سياسة

الوعي بالمستقبل: رهان النهضة في زمن التراجع – محمود القيسي

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الوعي بالمستقبل: رهان النهضة في زمن التراجع – محمود القيسي

محمود القيسي

“ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم.”

كارل ماركس

الأفكار والأنظمة تتطور مع تغيّر المجتمع والتكنولوجيا والواقع الاقتصادي والسياسي.

المستقبل هو الماضي والحاضر معًا، وهو رهان النهضة ومجال الفعل. ومن غير التفكير فيه والاستعداد لاحتمالاته، فإن واقع الضعف والتخلّف لن يتحول بغتةً إلى نهضة وتقدّم من دون تخطيطٍ لماضٍ ذهب، صار واقعًا اليوم وأملًا متجدّدًا في المستقبل، حيث تدور في فلك الزمن ساعات أعمارنا بصمت، يكبت صراخ الإحياء وضجيج الأشياء، كونه ساحقًا متعجّلًا، إذ يلتهم الحياة دون التفات. فما مضى لن يعود، والحاضر قريب الفوات لا يسع وقته وظروفه للتحكّم والتغيير، وأمّا الفعل الممكن فلا يكون إلا في المستقبل.

الوعي بالمستقبل: مفهوم إشكالي وحاجة حضارية

الوعي بالمستقبل… زمن المستقبل يُعتبر من الغيب الذي لم يطّلع عليه بشر، والوعي كمصطلح هو من العبارات الشائكة المعقّدة المحمّلة بالغموض، بالرغم من كثرة الاستعمال. فالمستقبل والوعي من ألغاز عصرنا الحاضر، والمحيرة والمتبادرة أيضًا إلى كل ذهن في آنٍ واحد.

الوعي بالمستقبل كحاجة للنهوض، أو علم المستقبل، أصبح في الألفية الثالثة مفتاح التغيير والاستجابة العلمية لتحديات المستقبل ومفاجآته المحمومة والمتسارعة في حياة المجتمعات المعاصرة. والمتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لم تعد متدرجة في اتساقها وانسيابيتها في بُنى المجتمع الفكرية والثقافية، بل اكتسبت صفة العصر الحاضر في سرعتها واندفاعها اللاواعي نحو التغيير الحتمي الذي فرضته عولمة السوق المفتوحة وشبكات التلفزة الفضائية ومجريات الساحة السياسية تحت وطأة مستثمري الحروب. وأصبحنا نندفع مع ذلك السيل نحو المصير المجهول، المنحدر نحو قيعان التبعية والغواية الاستهلاكية أو الترفيهية، كما هي سمة العصر القادم لمعظم المجتمعات العربية، والحاضر للمجتمعات الغربية التي أصبحت تأكل كل شيء أمامها.

ملامح الوعي المستقبلي وخطة التحضّر والحداثة

يمكننا تلخيص ممّا سبق أهم ملامح الوعي المستقبلي الخاص بخطة التحضّر والحداثة من خلال التأكيد على المفاهيم التالية، حيث تؤكد الأبحاث والدراسات والابتكارات الحديثة المراد بالوعي المستقبلي كحاجة مجتمعية للنهوض والتغيير:

• “الوعي بالمستقبل هو مستوى فهم المجتمع لصورته القادمة، وإدراكه لدوره في الإسهام في تفاعله مع مواقف الحاضر وصولًا إلى إدراك ما يقتضيه تفاعله مع مواقف المستقبل.”

• فبما أن المستقبل يتطلّب عملًا جادًا للتفاعل معه، كانت الحاجة أهم لبناء وعي فردي ومجتمعي يضمن تحقيق المقصود وينجح في الوصول إلى المطلوب من التخطيط والاحتياطات والدفاعات اللازمة لتغيير المستقبل.

فمهمة الوعي بالمستقبل تتركز على الغايات التالية:

• تحويل علم المستقبل من تخرّصات وظنون ونبوءات خرافية إلى علم له أساساته المنهجية.

• تكوين إرادة التغيير والمدافعة الذاتية لتحديات المستقبل.

• فهم وإدراك طبائع السنن التغييرية والتحولات الإنسانية.

• تصحيح المفاهيم الخاطئة عن المستقبل والتعامل مع تحدياته.

• التحفيز الذهني للمشاركات الجماهيرية في عمليات التغيير وتكوين فرص التأهّب الاجتماعي استعدادًا للمستقبل بدل ترقّب وقوع المشكلات بصورة مفاجئة.

من الشرق إلى الغرب: نشأة علم المستقبل

علماء الشرق قدّموا رؤية مستقبلية وفق ضوابطهم التاريخية، ولهم قدم السبق في صناعة علوم المستقبل، مع حاجة هذا الإطلاق إلى دقة علمية وجهد استقرائي. وليس ما ذكره المؤرخون الأوروبيون كما يُشاع الحديث عندهم من أن كتاب “ذكريات القرن العشرين” هو البداية الحقيقية لظهور (علم المستقبل)، مع العلم أن ما ذُكر كان مجرد توقّعات وليست تحليلات منهجية لهذه التوقّعات المستقبلية.

