مقالات

الحقيقة وغيابها في الإعلام اللبناني

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الحقيقة وغيابها في الإعلام اللبناني

 

د. خالد العزي – مناشير

يُعتبر الإعلام أحد الأدوات الرئيسية التي تؤثر في تشكيل الرأي العام، ويعتمد على استراتيجيات متعددة لنقل الرسائل إلى الجمهور. من بين هذه الاستراتيجيات، هناك “استراتيجية الاستلقاء في الفراش” و”استراتيجية الصدق”، وهما استراتيجيتان تستخدمان بطرق مختلفة لنقل المعلومات، ولكل منهما تأثيرات مميزة في تشكيل الرأي العام والتفاعل مع القضايا المختلفة.

1-استراتيجية الاستلقاء في الفراش (Bed Lie Strategy):

تقوم هذه الاستراتيجية على استخدام الكذب أو التلاعب بالمعلومات في سياق إعلامي لتحقيق أهداف محددة. تستخدم هذه الاستراتيجية عندما يكون هناك تهديد أو فضيحة، حيث يهدف الإعلام إلى التشويش على الحقائق أو تحويل الانتباه بعيدًا عن المعلومات التي قد تكون ضارة أو غير مرغوب فيها. قد يُقال في هذا السياق إن الشخص أو الجهة المعنية “استلقت في الفراش”، أي أنها اختارت تجاهل أو إخفاء الحقيقة بغية تجنب التعرض للمسائلة أو الضغط. تتضمن هذه الاستراتيجية إخفاء أو تعديل الحقائق بشكل يجعل الأمور تظهر بشكل أفضل أو أقل ضررًا مما هي عليه في الواقع.

على سبيل المثال، يمكن لجهة معينة أن تقدم بيانات مغلوطة أو مشوهة بهدف تخفيف الضغوط التي تتعرض لها، أو قد تقوم بإخفاء جزء من القصة لتجنب تأثيراتها السلبية على سمعتها.

2-استراتيجية الصدق (The Strategy of Truth):

على النقيض، تركز استراتيجية الصدق على الشفافية و الصدق في نقل الأخبار والمعلومات. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقديم الحقائق بشكل دقيق وواضح، دون التلاعب أو التحريف. الهدف الأساسي من هذه الاستراتيجية هو بناء الثقة بين وسائل الإعلام والجمهور من خلال تقديم محتوى موضوعي ومبني على أدلة حقيقية و واقعية. بدلاً من إخفاء أو تزييف المعلومات، تسعى هذه الاستراتيجية إلى التحقق من صحة الأخبار قبل نشرها، مما يساعد في تقديم صورة دقيقة وواضحة للواقع.

تُعتبر هذه الاستراتيجية مثالية في الأنظمة الديمقراطية حيث يُتوقع من وسائل الإعلام أن تقدم معلومات دقيقة تتيح للجمهور اتخاذ قرارات مستنيرة. ولكنها تتطلب من وسائل الإعلام والصحفيين مسؤولية عالية، حيث يجب أن يتحملوا تبعات الخطأ في المعلومات المُقدمة، سواء كانت تبعات قانونية أو أخلاقية.

مزايا استراتيجية الصدق

تعتبر استراتيجية الصدق أساسًا مهمًا في بناء علاقة قوية ومستدامة بين وسائل الإعلام والجمهور. فهي لا تقتصر فقط على تقديم الحقائق بشكل دقيق، بل تتجاوز ذلك لتعزيز الثقة والمصداقية، مما يساهم في مشاركة فعالة من الجمهور في الحياة السياسية والاجتماعية. وهي أيضًا تعزز من المساءلة وتحفز على تفاعل المواطنين بشكل واعٍ ومدروس مع القضايا العامة، مما يسهم في تعزيز العملية الديمقراطية والحد من انتشار المعلومات المغلوطة وفقا للتالي:

1-تعزيز مصداقية الإعلام: وسائل الإعلام التي تتبنى الصدق والشفافية تصبح أكثر مصداقية في أعين الجمهور، مما يقلل من تأثير الشائعات أو المعلومات المغلوطة التي قد تنتشر في وسائل الإعلام الأخرى.

2-بناء علاقة متينة مع الجمهور: الجمهور يميل إلى الثقة في وسائل الإعلام التي تتبنى مبدأ الصدق والشفافية، حيث يشعرون أن المعلومات المقدمة هي حقيقية ويمكنهم الاعتماد عليها في بناء آرائهم واتخاذ قراراتهم.

3-دعم المشاركة العامة الواعية: في الأنظمة الديمقراطية، يشجع الإعلام الصادق الجمهور على المشاركة الفعالة في النقاشات السياسية والاجتماعية بشكل مبني على الحقائق، مما يعزز العملية الديمقراطية.

تأثير هذه الاستراتيجيات على الرأي العام

كما يقول شكسبير: “نقدم طعماً من الكذب لنصطاد سمكة الحقيقة”، في هذه المقولة، يبرز الفارق بين تقديم معلومات مغلوطة في البداية لجذب الانتباه ثم الكشف عن الحقيقة لاحقًا، وهو ما يُستخدم في بعض الأحيان للتأثير على الرأي العام. عندما يقدم الإعلام طعماً من الكذب أو نصف الحقيقة، يُسمح للجمهور بترتيب آرائهم بناءً على معلومات مشوهة، مما قد يُحدث تحولًا في كيفية تفسير الأحداث.

التأثيرات الناتجة عن استخدام هذه الاستراتيجيات

التأثيرات الناتجة عن استخدام هذه الاستراتيجيات تنعكس بشكل كبير على تشكيل الرأي العام، حيث يمكن أن تؤدي إلى تغييرات في مواقف الجمهور وتعزيز أو تلاشي الثقة في وسائل الإعلام بناءً على مصداقية المعلومات المقدمة من خلال التالي:

1-التضليل والتحوير:
تقديم طعماً من الكذب يمكن أن يجعل الجمهور يعتقد أن المعلومات المشوهة هي الحقيقة مع مرور الوقت، مما يسهم في تشويه الحقائق أو تحريفها جزئيًا.

2-مفاجأة الجمهور بالحقيقة:
بعد جذب الانتباه بتقديم معلومات مغلوطة، يتم تقديم الحقيقة في وقت لاحق على أنها تطور إيجابي أو حل مثالي، مما يجعل الجمهور يشعر أن الحقيقة المكتشفة هي الأفضل.

3-تحقيق أهداف معينة:
تُستخدم هذه الاستراتيجيات في المجال الإعلامي لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، حيث يتم توجيه الرأي العام نحو دعم موقف سياسي معين أو إبعاد الأنظار عن قضايا حساسة قد تضر بسمعة جهة معينة.

4-السلطة على التفسير:
من خلال هذه الاستراتيجيات، تستطيع السلطة أو وسائل الإعلام التحكم في السرد، مما يمكنها من توجيه الرأي العام بشكل يتناسب مع مصالحها.

اذًا ، تُعد هذه الاستراتيجيات أدوات قوية في عالم الإعلام، حيث تؤثر بشكل كبير في تشكيل الرأي العام و التوجيه العاطفي للجمهور. من المهم أن يدرك الجمهور تأثير هذه الاستراتيجيات في نقل الحقيقة، وأن يظل واعيًا بما يُقدّم له من معلومات لتفادي الوقوع في فخ التضليل الإعلامي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى