“العراق أولا”… هل يستعيد قراره السياسي او يبقى ساحة؟ – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
في الجغرافيا السياسية لا يوجد فراغ وكل دولة تتردد في حماية قرارها الوطني تتحول تدريجيا إلى مساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين والعراق للأسف عاش هذه الحقيقة لعقود طويلة حتى أصبح أسمه يذكر في كثير من الأحيان بوصفه ساحة للصراع أكثر من كونه دولة تمتلك مشروعا وطنيا مستقلا.
لقد دفعت الأجيال العراقية ثمن الحروب والعقوبات و الإحتلال والإرهاب والأنقسام السياسي فيما بقي المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة تتنافس فيها القوى الداخلية والخارجية على النفوذ و بينما تتراجع أولويات التنمية والإصلاح وبناء المؤسسات و إن المشكلة الأساسية ليست في أن للعراق علاقات مع الشرق أو الغرب أو مع دول الجوار أو القوى الكبرى فكل الدول تبني علاقات ومصالح و المشكلة تبدأ عندما تصبح تلك العلاقات بديلا عن القرار الوطني وعندما يتحول الإنتماء للمحاور إلى معيار للولاء السياسي ويصبح الدفاع عن مصالح الخارج أهم من الدفاع عن مصالح العراقيين.
الدولة لا تقاس بعدد حلفائها بل بقدرتها على قول كلمة نعم عندما تكون المصلحة الوطنية تقتضي ذلك و كلمة لا عندما تتعارض الضغوط الخارجية مع سيادتها أما الدولة التي لا تستطيع إتخاذ قرار مستقل فإنها تتحول إلى مجرد لاعب ثانوي في حسابات الآخرين و لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة الأصطفاف لم تنتج أستقرارا دائما ولم تنه الأزمات الإقتصادية ولم تحقق إصلاحا إداريا حقيقيا ولم تبن مؤسسات أكثر قوة بل إن إستمرار الأستقطاب السياسي أدى إلى تعميق الأنقسامات وإبطاء عجلة التنمية فيما إستمرت ملفات الفساد والخدمات والبطالة والهجرة في أستنزاف طاقات البلاد و ليس من مصلحة العراق أن يكون خط مواجهة لأي صراع إقليمي و كما ليس من مصلحته أن يتحول إلى منصة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية و الدولية فإن لعراق الذي يمتلك موقعا إستراتيجيا وثروات طبيعية وموارد بشرية هائلة يستطيع أن يكون مركزا للتعاون الأقتصادي والطاقة والنقل و الإستثمار بدل أن يبقى عنوانا للأزمات المتكررة و التدخلات الخارجية .
إن السيادة ليست بيانات سياسية يتلى في المناسبات الرسمية بل ممارسة يومية تبدأ من إحترام الدستور وأحتكار الدولة لاستخدام القوة وفق القانون وحماية الحدود وصيانة المال العام وتقديم الخدمات للمواطن وتعزيز إستقلال القضاء وترسيخ مبدأ المحاسبة ولا يمكن الحديث عن إستقلال القرار الوطني في ظل أقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على مورد واحد ويعاني من تحديات تتعلق في التنويع و الإستثمار والإنتاج و فإن الأقتصاد القوي يمنح الدولة مساحة أوسع في إتخاذ قراراتها بينما يزيد الإعتماد المفرط على الخارج من قابلية التأثر في الأزمات والضغوط و كما أن الإصلاح السياسي لم يعد ترفا بل ضرورة وجودية حيث أن المواطن الذي يشعر في العدالة والفرص والخدمات سيكون أكثر تمسكا بالدولة ومؤسساتها و بينما تؤدي الأزمات المتراكمة إلى إضعاف الثقة وفتح المجال أمام الأستقطاب.
العراق ليس بلدا فقيرا بل بلد واجه عقودا من التحديات المعقدة و يمتلك ثروات نفطية وأراضي زراعية وموقعا جغرافيا مهما وشبابا قادرين على الإبداع و لكن هذه المقومات وحدها لا تكفي إذا لم تترجم إلى سياسات تنموية وإدارية فعالة وإلى مؤسسات قوية تتجاوز منطق الأزمات المؤقتة و إن السياسة الخارجية العراقية يجب أن تنطلق من مبدأ بسيط وواضح وهو إقامة علاقات متوازنة مع الجميع دون الأنجرار إلى سياسة المحاور ودون التفريط في المصلحة الوطنية فإن العراق ليس مضطرا لاختيار معسكر ضد آخر بل يستطيع أن يحافظ على شراكات متنوعة تخدم أمنه و أستقراره وتنميته.
وهنا لقد آن الأوان لأن يتحول شعار العراق أولا من عبارة تتكرر في الخطابات إلى برنامج عمل حقيقي يقوم على بناء مؤسسات فاعلة وتحسين الإدارة العامة ومكافحة الفساد وفق القانون وتعزيز الأقتصاد والأستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية و لأن قوة الدولة تبدأ من الداخل قبل أن تقاس في موقعها في الإقليم.
إن الشعوب لا تتذكر السياسيين بعدد خطاباتهم بل بما تركوه من إنجازات والتأريخ لا يرحم الدول التي تضيع فرصها وهي منشغلة في صراعات وولااءات الآخرين و لذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على تبدل المحاور بل على قدرة العراق على إنتاج مشروع وطني جامع يضع مصلحة المواطن فوق أي أعتبار آخر.
يبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل قرار سياسي هل يخدم هذا القرار العراق؟. فإذا كانت الإجابة نعم فهو يستحق المضي فيه وإذا كانت الإجابة لا فإن أي مكاسب مؤقتة لن تعوض خسارة السيادة والثقة ومستقبل الأجيال و العراق لا يحتاج إلى وصاية من أحد ولا إلى خصومة مع أحد بل يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات راسخة وقرار وطني مستقل وسياسة متوازنة وإقتصاد منتج وعدالة يشعر بها كل مواطن عندها فقط لن يكون العراق ساحة يتنافس فيها الآخرون بل دولة يحسب لها الحساب و يحترم قرارها ويكون شعبها هو الرابح الأول والأخير.


