خبر عاجلمقالات

المنطقة بين التفاوض وحافة الحرب… من يفرض شروط المرحلة المقبلة؟ – زكـي طـه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

المنطقة بين التفاوض وحافة الحرب… من يفرض شروط المرحلة المقبلة؟ – زكـي طـه

 

كتب زكـي طـه في بيروت الحرية

 

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة جديدة من القلق وعدم اليقين، تتداخل فيها نتائج الانتخابات الإسرائيلية مع اقتراب الانتخابات النصفية الأميركية. وتترافق مع احتدام المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع التوترات من الخليج واليمن إلى لبنان وفلسطين.

 

لكن خطورة المرحلة لا تكمن في تعدد الأزمات وحده، بل في الترابط بينها، وفي سعي القوى المتصارعة إلى توظيف ما تملكه من أوراق عسكرية وسياسية واقتصادية لإعادة تشكيل موازين القوى وفرض شروط المرحلة المقبلة.

 

وإذا كانت الحروب التي شهدتها المنطقة قد أحدثت تحولات كبيرة في موازين القوى، فإنها لم تنتج حتى الآن نظاماً إقليمياً مستقراً، ولم تفضِ إلى تسويات قادرة على معالجة أسباب الصراعات. بل يبدو أن المنطقة انتقلت من مرحلة المواجهات العسكرية الواسعة إلى مرحلة يتداخل فيها التفاوض مع استمرار استخدام القوة والتهديد بها.

 

واشنطن بين إدارة الصراع وحسابات الداخل

 

تأتي الانتخابات النصفية الأميركية في لحظة دقيقة بالنسبة إلى إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي تواجه تحديات داخلية متزايدة، فيما تحاول المحافظة على موقعها في إدارة الملفات الدولية والإقليمية.

 

غير أن نتائج الانتخابات، أياً تكن، لا تكفي وحدها لتحديد وجهة السياسة الأميركية في المنطقة. فالمسألة تتصل أيضاً بحسابات المصالح الاستراتيجية، وكلفة الحروب، وأمن الطاقة والممرات البحرية، والعلاقة مع إسرائيل، وموازين القوى الدولية.

 

وقد أظهرت التجربة الأخيرة أن الإدارة الأميركية لا تتعامل مع التفاوض والحرب باعتبارهما خيارين متناقضين بالضرورة، بل بوصفهما أداتين يمكن استخدامهما بالتوازي لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية.

 

فالتفاوض يتيح اختبار حدود التنازلات الممكنة، فيما يشكل التهديد العسكري والعقوبات والحصار وسائل ضغط لتحسين شروط الاتفاق. وعندما تتعثر المفاوضات، يرتفع منسوب التهديد، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بالحرب.

 

وعليه، فإن التبدل في موازين القوى داخل الكونغرس قد يؤثر في هامش حركة ترامب، لكنه لا يلغي قدرة الإدارة الأميركية على مواصلة الضغط، ولا يحدد مسبقاً طبيعة قراراتها العسكرية.

 

إيران بين الصمود ومأزق الخيارات

 

في المقابل، تحاول القيادة الإيرانية توظيف قدرتها على الصمود، وما تحتفظ به من أوراق عسكرية وإقليمية، لتحسين موقعها التفاوضي ومنع فرض تسوية تُظهرها في موقع الخضوع للشروط الأميركية والإسرائيلية.

 

لكن إيران تواجه بدورها مأزقاً معقداً. فالحرب والعقوبات والحصار ألحقت أضراراً كبيرة باقتصادها وقدراتها، فيما بات استمرار المواجهة يحمل مخاطر تتجاوز حدودها، خصوصاً في الخليج ومضيق هرمز.

 

ومن هنا، فإن تشدد الموقف الإيراني لا يعني بالضرورة رفض التسوية، مثلما أن الانخراط في المفاوضات لا يعني الاستعداد للقبول بالشروط الأميركية.

