خبر عاجلسياسةمقالات

الرباعية الإقليمية وقطر والتوازن الجديد في الشرق الوسط – سعيد عيسى

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الرباعية الإقليمية وقطر والتوازن الجديد في الشرق الوسط – سعيد عيسى

 

د.سعيد عيسى

في الوقت الذي كانت فيه سويسرا تستضيف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، كان اللقاء الرباعي الذي يضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان ينعقد في القاهرة. وبعيداً عن البيانات السياسية المعتادة فهو يعكس تحولاً في طريقة تعامل القوى الإقليمية مع أزمات الشرق الأوسط، كما يكشف استمرار هذه الاجتماعات عن محاولة تمتين هذا الإطار التشاوري الذي يجمع دولاً لها ثقل سياسي واقتصادي وعسكري، وغايته تنسيق المواقف فيما بينها تجاه القضايا التي تؤثر مباشرة أو غير مباشرة على أمن المنطقة واستقرارها.

 

والتنسيق هذا، لا يرتبط بحدث واحد، بل هو نتيجة تغييرات عميقة يشهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وتراجع قدرة القوى الدولية على إدارة الأزمات بمفردها، إضافة إلى إدراك القوى الإقليمية أن تكلفة الحروب باتت عليها. لذلك تحول الاهتمام نحو إيجاد آليات للحوار والتنسيق، ومنع توسع الصراعات، والمحافظة على الاستقرار، بديلاً من الانشغال ببناء تحالفات عسكرية جديدة.

 

 

 

مرحلة جديدة

 

خلال العقود الماضية، كانت معظم التوازنات في الشرق الأوسط تُبنى على المواجهة المباشرة، أو على الاصطفاف ضمن محاور متنافسة، لكن المنطقة اليوم تختلف عن تلك التي سادت، إذ تتجه الأولوية نحو تقليل المخاطر وحماية الاقتصادات وتأمين الممرات البحرية والبرية واستقرار أسواق الطاقة. وجاءت الحرب الأخيرة على إيران لتؤكد أن أي مواجهة واسعة لا تنحصر بين أطرافها، بل تمتد آثارها إلى سلاسل الإمداد، والتجارة الدولية، وحركة الملاحة، والاستثمارات. وأصبح واضحاً أن استقرار المنطقة لم يعد قضية سياسية فقط، بل تحول إلى مصلحة اقتصادية مباشرة للدول التي تعتمد على الاستثمارات والتجارة الدولية والمشاريع التنموية الكبرى.

 

إزاء هذا الواقع، كثّفت القوى الإقليمية بحثها عن صيغ تعاون مشتركة أكثر مرونة، تقوم على التشاور المستمر وتنسيق المواقف في القضايا المشتركة بل وقد تتعداها أحياناً إلى التنسيق العسكري. والاجتماع الرباعي في مصر يأتي في هذا السياق، محاولاً إيجاد مساحة تنسيق سياسية مشتركة، تسمح للدول المشاركة بالتعامل مع الأزمات من منظور مصالحها المشتركة وليس انطلاقاً من الاستقطاب التقليدي.

 

 

 

مصالح مشتركة

 

يجمع بين الدول الأربع الكثير من المصالح المشتركة وهذا يفسر استمرار اجتماعاتها رغم اختلاف سياساتها الخارجية في ملفات عديدة. فالسعودية تضع الاستقرار الإقليمي في صلب أولوياتها ورؤيتها الاقتصادية، لأن مشاريعها التنموية تحتاج إلى بيئة مستقرة وآمنة، قادرة على جذب الاستثمارات وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة. أما مصر، فمصالحها مرتبطة بأمن البحر الأحمر وقناة السويس، إضافة إلى استقرار محيطها الإقليمي، لأن أي تصعيد عسكري سوف ينعكس مباشرة على حركة الملاحة وعلى الاقتصاد المصري.

 

في حين تنظر تركيا إلى المنطقة باعتبارها مجالاً حيوياً لتوسيع استثماراتها ومجالها الجيوسياسي، فيما تسعى باكستان إلى تعزيز دورها وحضورها الديبلوماسي والإقليمي، مستفيدة من توازن علاقاتها مع دول المنطقة.

 

ورغم اختلاف هذه الأولويات، فالقاسم المشترك بينها يتمثل في أن استمرار الحروب لا يخدم مصالح أيّ منها. لذلك بات خفض التصعيد وإيقاف الحروب، وتأمين طرق التجارة وإمدادات الطاقة، وحماية البنية التحتية الاقتصادية، والحفاظ على الاستقرار أهدافاً ملحة تتقاطع عندها سياسات الدول الأربع. إضافة إلى احتفاظها بعلاقات دولية وإقليمية متعددة، الأمر الذي يمنحها قدرة كبيرة على المناورة والحوار مع مختلف الأطراف المتنازعة، ويجعلها أقل ارتباطاً بسياسة المحاور المغلقة التي سادت المنطقة خلال العقود الماضية.

 

وإذا كان الاجتماع بحد ذاته مهماً، فاختيار الدول الأربع لا يقل عن اللقاء نفسه، فالسعودية تمثل أكبر اقتصاد عربي وصاحبة الثقل المالي في الخليج، بينما تشكل مصر مركز الثقل العربي من حيث الموقع الجغرافي والسياسي، وتشرف مباشرة على قناة السويس، التي تعد من أهم الممرات التجارية في العالم ولها تأثير إفريقي واضح. أما تركيا، فقد أصبحت في السنوات الأخيرة لاعباً جيوسياسياً بارزاً في ملفات الشرق الأوسط والبحر الأسود وشرق المتوسط، إضافة إلى امتلاكها قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة. وتضيف باكستان إلى هذا الإطار ثقلاً عسكرياً، وإشرافاً استراتيجياً على بحر العرب والمحيط الهندي، فضلاً عن علاقات متوازنة مع دول الخليج وتركيا وعدد من القوى الإقليمية والدولية. ويمنح هذا التنوع الرباعية قدرة على مقاربة ملفات تمتد من المحيط الهندي والخليج العربي، إلى البحر الأحمر والبحر الأسود وبحر قزوين وشرق المتوسط وصولاً إلى إفريقيا، انطلاقاً من شبكة مصالح تتجاوز الحدود الجغرافية لكل دولة.

 

 

 

انعكاسات إقليمية

 

يرجح أن يتجاوز هذا الإطار دوره التشاوري السياسي، وفي حال استمراره في التطور، سيصبح إحدى القنوات الأساسية التي تناقش عدداً متزايداً من الملفات الإقليمية، كملفات أمن الخليج والبحر الأحمر، وسوريا وغزة ولبنان، وإعادة إعمار مناطق النزاعات. ولا يعود هذا إلى صلاحيات رسمية بل هو نتيجة امتلاك الدول الأربع تأثيراً مباشراً في هذه القضايا، سواء من خلال ثقلها السياسي أو الاقتصادي أو الأمني.

 

ويحمل هذا التطور أهمية خاصة للدولة اللبنانية، فخلال السنوات الماضية كان حضورها يرتبط في جانب كبير منه بالصراع الإقليمي. ومع انتقال الأولوية إلى الاستقرار والتنمية فقد تتغير طبيعة المقاربة، ويصبح أي دعم اقتصادي أو استثماري مستقبلي مرتبطاً بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ الإصلاحات، وتعزيز المؤسسات، وفرض الاستقرار الداخلي، لأن هذه أصبحت جزءاً من الحسابات الأمنية والاقتصادية للدول الخليجية والدول المجتمعة معاً.

 

ولا يقتصر الأمر على لبنان بل يمتد هذا التحول إلى المنطقة بمجملها، فالدول الإقليمية باتت ميالة إلى بناء تفاهمات تخفف من وتيرة التصعيد، ليس انطلاقاً من توافق سياسي كامل، بل بسبب تشابك المصالح الجيوسياسية والاقتصادية وارتفاع كلفة الأزمات عليها. وهذا يعطي تفسيراً لأهمية الأطر التشاورية التي تجمع دولاً تختلف في بعض الملفات، لكنها تتفق على أن الاستقرار أصبح شرطاً لحماية مصالحها.

 

وبالتوازي مع هذا المسار برز الدور القطري كحلقة وصل أساسية ومكملة له. فالدبلوماسية القطرية التي نشطت عقب محادثات سويسرا بين واشنطن وطهران، لم تعد حركة وساطة تقليدية عابرة، بل باتت تقود جهوداً لمأسسة التفاوض من خلال صياغة خرائط طرق زمنية وتفكيك العقد الإقليمية المستعصية، خصوصاً ما يرتبط منها بملف التهدئة في لبنان وأمن الممرات البحرية. هذا التحرك القطري الذي يتلاقى مع مساعي التنسيق الخليجية، يتقاطع موضوعياً مع أهداف الرباعية، إذ يسعى الطرفان إلى تحويل التفاهمات الدولية المؤقتة إلى مظلة استقرار جماعي دائم، يلتزم بالقواعد الأساسية الرافضة للهيمنة من طرف على آخر، ويعلي من شان الواقعية الجيواقتصادية وحرية الملاحة كأولوية استراتيجية لا تقبل المساومة لحماية اقتصاد المنطقة وسلاسل إمدادها.

 

وإذا كان من المبكر اعتبار اللقاء الرباعي إطاراً ثابتاً لإدارة شؤون الشرق الأوسط، فإن استمرار اجتماعاته بالتنسيق أو بضم دول أخرى إليه، يشير إلى اتجاه جديد في بنية النظام الإقليمي. فالقوى المؤثرة في المنطقة لم تعد تكتفي بالتفاعل مع المبادرات الدولية، بل بدأت تسعى إلى المشاركة في رسم التوازنات التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة. وإذا استمر هذا المسار، فقد يشهد الشرق الأوسط حضوراً أكبر للقوى الإقليمية بالتوازي مع القوى الدولية، وهو تحول يعكس إعادة توزيع مراكز التأثير داخل المنطقة نفسها.

 

لكن يبقى تساؤل أخير، هل ستترك إسرائيل الرباعية تنفذ ما ترسمه وتخطط له على صعيد المنطقة؟ وهل ستكون الولايات المتحدة مرتاحة لهكذا تطور متصاعد على صعيد الشرق الأوسط؟ هذا ما ستكشفه الأيام أو الأشهر المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى