المقاومة حقّ عصيّ على العزل… وتجريمها جريمة بحق الوطن

جميل الحسيني
المقاومة ظاهرة إنسانية وأخلاقية واجتماعية ضاربة في عمق التاريخ. ليست مجرد ردّ فعل عسكري عابر، بل تعبير فطري عن غريزة البقاء ورفض الاستلاب والسعي إلى الحرية. هي تتجاوز الأطر السياسية الضيقة لتغدو خياراً وجودياً، ارتبط بالجغرافيا والتاريخ قبل أن يُقنّن في الدساتير أو يُعترف به في المواثيق الدولية.
يحاول البعض اليوم حصر المقاومة في خانة “الإرهاب” وفق التصنيفات الغربية، أو “الخروج عن الدولة” وفق بعض القراءات المحلية. لكن نظرة موضوعية إلى القانون الدولي تثبت أن المقاومة حق تكفله المواثيق العالمية. فميثاق الأمم المتحدة يكرّس حق الدفاع عن النفس، وقرارات الجمعية العامة تؤكد شرعية نضال الشعوب من أجل تقرير مصيرها والتحرر من الاحتلال، فيما منحت اتفاقيات جنيف بعداً قانونياً لمقاومة الاحتلال ضمن إطار النزاعات الدولية.
المقاومة، في جوهرها، ليست بنت اللحظة الراهنة، بل هي متجذّرة في وجدان هذه المنطقة منذ قرون. في لبنان وسوريا وفلسطين، قاومت المجتمعات المحلية الغزوات المتعاقبة دفاعاً عن الأرض والكرامة، من العصور القديمة إلى زمن الانتداب. لم تكن تلك الحركات بحاجة إلى شرعية مكتوبة، إذ استمدّت مشروعيتها من الحق الطبيعي في الحرية.
برزت في تلك المراحل أسماء شكّلت علامات في تاريخ المقاومة الشعبية، من جبل عامل إلى الثورة السورية الكبرى وفلسطين، حيث جسّدت هذه الشخصيات روح الرفض للاستعمار ولمشاريع فرض الهيمنة تحت عناوين قانونية شكلية.
ولم تبدأ المقاومة في لبنان في مرحلة محددة كما يُروَّج، بل هي امتداد لمسار تاريخي طويل. فمنذ نشوء الكيان الإسرائيلي، شكّلت القرى الحدودية خط الدفاع الأول، قبل أن تتبلور لاحقاً تنظيمات مقاومة أكثر تنظيماً. وقد شكّل الاجتياح الإسرائيلي محطة مفصلية أعادت إنتاج المقاومة بصيغة أكثر وضوحاً، وصولاً إلى تحرير الأرض وترسيخ معادلات ردع جديدة.
اليوم، تتعرض المقاومة لمحاولات متواصلة لتجريمها أو تحميلها مسؤولية الأزمات، عبر خطاب يسعى إلى تشويه صورتها وعزلها عن بيئتها. غير أن الوقائع تشير إلى أن:
المقاومة لم تكن يوماً معزولة عن محيطها، بل جزء من توازنات إقليمية فرضتها طبيعة الصراع.
هي عنصر ردع أساسي أسهم في حماية السيادة ومنع التمادي في الاعتداءات.
التجارب التاريخية تُظهر أن التفريط بعناصر القوة لا يؤدي إلى سيادة، بل إلى مزيد من الارتهان.
المقاومة ليست عبئاً كما يُصوَّر، بل إحدى أدوات الدفاع حين تعجز الأدوات الأخرى. والعدو، تاريخياً، لم يحتج إلى ذرائع لشن حروبه، ما يجعل تحميل المقاومة مسؤولية العدوان قلباً للحقائق.
إن المقاومة، في بعدها العميق، ليست مجرد تنظيم أو حالة عسكرية، بل فكرة متجذّرة في الوعي الجمعي، تعبّر عن رفض الخضوع. وهي، بهذا المعنى، تتجاوز الحدود الجغرافية، لأن الظلم نفسه يتجاوزها.
التاريخ لا يقرأ الأحداث كوقائع منفصلة، بل كسلسلة مترابطة. وما جرى في مراحل مختلفة من مقاومة الاحتلال ليس إلا امتداداً لمسار واحد، عنوانه الدفاع عن الأرض والهوية في مواجهة مشاريع الهيمنة.
في مواجهة محاولات “كيّ الوعي”، يبقى السؤال الجوهري: هل تُنتزع الحقوق بالاستجداء أم تُحمى بالإرادة؟ التجارب الإنسانية تجيب بوضوح.
المقاومة، في نهاية المطاف، ليست شعاراً سياسياً، بل تعبير عن حق أصيل لا يسقط بالتقادم ولا يُلغى بالتجريم. إنها فعل دفاع عن الكرامة، ورفض لأن يكون الوطن مساحة مستباحة.