 

والأرجح أن طهران تسعى إلى اتفاق يوفر لها ضمانات أمنية واقتصادية، ويحفظ ما حققته لجهة المكتسبات في موقعها الإقليمي، فيما تسعى واشنطن إلى ترتيبات تقيد قدراتها العسكرية والنووية وتحد من نفوذها.

 

أما الحديث عن تفاوض إيران باسم حلفائها في المنطقة، فينبغي التعامل معه بحذر. فمن الواضح أن أوضاع هؤلاء الحلفاء تتأثر بنتائج التفاوض، لكن ذلك لا يعني أن جميع ملفاتهم ستُحسم في اتفاق واحد، أو أن طهران تستطيع ضمان مواقعهم السابقة بعد التحولات التي أحدثتها الحرب.

 

إسرائيل بين أزمة الحكم واستمرار استخدام القوة

 

أظهرت الانتخابات الإسرائيلية صعوبة تشكيل أكثرية حكومية مستقرة، وفتحت الباب على مرحلة من المساومات السياسية قد تطول. لكن أزمة تشكيل الحكومة لا تعني بالضرورة تراجع النزعة العسكرية الإسرائيلية، كما لا تسمح بالجزم أن نتنياهو سيلجأ إلى توسيع الحرب لمعالجة مأزقه الداخلي.

 

فثمة مصالح واتجاهات سياسية وأمنية داخل إسرائيل تتجاوز شخص نتنياهو، وتلتقي حول السعي إلى منع استعادة إيران وحلفائها قدراتهم السابقة، والمحافظة على التفوق العسكري الإسرائيلي، وفرض ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن أن تستمر الضغوط العسكرية الإسرائيلية بالتوازي مع المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية، سواء بهدف التأثير في شروطها أو منع نتائج لا تنسجم مع المصالح الإسرائيلية.

 

وتبقى فلسطين المثال الأكثر وضوحاً على حدود المقاربات الأمنية. فاستمرار العمليات العسكرية والاستيطان والتهجير في الضفة الغربية، والكارثة الإنسانية والسياسية في غزة، يؤكد أن إدارة الصراع بالقوة لا تقدم حلاً للقضية الوطنية الفلسطينية. كما أن تغييب الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني عن مشاريع إعادة تنظيم المنطقة يبقي أحد أبرز أسباب عدم الاستقرار قائماً.

 

الخليج واليمن… اتساع ساحات الضغط

 

تكشف التطورات في الخليج واليمن أن المواجهة لم تعد محصورة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل. فأمن الملاحة والطاقة، والعمليات العسكرية التي تطاول دول المنطقة، والتصعيد في اليمن، باتت جميعها عناصر مؤثرة في حسابات الأطراف المتصارعة.

 

وهنا تتداخل مصالح دول الخليج، التي تسعى إلى حماية أمنها واستقرارها الاقتصادي، مع حسابات واشنطن وطهران، من دون أن تكون هذه المصالح متطابقة بالضرورة.

 

ويزيد ذلك من أهمية الوساطات الإقليمية، وخصوصاً الجهود القطرية، لكنه يكشف أيضاً حدود قدرتها على إنتاج تسوية إذا لم تتوافر إرادة سياسية لدى الأطراف الأساسية للانتقال من استخدام القوة إلى الالتزامات المتبادلة.

 

لبنان بين خطر الحرب وشروط التسوية

 

يبقى لبنان إحدى أكثر ساحات المنطقة تعرضاً لنتائج هذه المواجهة. فإسرائيل تواصل احتلال أراضٍ لبنانية وممارسة اعتداءاتها وتهديداتها، وتسعى إلى توظيف اختلال موازين القوى لفرض ترتيبات أمنية وسياسية جديدة، فيما يواجه لبنان أزمة داخلية عميقة تتعلق بالسلاح والقرار الوطني وقدرة الدولة على ممارسة سيادتها.

