى مبدأ أو تمايز أو تباين. بل انطلاقًا من نظرية قذرة تقوم على اختيار دقيق للمستهدفين. وهم في سوادهم الأعظم من الميسورين الناجحين. وهنا تمامًا تحضر المعادلة المسخ: أعطنا من ما أعطاك الله لنصفق لك ولحضورك حتى تحمّر أيدينا. وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور.
واحدٌ من أمثلة كثيرة هو ميشال ضاهر. ذاك الرجل الناجح الطموح الذي دخل عالم السياسة على وقع أحلامه بتوسيع مشاريعه لتشمل 15 الف فرصة عمل. وهو يكاد لا يكلّ ولا يملّ من التحرك ومن طرح الأفكار الآيلة لتغيير الواقع القائم، وقد بادر منفردًا إلى تنفيذ عشرات المشاريع الحيوية، فضلاً عن حضور سياسي وتشريعي لافت ووازن، لكن ذلك كله لم يشفع له أمام الأقلام الصفراء، التي ما برحت تلهث خلف ابتزازه والنيل منه ومن حضوره وسمعته عبر سلسلة من أقذر الحملات وأشرسها على الإطلاق.
قبل سنوات، وتزامنًا مع انخراط ميشال ضاهر الكامل في الشأن العام، توجهنا له عبر هذا المنبر بكلام وجداني وصادق. واليوم نعيد على مسامعه ونكرر: لا ترضخ. ولا تدفع قرشًا واحدًا لهذه الحفنة القذرة من المبتزين الذين يدعون زورًا أنهم ينتمون للصحافة وأهلها، ولا تسمح لهم ولا لغيرهم أن يسلبوك قلبك ونبلك وعاطفتك. وتذّكر، تمامًا مع إشراقة كل صباح، أن الرجال الرجال هم أولئك الذين يحملون قضيتهم على درب القيامة. أما الدرك الأسفل من القاع السحيق، فهو يضجّ بما تيّسر من الشتّامين والحاقدين وشذاذ الآفاق.