ولكن يجب أن نعترف ونقرّ بالفضل أن محددات هذا العلم ونشأته الحقيقية والفضل في نشره وتعليمه كانت في الغرب المعاصر. فأول من استعمل مصطلح (أحداث المستقبل) هو عالم الاجتماع (جليفان) سنة 1907، وأول من استعمل كلمة (علم المستقبل) هو الأميركي ذو الأصل الألماني (أوسيب فليختايم)، كما أن أول من استخدم كلمة (استشراف) هو العالم المستقبلي (غاستون). وهذا الجهد الكبير في خدمة هذا العلم استُثمر في كثير من صور الحياة المعاصرة والعلوم الإنسانية والطبيعية.

فنجد في فرنسا أن العالم (غاستون برجيه) أنشأ سنة 1951 مركزًا دوليًا للاستشراف نشر في بداياته الأولى ما عُرف (بكراسات الاستشراف). كما تُعد السويد في هذا المجال البلد الأكثر اهتمامًا بهذه الدراسات. وعمومًا فكل الدول المتقدمة لها مراكز للدراسات المستقبلية، وأصبح بالتالي علمًا له خصائصه ومتخصصوه. يكفي أن نعرف أن (جمعية مستقبل العالم) الأميركية بلغ عدد أعضائها أكثر من ثلاثين ألف عضو، منهم ما يزيد على الألف عضو من العلماء الذين يعتبرون أنفسهم متخصصين فعلًا في هذا المجال الجديد.

في حين أن تلك المراكز المستقبلية لا تتعدى العشرين في جميع الدول العربية، مع ضعفها وقلة إنتاجها، كما أن تدريس هذا العلم ونشر ثقافته في الجامعات العربية ما زال محدودًا وهامشيًا؛ ولا غرابة في ذلك، فحضورها الواقعي والتفاعلي مع القضايا الراهنة مغيّب عن الشهود، فكيف نطلب منها القفز نحو المستقبل البعيد؟

الذاكرة الجماعية وإرادة التغيير

نعم، الوعي بالمستقبل هو نوع من إثارة الفكر نحو طلب التغيير في الممكن من الزمان والمكان، ولا يتم التغيير ما لم تنعش الذاكرة الجماعية، فهي المستهدف من المستقبلية. وأُسّ ذلك يكمن في الإيمان والعمل، ومحاربة التآكل المعرفي، والحيلولة دون تآكل الذاكرة، هما المقصد الأسمى من الاهتمام بعلوم المستقبل. فما لم يكن هناك شعور جماعي بضرورة العمل على الحد من الأخطار ومقاومة الفساد وإصلاح الأحوال، فإن الجهد المستقبلي يبقى أوراقًا مصفوفة تتساقط مع الأيام.

نعم، المستقبلية في منهجها السليم، كما يقول أحد المستقبليين، تقتضي نظرتين متكاملتين: نظرة إلى الأفق البعيد، ونظرة إلى الحاضر من بعيد؛ نظرة إلى الأفق البعيد لتكهّن مآلات القرارات المتخذة الآن، ليس بقصد استغراق الذهن في التحديد الدقيق لتفاصيل مضمونها، ولا الاستمتاع ببراعة تخيّل أشكالها، ولكن بهدف معرفة مجال المراجعة حاضرًا، وفسحة إمكانية المبادرة حالًا، لتغيير المسار نحو الأفضل وتوجيه الواقع نحو الأمثل.

من المعرفة إلى السياسة فالاقتصاد

نعم، العلم المعرفي قادح شرارة الإقلاع الحضاري عند الأمم التي حققت شهودًا حضاريًا؛ فهو يحيي الروح، ومن ثم تقوم السياسة بعد ذلك بتنظيم الطور الثاني، ويتولى الاقتصاد الطور الثالث. وهذا يحدث شيء منه اليوم في بعض الدول العربية؛ فهناك رقي في الروح، وبصيرة، وتدفّق في القوة البشرية. وهناك اليوم هاجس فاعل ومؤثر يغمر المخيلة بالتفاؤل، لم يوجد بهذه الكفاءة ولا بهذا العمق والتشبّث باللحظة التاريخية، لتصبح عقيدة تصنع الطريق لبلوغ الغاية، وفكرة ثقافة مشاعة بين الناس.

الوعي بالذات ومقاومة ثقافة اليأس

نعم، الوعي بالذات هو الخطوة الأولى لأي محاولة للنهوض بالحاضر واستشراف المستقبل، ومحاربة الضعف الداخلي. وإن كان هناك هنات وعثرات فإنها زلّات تصحب أية بداية، لكنها عثرات لا تسقط بل تدعو لمزيد من الحذر.

إن أقوى الأسلحة تدميرًا هو شعور الفرد بالإحباط. وحين ينجح الخصوم في زراعة ثقافة اليأس في القلوب والشك القاتل في العقول، ويشعرونهم بانعدام الأمل وانسداد آفاق المستقبل، فإن الضربة تكون قاتلة. لهذا يجب التنبه لهذه القضية، وزرع ثقافة الثقة والتفاؤل في نفوس الناس، وتذكيرهم بالسنن الكونية التي تثبت أن المآسي كثيرًا ما تكون فاتحة الخلاص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى