الخليل تحاكي حرب إبادة غزة وتهجير أهلها الفلسطينيين – زهير هواري

د. زهير هواري
الحصار الإسرائيلي المفروض على مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، ما زال مستمراً منذ أيام مع إغلاق جميع مداخل المدينة ومخارجها وتوسيع نطاقه ليشمل الضفة الغربية بأسرها، بالتزامن مع تهجير 488 أسرة فلسطينية تضم 3171 فرداً من حي عين دير بحة – الجلدة، الذي ينحدر منه مُنفذا عملية إطلاق النار التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين.
والحصار المفروض يتجاوز الأحياء السكانية والتجارية في المنطقة الغربية من المدينة، ويتضمن إغلاق مداخلها الرئيسية والفرعية، بعدما طُرد أصحاب المنازل منها قسراً. ويترافق ذلك مع تنفيذ عمليات اعتقال وتنكيل وتهديد، وتحويل أبنية إلى ثكنات عسكرية، وسرقة محتوياتها مما خف وزنه وغلا ثمنه، وتخريب ما بقي فيها من أثاث. ووضع الجنود الاسرائيليون علامات X على العديد من المباني التي أخلاها سكّانها.
وتبلغ مساحة المناطق المحاصرة حوالي 350 دونمًا في منطقتي “عين دير بحّة ودوّار الجلدة”، ويزيد عدد سكانهما عن 2500 نسمة، بينما تعرض للتهجير حوالي 2450 شخصًا. وهو رقم مرشح للتصاعد في ضوء حملة الإنتقام الاسرائيلية المسعورة، والتي تشمل سائر سكان المدينة في عملية تندرج في اطار العقاب الجماعي. وكان المواطنون الفلسطينيون قد أرغموا على إخلاء منازلهم التي شرَّعها جنود الاحتلال للهدم والتخريب. وتوسع نطاق العدوان ليطال مناطق أخرى خارج نطاق الحصار، كما أفادت بذلك لجنة الإسناد والإغاثة التابعة لمحافظة الخليل بأن 2649 شخصًا تضرّروا من العدوان في المناطق المحاصرة والمجاورة لها.
وبحسب احدى الإحصائيات التي أوردتها خلية إدارة الأزمات في بلدية الخليل، فإنه حتى مساء السبت الماضي، بلغ عدد الأسر النازحة 338 أسرة، تضم 2162 فرداً، فيما بلغ عدد الأسر التي لا يتوفر لها مكان آمن 137 أسرة.
وتُظهر البيانات الأولية بعد يومين من الحصار أن من بين أفراد الأسر النازحة هناك 147 رضيعاً دون سن السنتين، و777 طفلاً ويافعاً تتراوح أعمارهم بين عامين و17 عاماً، إلى جانب 185 مسناً ممن تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر، و94 امرأة حاملاً أو مرضعاً، و26 شخصاً من ذوي الإعاقة، و151 شخصاً يعانون أمراضاً مزمنة. وتوزّعت الأسر النازحة على منازل أقاربها، أو في منشآت بلدية وتجارية تابعة لها، أو في منازل مستأجرة.
حالة الحصار أدت إلى عزل الأحياء داخل المدينة عن بعضها بعضا نتيجة كثافة الجنود وتحركاتهم، وتحكمهم بسائر مفاصل الطرقات والشوارع. وهو ما عطل التنقل والأنشطة الاقتصادية والتعليمية. فقد أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية عن تعليق الدوام المدرسي في المدارس الحكومية والخاصة، فيما حوَّلت جامعة الخليل الدوام من التعليم الحضوري إلى التعليم الإلكتروني عن بُعد، نظراً إلى “الظروف الطارئة”.
وكانت قوات الاحتلال، معززة بالآليات العسكرية والجرافات، قد اقتحمت عدة مناطق في الخليل، وشرعت بمداهمة منازل المواطنين وتفتيشها. ووزع جيش الاحتلال خرائط على سكان الحي، شملت نحو 150 بناية سكنية ومنازل. ويصل تعداد سكان الحي إلى 2500 نسمة، و”أُبلغ الأهالي بضرورة جمع أغراضهم وإخلاء منازلهم والمنطقة بأكملها”. حيث فتحت ممرات لخروجهم بعيدا عن حي دير بحة الذي ولدوا وآبائهم في ربوعه وبين حاراته.
لاتحلموا بالعودة!
وفضل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم الكشف في الوقت الراهن عن الوسائل التي ينوي اعتمادها لتحييد ما وصفه بالتهديد، في إشارة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية التي تنتظرها مفاجأة كبرى. وأعلن الجيش الاسرائيلي أن عملية التفتيش والبحث الدقيقة ستستغرق عدة أيام. لكن بعض العائلات النازحة أفادت أن جنود الاحتلال أبلغوهم استمرار العملية لمدة تتراوح بين 10-15 يوماً. بينما قال جنود آخرون لبعض العائلات: “لا تحلموا بالعودة”.
بدورها حذرت الحكومة الفلسطينية من خطورة التصعيد الإسرائيلي الإجرامي المتواصل في الضفة الغربية، ووصفته بأنه “عمل عدواني يستهدف الشعب الفلسطيني وأرضه ومقدراته”، وحملت حكومة الاحتلال “المسؤولية الكاملة عن هذا التمادي الخطير”، مطالبة المجتمع الدولي بـ”التدخل العاجل والفوري لوقف الاحتلال وحكومته عن الاستمرار في ارتكاب المزيد من الجرائم التي تجري في الضفة الغربية وقطاع غزة”.
وقال محافظ الخليل خالد دودين إن نحو ثلث مدينة الخليل استُهدف في العملية، ووصف ذلك بأنها “حالة عقوبات جماعية بحق مواطنين ليست لهم علاقة ولا شراكة في الموضوع”.
وذكر الناشط الحقوقي عارف جابر أن عائلات مدينة الخليل فتحت دواوينها لاستقبال النازحين، إلى جانب فتح أبواب مؤسسات رسمية وأهلية، لاستيعاب العائلات التي أُجبرت على إخلاء منازلها. ووصف جابر ما يجري بأنه تهجير وعقاب جماعي للسكان.، مشيراً إلى أن قوات الاحتلال اعتدت على عدد من الأهالي بالضرب ونكّلت بهم، ونفذت اعتقالات، بينما أفرجت لاحقا عن بعض المعتقلين. كما نفذت مداهمات للمنازل في عدد من بلدات ومخيمات الخليل. وبدوره أكد نادي الأسير الفلسطيني أنه وثّق ورصد تسجيل نحو 70 حالة اعتقال حتى لحظة اعداد بيانه.
الخليل تحاكي غزة
ويحاكي ما يجري في الخليل، وفق عضو المجلس البلدي في المدينة خالد النتشة، ما يعانيه قطاع غزة من حرب الإبادة المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، إذ يستنسخ الاحتلال نموذجه المعتمد، الذي يبدأ من محاصرة المناطق السكنية ويعقبه إجبار السكّان على النزوح، من دون توفير ضمانات بشأن موعد عودتهم، أو الظروف التي سيجدونها بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وأشار النتشة أن العمليات العسكرية تتجاوز الحدود الواردة في الخريطة، إذ تطاول مناطق أخرى، فيما تحركت الآليات العسكرية بأعداد كبيرة في أنحاء المدينة. ووصف المشهد بالقول: “الخليل محاصرة من جميع الجهات، ومداخلها مغلقة بالكامل، ولا يستطيع أحد الوصول إليها”.
وفي مواجهة التطورات، أعلنت بلدية الخليل حالة الطوارئ، وبدأت الاستعداد لأسوأ الاحتمالات، بما يشمل استمرار نزوح السكان واتساع نطاقه، والعمل على تأمين أماكن بديلة للعائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها. وأوضح النتشة أن خطط الطوارئ تتضمن توفير مراكز لاستقبال النازحين، والتواصل مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لبحث إمكانية نقل المرضى من المناطق المحاصرة، إلى جانب إيصال الطعام إلى العائلات التي لا تزال داخل المنطقة، ولم تُجبر على المغادرة، ومحاولة توفير إمكانات للشحن الكهربائي عن بُعد لعدد محدود من المنازل التي تتوافر لديها الوسائل اللازمة لذلك.
وتتخوف البلدية من تنفيذ عمليات هدم واسعة في المنطقة، بعدما أبلغت قوات الاحتلال عائلات منفذي العملية بنيّتها هدم منازلهم قريباً. وأشار النتشة إلى أن الاحتلال أبلغهم بأن المنشآت المحيطة بموقع العملية، التي يدعي أنها قد تعيق رؤية الجنود المتمركزين على الحاجز ستُزال، ما يعزز المخاوف من اتساع نطاق عمليات الهدم لتشمل مزيداً من المنازل والمنشآت التجارية.
ويحدد أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل بلال الشوبكي، أهداف الحصار الحالي للخليل بمستويات عدة، أولها أن “إسرائيل” تنفّذ مخططاً استراتيجياً مُعدّاً مسبقاً، لا يرتبط بهذه العملية، ويتمثل في بسط السيطرة والنفوذ على الضفة الغربية، بما فيها مدينة الخليل، بالكامل. ويتمثل الهدف الثاني، في إحداث إزاحة سكانية داخلية تؤدي إلى تقليص الوجود الفلسطيني في أضيق بقعة جغرافية ممكنة، إلى جانب تحويل الإزاحة السكانية والنزوح والهجرة من فكرة بعيدة في العقل الفلسطيني إلى واقع يراه الفلسطينيون يُطبّق أمامهم، من دون ردات فعل لمواجهة هذه الخطوات الإسرائيلية. أما الهدف الأخير فاستثمار الحصار سياسياً يدفع الحكومة للقول إنها مارست جزءاً من سياساتها الأمنية في شمال الضفة الغربية وحققت النتائج المرجوة منها، وإن ما يجري في الخليل يشكّل استكمالاً لهذه السياسات في جنوب الضفة الغربية، وتحديداً في الخليل. وبالتالي، فإن إقدام الحكومة على هذه الخطوة تحت عنوان تدمير البنية التحتية للإرهاب يُعدّ محاولة استباقية لمواجهة هذا النقد المحتمل. ويضاف إلى ذلك، وفق الشوبكي، استثمار الحصار في سياق الدعاية الانتخابية الإسرائيلية، عشية موعد الانتخابات المقررة.
التوقيت والنتائج
دفعت عملية الخليل إلى استحضار جدل صحي داخل الشارع الفلسطيني حول توقيت العملية الفدائية وقرار تنفيذها وعلاقته بالنتائج المرجوة منها. وهذا لا يتناول المقدمات التي يعتمدها المستوطنون والجيش والمؤسسة السياسية الاسرائيلية في الضفة الغربية عموما، والتي تستهدف إلغاء الهوية الوطنية الفلسطينية لهذه المنطقة التي تطلق عليها “يهودا والسامرة”، ووسط الدعوات المتكررة لضمها للكيان الاسرائيلي باعتبارها أرضا اسرائيلية وليس منطقة محتلة. وتتجلى سياسات التضييق والخنق في حوالي 1000 حاجز وعائق مرور تقطع أوصال البلاد وتجعل تواصل الفلسطينيين بمثابة معضلة يومية أمام حركة الانتقال والتنقل. يضاف إلى ذلك مصادرة الاراضي والسطو على الممتلكات المنقولة وغير المنقولة، وقطف المستوطنين لمواسم الزيتون وغيره، ونهب القطعان والمواشي والآليات وإحراق المحاصيل الزراعية والبيوت والمؤسسات التجارية والحرفية وسواها مما تتفنن به العنصرية الصهيونية يويما من اعتداءات وتعديات دون أي رادع أو موقف من جانب السلطات التي تساعد المعتدين على تنفيذ جرائمهم. وهي ما يدفع إلى بروز ظاهرة الاعمال الفدائية سواء نفذت بالاسلحة الحربية أو السكاكين والسيارات و… بناء عليه وفي ضوء التجربة ظهرت تساؤلات مشروعة حول توقيت العملية وسط مناخ يعلنه الجيش والمستوطنون الذين يبحثون عن ذريعة لتفجير الوضع وممارسة التهجير والقمع العاري على الفلسطينيين، ليس في الخليل وحدها، بل في عموم الضفة الغربية أسوة بما تعانيه غزة. ولعل ما حدث في جنين ومخيماتها من قتل وجرف وتشريد يعتبر بمثابة دروس يجب الإفادة منها . فالحصار القائم في كلا المنطقتين وطرد السكان وعمليات القتل اليومي وحملات التهجير وخنق المجتمع هدفه الأساس، تحقيق الحلم الصهيوني بالتوسع وطرد السكان وتكريس يهودية الاراضي المحتلة، وهو ما لا يغير فيه هزيمة نتنياهو ونجاح ايزنكوت أو العكس، فكلاهما يتشاركان في رفض الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، إلا أن نجاح الأخير قد يمنح الفلسطينيين فترة لالتقاط أنفاسهم بعد هذا المسار الدموي الصاخب الذي تصاعدت وتيرته منذ أكثر من 3 سنوات وما يزال على تدفقه الغزير.



