إيران والخلايا النائمة في الخليج: حرب استخباراتية لضرب الاستقرار

د.خالد العزي
تشهد منطقة الخليج العربي في السنوات الأخيرة موجة متصاعدة من الأحداث الأمنية المرتبطة بمحاولات التغلغل الإيراني عبر ما يُعرف بالخلايا النائمة، وهي شبكات سرية تهدف، وفق تحليلات محلية ودولية، إلى زعزعة الأمن الداخلي، استهداف الاقتصاد، واستنزاف قدرات الدول الخليجية.
الاعتقالات الأخيرة في البحرين والكويت
ففي البحرين، أعلنت السلطات الأسبوع الماضي عن القبض على شبكة تضم 41 معمماً يُزعم أنهم على صلة بإيران، وتلقوا رواتب شهرية من طهران بهدف تنفيذ أنشطة تهدد الاستقرار الداخلي.
وفي السياق ذاته، أعلنت دولة الكويت عن إلقاء القبض على 4 متسللين حاولوا دخول البلاد عن طريق البحر، واعترف هؤلاء المتسللون خلال التحقيقات بانتمائهم إلى الحرس الثوري الإيراني. وأوضحت السلطات أن العناصر كانت مكلفة بالتسلل إلى جزيرة بوبيان على متن قارب صيد تم استئجاره خصيصًا لتنفيذ أعمال عدائية تجاه الكويت.
وأدانت دولة الكويت بشدة محاولة تسلل المجموعة المسلحة، ووصفتها بأنها تهدد أمن واستقرار المنطقة. وشددت وزارة الخارجية الكويتية على مطالبة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالوقف الفوري وغير المشروط لأعمالها العدائية.
ويأتي هذا الحادث في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية في الخليج العربي، حيث تسعى الدول المطلة على الخليج إلى تعزيز الإجراءات الأمنية لمنع أي تهديدات محتملة على سيادتها وأمن مواطنيها.
شبكات سرية واكتشافات أخرى في المنطقة
ولم يكن هذا الحدث معزولًا، فقد أعلنت قطر والكويت والإمارات خلال الأسابيع الأخيرة عن اكتشاف شبكات سرية مماثلة واتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضدها، مما يعكس تصاعد الانتباه الإقليمي لمواجهة النفوذ الإيراني في دول الخليج العربي. وتشير التطورات الأمنية إلى أن هذه الشبكات كانت تسعى إلى تنفيذ أعمال عدائية تهدف إلى زعزعة الأمن الداخلي، التأثير على الاقتصاد، وخلق حالة من الفوضى في المنطقة. كما أن إيران استخدمت خلال السنوات الماضية أساليب مشابهة في سوريا عبر خلايا محلية وميليشيات متعددة الجنسيات لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، بما في ذلك زرع الفوضى واستهداف الاستقرار السياسي والمجتمعي، وهو ما يظهر نمطًا مستمرًا من محاولات التغلغل والتأثير الإيراني في المنطقة.
جهود دول الخليج في مواجهة الخلايا النائمة
ويأتي هذا الاعتقال ضمن جهود دول الخليج العربي لمكافحة ما وصفته بـ الخلايا النائمة الموالية لإيران، وهو مؤشر واضح على أن هناك تنسيقًا خليجيًا متصاعدًا للتصدي لأي محاولات اختراق أو تخريب.
من الناحية السياسية، يرى محللون أن إيران تسعى لتعزيز نفوذها الإقليمي عبر الذرائع الشعبية والدينية، بما في ذلك خطابها الداعم للقضية الفلسطينية. إلا أن الانتقادات الموجهة للنظام الإيراني تشير إلى أن هذه الشعارات غالبًا ما تُستخدم كوسيلة للتغلغل الاستراتيجي في مناطق أهل السنة، وليس بالضرورة لتحقيق أهداف مباشرة مثل مواجهة إسرائيل.
كما أثارت وثيقة مسربة في أغسطس 2023 من قبل مجموعة معارضة إيرانية تُسمّى “ثورة لإسقاط النظام” جدلاً، إذ كشفت عن ميزانية تجاوزت 50 مليار دولار أنفقتها إيران في سوريا خلال عشر سنوات، في حين لم تُسجّل أي عمليات عسكرية مباشرة لدعم الفلسطينيين.
تقييم المحللين للتهديد الإيراني
ويطرح الخبراء سؤالًا جوهريًا: هل تعمل إيران الآن علانية ضد دول الخليج من خلال هذه الخلايا النائمة، أم أنها ما تزال مقتنعة بقدرتها على التخريب والتأثير بشكل خفي داخل هذه الدول؟ الإجابة تميل إلى أن طهران تحاول استثمار أي ثغرة أو حالة ضعف محتملة، لكنها تواجه واقعًا صعبًا؛ إذ أن الدول الخليجية أظهرت قدرة فائقة على التصدي لأي محاولات تخريبية، ورفض الانجرار إلى مازق الاستنزاف الذي تحاول إيران فرضه.
ويكمن سر هذا النجاح في وعي القيادات الخليجية للتوجه الإيراني، فقد تمكنت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من كشف شبكات التجسس قبل تنفيذ مهامها، وتحليل البيانات، واسترجاع اعترافات المتورطين مع جمع الوثائق والأدلة الميدانية. هذا المستوى من التنسيق واليقظة يعكس قدرة الدول على حماية سيادتها وأمنها الداخلي، حتى في مواجهة محاولات استخباراتية متقدمة ومعقدة.
قدرة الأجهزة الأمنية الخليجية
وعند اكتشاف هذه الشبكات واعتقال أعضائها، تلجأ إيران عادةً إلى التهويل والتهديد والتهرب من مسؤوليتها، بينما تكشف وزارات الداخلية الخليجية عن الاعترافات والوثائق والدلائل التي تثبت وجود توجيهات خارجية. هذا التباين بين الدعاية الإيرانية والقدرة الواقعية للدول الخليجية يعكس قوة الأجهزة الأمنية وكفاءتها العالية، ويبرز الوعي السياسي الذي يمتلكه صناع القرار في المنطقة.
يمكن القول إن هذه الأحداث تمثل حربًا استخباراتية غير تقليدية تقوم بها إيران ضد دول الخليج، والهدف واضح: زعزعة الاستقرار الداخلي، ضرب الاقتصاد، استنزاف الموارد، واختبار القدرة الأمنية للدول العربية. لكن التجربة العملية تشير إلى أن هذه المحاولات تبوء بالفشل بفضل يقظة القيادات الأمنية، الكفاءة العالية لقوى الأمن والاستخبارات الداخلية، والوعي الشعبي والسياسي.
كما أن هذه العمليات تكشف عن استراتيجية إيرانية متعددة المستويات، تعتمد على إشراك شبكات داخلية في دول الخليج، استخدام النفوذ الطائفي والديني أحيانًا، والاستفادة من أي ثغرة أو نزاع داخلي محتمل. ورغم هذه المحاولات، فإن الدول الخليجية أظهرت قدرة على تحييد المخاطر قبل تفاقمها، وحماية بنيتها الاقتصادية والأمنية والسياسية.
في النهاية، يظهر أن المواجهة مع إيران اليوم ليست مجرد نزاع سياسي أو دبلوماسي، بل معركة مستمرة على مستوى الاستخبارات والأمن الداخلي. تحاول طهران استغلال أي فرصة للتأثير على الدول الخليجية، لكنها تجد نفسها أمام جدار من الكفاءة الأمنية واليقظة السياسية يمنع أي اختراق فعلي، ويؤكد قدرة هذه الدول على الحفاظ على استقرارها وسيادتها في وجه أي تهديد خارجي.



