استخدام العامل القومي لزعزعة استقرار الوضع داخل إيران – خالد العزي

د. خالد العزي
تعتبر الجالية الكردية في إيران عنصراً قومياً حساساً، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الولايات المتحدة وحلفاءها يرون فيها مفتاحاً محتملاً لزعزعة استقرار النظام الإيراني. في هذا السياق، أفاد موقع أكسيوس بأن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، أجرى اتصالاً هاتفيًا مع زعيمي كردستان العراق، مسعود بارزاني وبافل طالباني، حيث تم مناقشة إمكانية مشاركة الجالية الكردية المقيمة في إيران في عملية انتقال السلطة في البلاد.
ووفقاً للمصادر، أبدت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفاقاً على أن الجالية الكردية يمكن أن تلعب دوراً مهماً في تغيير الوضع داخل إيران، وهو ما يعكس الرأي السائد لدى العديد من السياسيين، بما فيهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو. يبدو أن هناك تصورات قوية لدى هذه الأطراف بأن الأكراد في إيران قد يكونون على وشك الانتفاض، مما قد يؤثر بشكل كبير في المعادلة السياسية الإيرانية.
هذه المحادثات تشير إلى استخدام العامل القومي الكردي كوسيلة لزعزعة استقرار النظام الإيراني، من خلال محاولة تحفيز الجالية الكردية في إيران على المشاركة في جهود تغيير السلطة. ويُنظر إلى هذه الجالية على أنها يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتقويض النظام الإيراني من الداخل، مما يضيف بُعدًا قوميًّا جديدًا إلى الصراع القائم في المنطقة.
التصعيد بين إيران والولايات المتحدة
في الوقت نفسه، أشار وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في تصريح له على وسائل التواصل الاجتماعي في الثالث من مارس/آذار، إلى أن الولايات المتحدة دخلت الحرب “بإرادتها الحرة” إلى جانب إسرائيل. ورفض عراقجي ما يروج له البعض من وجود “تهديد إيراني”، مُحملاً “دعاة الهيمنة الإسرائيلية” في السياسة الأمريكية مسؤولية إراقة الدماء بين الأمريكيين والإيرانيين. وقال إن الشعب الأمريكي “يستحق أفضل من ذلك”، ووجّه دعوته لهم لاستعادة وطنهم.
وأضاف عراقجي في تصريحات أخرى أن إيران تمتلك كامل الحق في ضرب أي أهداف في المنطقة، بما في ذلك أهداف داخل دول الجوار، وهو ما يعكس التصعيد العسكري الإيراني في مواجهة ما تعتبره عدواناً من الولايات المتحدة وحلفائها. هذا التصعيد الكلامي يأتي في وقت حساس للغاية حيث تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها استراتيجياتهم العسكرية والدبلوماسية ضد إيران.
التصعيد العسكري في لبنان
في إطار هذه التحولات في السياسة الإقليمية، أعلنت إسرائيل عن بدء عملية برية في جنوب لبنان في الثالث من مارس/آذار، بهدف بسط السيطرة على مواقع قيادة إضافية قرب الحدود لمنع هجمات حزب الله. هذه العملية تندرج ضمن التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد الحزب، والذي كان قد شن في الثاني من مارس/آذار غارات على الأراضي الإسرائيلية، في خطوة وصفت بأنها “تضامنية” مع إيران.
منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و لبنان في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بذلت الحكومة اللبنانية جهوداً حثيثة لإقناع حزب الله بوقف نشاطاته العسكرية. ورغم هذه الجهود، لم يتوقف الحزب عن إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، وهو ما أثار ردود فعل إسرائيلية عنيفة وزيّنت عمليات قصف جديدة في مختلف أنحاء لبنان، بما في ذلك العاصمة بيروت.
وتعكس هذه التطورات تزايد الضغوط على الحكومة اللبنانية، التي تجد نفسها في موقف ضعيف أمام حزب الله، حيث أصدرت الحكومة في الثاني من مارس/آذار قرارًا بحظر النشاط العسكري للحزب في لبنان، وهو القرار الذي يعتبر العديد من اللبنانيين أنه لا يمكن تطبيقه نظرًا لقوة الحزب داخل البلاد. وهناك أصوات في لبنان تطالب الحكومة بطلب مساعدة دولية للحد من نشاطات حزب الله ومحاولة تهدئة الموقف.
الأكراد في إيران: ورقة ضغط أمريكية وإسرائيلية
ما يظهر بوضوح في هذا السياق هو التوجه الاستراتيجي الأمريكي والإسرائيلي لاستخدام الأكراد كأداة ضغط داخل إيران، حيث تشير التقارير إلى أن هناك تحليلاً مشتركًا بين واشنطن وتل أبيب بأن الجالية الكردية في إيران يمكن أن تمثل نقطة تحوّل في المواجهة. في هذا السياق، يُعتقد أن الأكراد قد يكونون في وضع يسمح لهم بتحقيق تأثيرات كبيرة، خاصةً في حال بدأوا في الانتفاض ضد النظام الإيراني، مما قد يشكل ضربة قوية للنظام في وقت يتسم بالضغوط المتزايدة عليه من جميع الاتجاهات.
على الرغم من عدم وجود تحركات علنية واسعة من قبل الأكراد في إيران حتى الآن، إلا أن التصريحات الأمريكية والإسرائيلية تشير إلى أن هذه الجالية قد تكون في طور الاستعداد للتحرك، ما يعني أن العامل القومي الكردي قد يصبح عاملًا رئيسيًا في المرحلة القادمة من الصراع في الشرق الأوسط.
في النهاية، لا يبدو أن الأوضاع في إيران أو لبنان على وشك الاستقرار قريبًا. ففي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة و إسرائيل استخدام الجالية الكردية كأداة للتأثير في الداخل الإيراني، فإن إيران لا تزال تتبنى مواقف حازمة تجاه التدخلات الخارجية وتؤكد على حقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة ما تعتبره عدوانًا من القوى الغربية وحلفائها. أما في لبنان، فإن الاشتباك العسكري المستمر بين إسرائيل و حزب الله يشكل نقطة ضعف كبيرة للحكومة اللبنانية التي تجد نفسها تحت ضغط شديد داخليًا وخارجيًا.
في ظل هذه التطورات المتسارعة، يبقى السؤال حول مدى نجاح استراتيجيات القوى الإقليمية والعالمية في تحقيق أهدافها في هذا الصراع المعقد والمتعدد الأبعاد.