 

وقد كشفت الحرب حدود المعادلة العسكرية التي اعتمدها حزب الله، من دون أن تؤدي هذه النتائج من جانبه إلى مراجعة سياسية واضحة تتيح الانتقال إلى استراتيجية دفاعية وطنية تقودها الدولة.

 

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع القوى السياسية الأخرى أن تختزل الأزمة في سلاح الحزب، أو أن تراهن على الضغوط الأميركية والإسرائيلية لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية.

 

وتزيد القضايا الأمنية الأخيرة، ومنها قضية المتفجرات، من أهمية حسم المرجعية القانونية والمؤسساتية للقرار العسكري والأمني، بعيداً عن منطق الاستثناءات أو تحويل الخلافات إلى مواجهات داخلية.

 

أما المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، فإنها تواجه اختباراً يتجاوز الترتيبات التقنية المتعلقة بانتشار الجيش وآليات التحقق. فالخطر الأكثر جدية هو أن تتحول المفاوضات من مسار لإنهاء الاحتلال والاعتداءات إلى إطار لتنظيم واقع الاحتلال وإدارة نتائجه.

 

وهذا الاحتمال يزداد خطورة إذا جرى ربط مستقبل لبنان بتفاهمات إقليمية لا يكون طرفاً فاعلاً في تحديد شروطها.

 

أي وجهة للمرحلة المقبلة؟

 

في ضوء هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة مسارات للمرحلة المقبلة: تسوية مرحلية تقوم على تفاهمات محدودة ومتدرجة؛ أو استمرار التفاوض تحت ضغط التصعيد العسكري والاقتصادي؛ أو انزلاق المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع.

 

ولا تتوافر حتى الآن معطيات تسمح بالجزم بمسار واحد، لكن استمرار التفاوض والوساطات، بالتوازي مع التهديدات والتحركات العسكرية، يجعل إدارة الصراع تحت الضغط إطاراً تفسيرياً مهماً لما يجري.

 

فكل طرف يحاول تحسين شروطه قبل الانتقال إلى تسوية محتملة، فيما لا تبدو الأطراف الأساسية مستعدة للتخلي عن أوراق القوة التي ما زالت تمتلكها.

 

غير أن استمرار هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة. فالتصعيد المحسوب قد يتحول إلى مواجهة غير محسوبة، كما أن الاتفاقات الجزئية قد تؤجل الانفجار من دون أن تعالج أسبابه.

 

إعادة توزيع النفوذ وإمكان الاستقرار

 

لا يبدو أن المنطقة تقف أمام نهاية الصراعات، بل أمام محاولة لإعادة تنظيمها وفق موازين القوى التي أفرزتها الحروب. والمشكلة أن التسويات التي تقوم على توزيع النفوذ والضمانات الأمنية بين القوى الكبرى والإقليمية، من دون معالجة حقوق الشعوب وسيادة الدول وأزماتها الداخلية، قد تنتج استقراراً مؤقتاً يبقي أسباب النزاعات قائمة.

 

وبالنسبة إلى لبنان، فإن مواجهة هذه المرحلة لا يمكن أن تكون بالعودة إلى معادلات السلاح والمحاور السابقة، ولا بالرهان على الخارج، بل باستعادة الدولة لقرارها الوطني، وإنهاء الاحتلال، وبناء قدرة دفاعية ومؤسساتية تحمي المجتمع وتحول دون استخدامه ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية.

 

فالسؤال الذي تطرحه المرحلة ليس فقط ما إذا كانت المنطقة تتجه إلى الحرب أو التسوية، بل أي نوع من التسويات يجري التحضير له، ولصالح من، وعلى حساب أي دول وشعوب.

 

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه شعوب المنطقة ومجتمعاتها لا يقتصر على تجنب الحرب المقبلة، بل يتعلق بمنع تحويل نتائج الحروب السابقة إلى نظام إقليمي جديد، يقوم على تكريس اختلال موازين القوى وإدامة التبعية والاحتلال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى