الطموحات الأميركية في إيران: تتعدى الملف النووي إلى تقويض القوة الإقليمية – خالد العزي

د. خالد العزي
تستمر التوترات بين الولايات المتحدة وإيران في التصاعد، ويبدو أن التركيز الأميركي قد أصبح يشمل أكثر من مجرد الملف النووي الإيراني. إن التوجهات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، مشيرة إلى أن التهديد النووي الإيراني هو فقط جزء من الصورة الأوسع التي تشمل أهدافًا أكثر طموحًا على مستوى السياسة العسكرية والإقليمية.
الملف النووي: المبرر الرسمي والهدف غير النهائي
في خطابه السنوي عن حالة الاتحاد في 24 شباط/فبراير، كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب تصريحاته حول الملف النووي الإيراني، واصفًا أنشطة إيران النووية بأنها تهديد مستمر، بعد أن كانت الولايات المتحدة قد أخمدت هذا الملف لفترة من الزمن. ترامب أكد أن طهران تسعى لإعادة بناء برنامجها النووي، واتهمها بمحاولة الوصول إلى “طموحاتها الشريرة”، في إطار عملية الهجمات التي أسمتها الولايات المتحدة “مطرقة منتصف الليل”. ورغم تركيز الإدارة الأميركية على منع إيران من تطوير سلاح نووي، فإن ذلك بات يُنظر إليه كهدف جزئي في سياق استراتيجية أوسع.
التدخل العسكري وتوسيع الأهداف: ما بعد النووي
توسعت الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في المنطقة، حيث أرسلت حاملات الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن ويو إس إس جيرالد آر فورد، مع مجموعات قتالية كبيرة تتيح لها تنفيذ ضربات دقيقة على المنشآت الإيرانية. بالإضافة إلى ذلك، زادت الحشود الجوية الأميركية، بما في ذلك قاذفات بعيدة المدى وطائرات مقاتلة، مما يشير إلى استعداد عسكري ضخم.
لكن اللافت في هذا الحشد العسكري هو محدوديته في هدفه. حتى لو نُفذّت حملة واسعة من الضربات الجوية والبحرية، فإنها ستستهدف المنشآت والبنى التحتية المعروفة، بينما العديد من التهديدات النووية الإيرانية – بما في ذلك خبراتها المتراكمة وقدراتها المتناثرة في مختلف أنحاء إيران – ستظل خارج نطاق ما يمكن للقوة العسكرية أن تحسمه بشكل قاطع.
ضربات جوية وتداعيات على البرنامج النووي
شهدنا في 22 يونيو 2025 ضربات جوية ضخمة من قبل الولايات المتحدة استهدفت منشآت نووية إيرانية رئيسية مثل فوردو ونطنز وأصفهان. تلك الضربات كانت تهدف إلى تعطيل نشاط تخصيب اليورانيوم الإيراني، وتدمير المعدات الأساسية لصناعة أجهزة الطرد المركزي، وهو ما أثر بشكل كبير على تقدم البرنامج النووي الإيراني. ومن جانب آخر، أفاد البنتاغون بأن هذه الضربات قد أعادت البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء لعامين تقريبًا.
المجهولات: هل يكتفي الغرب بالضربات العسكرية؟
رغم الضربات الناجحة، تبقى العديد من العوامل المجهولة التي تحيط بالبرنامج النووي الإيراني. على سبيل المثال، لم تُحل مشكلة المساءلة عن المواد النووية في منشآت مثل أصفهان وفوردو، والتي لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من مراقبتها منذ حزيران 2021. إضافة إلى ذلك، لا يزال مصير كميات كبيرة من اليورانيوم عالي التخصيب غير واضح، ما يضعف الشفافية ويزيد من المخاوف حول إمكانية وجود أنشطة نووية غير معلنة.
وتظل الأسئلة أيضًا قائمة بشأن إعادة إنشاء البنية التحتية النووية التي تم تدميرها، خاصةً أن إيران قد تكون قد نقلت بعض المعدات إلى مواقع تحت الأرض، حيث يتم تسريع أعمال التحصين في بعض المناطق مثل جبل الفأس جنوب نطنز.
إضعاف القوة الإيرانية: صواريخ باليستية وأهداف إضافية
ورغم أن الملف النووي يشكل المبرر المُعلن للتصعيد، يبدو أن الهدف الأميركي في الشرق الأوسط قد أصبح أكبر من مجرد منع إيران من تطوير سلاح نووي. فقد أشار ترامب إلى أن الأنشطة الإيرانية تشمل أيضًا الصواريخ الباليستية، وقدرة طهران على قمع المتظاهرين وتوسيع نطاق نفوذها الإقليمي عبر وكلائها، مما يوسع دائرة الأهداف الأميركية لتشمل تقويض القدرة العسكرية الإيرانية بشكل عام.
إذًا، في حال قررت الولايات المتحدة مواصلة الضغط على إيران، فستستهدف المزيد من البنية التحتية العسكرية، مثل قواعد الإطلاق، وشبكات نقل الصواريخ، ومرافق إنتاج الأسلحة. وهذه الأهداف يمكن أن تشمل صواريخ إيران الباليستية، التي تشكل تهديدًا كبيرًا في المنطقة.
المجهول الأكبر: الحلول الدبلوماسية أم الضغط العسكري؟
على الرغم من التصعيد العسكري الكبير، يظل السؤال الأهم يتعلق بكيفية التعامل مع إيران على المدى الطويل. إذا كان الملف النووي لا يزال يشكل نقطة محورية، فإن تدمير البنية التحتية النووية لن يُحقق حلًا دائمًا، بل سيترك فجوة في آليات الرقابة والمساءلة. وفي هذا السياق، تبقى الدبلوماسية والضغط السياسي على طهران هما الأدوات الأكثر فاعلية لضمان الالتزام بالاتفاقات وضمان أن الأنشطة النووية ستظل تحت المراقبة.
طموحات أكبر من النووي
في النهاية، يبدو أن أهداف الولايات المتحدة في إيران تتعدى بكثير الملف النووي. بينما يُعتبر البرنامج النووي الإيراني نقطة الانطلاق للاحتواء والتصعيد العسكري، فإن الهدف النهائي للولايات المتحدة وحلفائها هو تقليص النفوذ الإيراني الإقليمي في الشرق الأوسط، مع إضعاف قوتها العسكرية، وتحديدا صواريخها الباليستية التي تشكل تهديدًا على الأمن الإقليمي.
لكن ما ينبغي على الولايات المتحدة ودول التحالف أن تدركه هو أن التهديدات الإيرانية ليست حصرًا في التوسع النووي، بل في شبكة من الأنشطة العسكرية والتقنيات التي تتضمن صواريخها الباليستية، وبرامجها العسكرية السرية، وأنه لا يمكن للضغوط العسكرية وحدها أن توفر الحل الشامل.



