خبر عاجلسياسةمقالات

اعتكاف القوات في مواجهة سلام… من يدفع لبنان نحو الصدام الداخلي؟ – أسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

اعتكاف القوات في مواجهة سلام… من يدفع لبنان نحو الصدام الداخلي؟

أسامة القادري 

ليس اعتكاف وزراء حزب القوات اللبنانية مجرّد خلاف وزاري عابر، ولا يمكن فصله عن الاشتباك السياسي المتصاعد حول طريقة تعامل الحكومة مع حزب الله. فخطوة القوات تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز حدود الاعتراض على أداء الحكومة، إلى احتمال استخدامها أداة ضغط على رئيسها نواف سلام، لدفعه نحو تموضع سياسي أكثر تشدّدًا، قد ينتهي إلى تشكيل جبهة داخلية في مواجهة الحزب.

لكنّ سلام، وفق هذا المسار، لا يبدو مستعدًا للانخراط في مواجهة من هذا النوع. فهو يقدّم نفسه باعتباره رئيس حكومة يدير شؤون الدولة ومؤسساتها، لا طرفًا في اصطفاف طائفي أو سياسي من شأنه تعميق الانقسام الداخلي وفتح الباب أمام صدام لا يمكن التكهّن بتداعياته على الاستقرار والسلم الأهلي.

منذ اليوم الأول لتولّيه رئاسة الحكومة، أظهر نواف سلام اختلافًا واضحًا عن أسلافه في مقاربة ملف حزب الله. فالبيان الوزاري لم يتضمّن الصيغة التقليدية التي كان يفضّلها الثنائي الشيعي، أي معادلة «الجيش والشعب والمقاومة»، فيما اتُّخذت قرارات مرتبطة بملف السلاح من دون توافق مسبق مع الحزب. وقد انسجمت هذه الخطوات، في جانب من خطابها السياسي، مع التوجّه الأميركي الداعي إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.

غير أنّ الأشهر التالية كشفت تباينًا بين القرارات السياسية المعلنة وما يُطلب من الحكومة على أرض الواقع. فالحكومة لم تنتقل إلى مواجهة ميدانية مباشرة مع حزب الله، فيما تتحدث معلومات عن استياء أميركي من طريقة إدارة هذا الملف، ولا سيما في ظل التحفّظات التي أبدتها الحكومة حيال بعض مندرجات اتفاق الإطار، على الرغم من إعلانها دعم مسار المفاوضات المباشرة.

وزاد عدم إحالة ملف شاحنة ظهر البيدر المرتبطة بحزب الله إلى المجلس العدلي من حدّة التجاذبات السياسية، وسط معلومات عن تزايد الضغوط على سلام، تزامنًا مع امتناع وزراء القوات اللبنانية عن المشاركة في جلسات الحكومة. وبين الموقفين، يبرز سؤال أساسي: هل بات الخلاف يدور حول تطبيق قرارات الدولة، أم حول طبيعة المواجهة المطلوبة وحدودها؟

بحسب معلومات متداولة، يتحرّك لوبي لبناني ـ إسرائيلي في الولايات المتحدة للضغط على رئاسة الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش، بهدف دفعها إلى اتخاذ خطوات أكثر تشدّدًا في مواجهة حزب الله، مع التلويح بإمكان فرض عقوبات على الجهات التي لا تستجيب لهذا التوجّه

وبحسب معلومات متداولة، يتحرّك لوبي لبناني ـ إسرائيلي في الولايات المتحدة للضغط على رئاسة الجمهورية والحكومة وقيادة الجيش، بهدف دفعها إلى اتخاذ خطوات أكثر تشدّدًا في مواجهة حزب الله، مع التلويح بإمكان فرض عقوبات على الجهات التي لا تستجيب لهذا التوجّه. وتضع هذه المعطيات المؤسسات اللبنانية أمام معادلة حسّاسة، بين الضغوط الخارجية من جهة، ومخاطر نقل الصراع السياسي إلى مواجهة داخلية من جهة أخرى.

وتشير المعلومات نفسها إلى أنّ المصرفي أنطون الصحناوي ومورغان أورتاغوس يتصدّران، وفق هذه الرواية، جانبًا من التحركات الرامية إلى التأثير في القرار اللبناني، بالتنسيق مع شخصيات نافذة في الإدارة الأميركية. وتذهب هذه المعلومات إلى حدّ اعتبار تغيير الحكومة وقائد الجيش من الخيارات المطروحة لدى هذا الفريق، على خلفية ما يراه تباطؤًا في الانتقال من القرارات السياسية إلى خطوات ميدانية أكثر حسمًا.

وفي حسابات الجهات الضاغطة، لم يعد سلام مجرّد رئيس حكومة يتحفّظ على التصعيد العسكري، بل بات يُنظر إلى مقاربته باعتبارها مسارًا سياسيًا وقانونيًا لا يلبّي سقف المواجهة المطلوب. ويبرز في هذا السياق تقاطع بعض مواقفه مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، في إدارة الخلاف مع حزب الله ضمن الأطر الدستورية والسياسية، من دون الذهاب إلى مواجهة ميدانية مفتوحة.

ولا تقف الاعتراضات، وفق المعلومات المتداولة، عند حدود إدارة ملف السلاح. فموقف سلام من استمرار قوات «اليونيفيل»، وتقاطع مقاربته مع الطرح الفرنسي الداعي إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، فضلًا عن علاقاته مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تندرج جميعها في سياق أوسع من التباينات الإقليمية والدولية التي تحيط بالمرحلة اللبنانية. غير أنّ مدى تأثير هذه العوامل في الضغوط الممارسة على الحكومة يبقى بحاجة إلى معطيات موثّقة.

هكذا، تجد حكومة بدأت عهدها بقرارات سياسية واضحة في ملف السلاح نفسها أمام اختبار مختلف: ليس فقط مدى قدرتها على تنفيذ قراراتها، بل أيضًا قدرتها على التمسّك بمرجعية الدولة ومؤسساتها، من دون الانجرار إلى مواجهة داخلية قد تتجاوز نتائجها الحسابات السياسية المباشرة.

فإذا كان المطلوب تثبيت سلطة الدولة، فإنّ السؤال يبقى عن الوسائل التي تحقق هذا الهدف، وعن دور الجيش والقضاء والمؤسسات الدستورية في إدارة الملف. أمّا إذا كان المطلوب دفع الحكومة إلى مواجهة مفتوحة مع حزب الله، فإنّ المسألة تتجاوز تنفيذ القرارات إلى تحديد من يرسم حدود الصراع في لبنان، وبأي كلفة سياسية وأمنية واجتماعية.

ومع دخول لبنان مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، تتزايد المخاوف من أن يتحوّل الخلاف على مقاربة حزب الله إلى أداة ضغط على الرئاسات والمؤسسات العسكرية، عبر التلويح بالعقوبات أو الدفع نحو تغيير في موازين السلطة. وفي بلد لا يزال السلم الأهلي فيه هشًّا، لا يمكن التعامل مع هذا الاحتمال باعتباره تفصيلًا في سجال سياسي عابر.

فالمواجهة السياسية قد تبقى محكومة بقواعد المؤسسات، أمّا نقلها إلى الشارع أو الميدان فيحمل مخاطر مختلفة تمامًا. وبين الضغوط الخارجية وحسابات الداخل، يبقى التحدّي أمام الدولة اللبنانية في منع تحوّل الخلاف على السلاح إلى صدام داخلي، تكون كلفته أكبر من قدرة اللبنانيين على تحمّلها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى