الترامبية كمنهج سياسي: من الظاهرة إلى الحركة المستمرة..
الترامبية كمنهج سياسي: من الظاهرة إلى الحركة المستمرة..

د. خالد العزي – مناشير
الترامبية ليست مجرد ظاهرة مرتبطة بشخص واحد. إنها منهج سياسي يتجاوز شخصية دونالد ترامب ليصبح تيارًا فكريًا مستمرًا داخل السياسة الأمريكية، يعبر عن مجموعة من المبادئ التي تجمع بين الشعبوية القومية والانغلاق على الذات، وتضع “أمريكا أولًا” شعارًا مركزيًا لها. هذه المبادئ تتمثل في عدة نقاط أساسية تكشف عن الملامح الرئيسية لهذا المنهج.
أولًا، تقوم الترامبية على الشعبوية القومية التي تركز على مخاطبة “الأميركي العادي” ضد النخب السياسية والإعلامية، حيث يُنظر إلى هذه النخب على أنها منفصلة عن هموم المواطن الأمريكي البسيط. في هذه العقلية، تصبح النخب السياسية والإعلامية في مرمى النقد، وتُعتبر السبب وراء العديد من القضايا الاجتماعية والاقتصادية في الولايات المتحدة.
ثانيًا، “أمريكا أولًا” هو الشعار الذي يتردد في كافة خطب وأنشطة الترامبية. يتصدر هذا الشعار موقفًا قوياً من المصلحة القومية، حيث تُمكّن هذه السياسة القومية من تجاوز أي التزامات دولية قد تضر بمصالح الولايات المتحدة. على سبيل المثال، تهدف الترامبية إلى تقليص التدخلات العسكرية الأمريكية المكلفة في الخارج، بما يتماشى مع انعزالية تدعو إلى تقليص الدور الأمريكي في الشؤون العالمية.
ثالثًا، يُعتبر الحمائيون الاقتصاديون من أبرز رموز الترامبية. يرفع المنهج الترامبي الرسوم الجمركية على السلع المستوردة ويدعم الصناعة المحلية بهدف حماية الاقتصاد الأمريكي من المنافسة الخارجية. تُعتبر هذه السياسة جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تأمين العمالة المحلية وتحقيق ازدهار اقتصادي داخلي.
إلى جانب هذه السياسات الاقتصادية، تعتمد الترامبية أيضًا على مبدأ سياسة الصفقات. فبدلًا من بناء تحالفات دولية طويلة الأمد، تفضل الترامبية الصفقات التي تضمن منفعة مباشرة، حيث يتم التعامل مع كل حالة على حدة وفقًا للمكاسب المباشرة، وهو ما يعكس تحولًا في العلاقات الدولية.
وبجانب هذه السياسات، تبرز الترامبية في معاداتها للإعلام التقليدي. يرفض ترامب واتباعه وسائل الإعلام السائدة التي تُتهم بنشر أكاذيب وتشويه الحقائق. وبدلاً من ذلك، تمسك الترامبية بالمنصات الاجتماعية كأداة رئيسية للتواصل المباشر مع الجمهور، مما يسهل الوصول إلى قواعد التأييد دون تدخل من الإعلام.
أما في ما يتعلق بالعولمة والهجرة، فالرؤية الترامبية لا تقتصر فقط على موقف اقتصادي، بل تشمل أيضًا بعدًا ثقافيًا. فالعولمة والهجرة، في نظر الترامبية، تهدد الهوية الأمريكية، ويجب مكافحتها لضمان الحفاظ على القيم الوطنية.
أخيرًا، تتسم الترامبية بأسلوب خطابي بسيط وكاريزمي، حيث أصبح هذا الخطاب جزءًا من أسلوب حياة سياسي مستمر. بفضل البساطة التي يتمتع بها هذا المنهج، أصبح جاذبًا للعديد من الأمريكيين الذين يشعرون بأنهم مهمشون في ظل الأنظمة السابقة. لا تقتصر الترامبية على شخص ترامب فقط، بل تطورت إلى حركة فكرية – تنظيمية، مثل “ماغا” (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) التي تضم قادة جدد مثل فانز.
الترامبية بعد ترامب: استمرار الحركة
من خلال هذه المبادئ، تحولت الترامبية من مجرد ظاهرة مرتبطة بشخص ترامب إلى تيار فكري وتنظيمي مستمر. هذه الحركة السياسية، التي تعكس رغبة في استعادة القوة الأمريكية، لا تعتمد فقط على شخصية ترامب، بل على قادة جدد مثل فانز الذين يواصلون نفس النهج في السياسة الأمريكية. وفي الوقت ذاته، يظل هذا التيار مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالسياق الانتخابي والسياسي الأمريكي، حيث يضعف أو يقوى حسب الظروف.
الصحفية التي أسقطت إبستين
وفي إطار الحديث عن قضايا تتشابك فيها السياسة والإعلام، تبرز قصة الصحفية الاستقصائية “جولي ك. براون” التي ساعدت في الكشف عن واحدة من أكبر الفضائح القضائية في تاريخ الولايات المتحدة. في 28 نوفمبر 2018، نشرت صحيفة “ميامي هيرالد” سلسلة تحقيقية بعنوان “العدالة المنحرفة”، التي كشفت عن فضيحة جيفري إبستين واستغلاله لعشرات الفتيات القاصرات. بعد أكثر من عام من العمل الشاق، استطاعت براون أن تكشف عن تفاصيل صفقة قضائية سرية بين إبستين والمدعي العام ألكسندر أكوستا، التي أغلقت القضية رغم حجم الجريمة.
بدأت القصة في عام 2005، عندما قدمت فتاة في فلوريدا شكوى ضد إبستين بسبب استغلالها الجنسي. ومع مرور الوقت، تبين أن العديد من الفتيات، غالبًا من خلفيات فقيرة أو مضطربة، وقعوا ضحايا لنظام استغلال إجرامي. في 2007، أبرم إبستين صفقة مع أكوستا، الذي سمح له بالاعتراف بجريمة بسيطة مقابل عقوبة رمزية. ورغم أن الصفقة كانت سرية، فإن الصحفية جولي براون كشفت عن الفساد الذي شاب هذا الاتفاق، مما أسفر عن تغييرات هامة في النظام القضائي الأمريكي.
الترامبية، كمنهج سياسي، قد تكون قد نشأت من شخصية ترامب، لكنها تجاوزت ذلك لتصبح حركة فكرية مستمرة. وبينما يتواصل الصراع بين الشعبوية والقيم المؤسسية في الولايات المتحدة، تستمر قضايا مثل فضيحة إبستين في التأثير على مشهد السياسة الأمريكية والإعلام.



