“إحتلال العراق في السينما الهوليوودية الأميركية” بين صناعة السردية وتبرير الجريمة ! – محمد المشهداني

محمد المشهداني _ مناشير
لم يكن إحتلال العراق في العام 2003. مجرد حدث عسكري أو سياسي عابر في تأريخ الشرق الأوسط بل شكل لحظة مفصلية في تأريخ النظام الدولي المعاصر ومع أن الدبابات الأميركية دخلت العاصمة بغداد بقوة السلاح فإن هوليوود دخلت الوعي العالمي بقوة الصورة فمنذ الأيام الأولى للحرب في العراق وحتى السنوات اللاحقة تحولت السينما الأميركية إلى ساحة موازية للصراع ليس فقط من أجل رواية الأحداث بل من أجل إعادة تشكيل معناها وتوجيه تفسيرها حيث أن السينما في الولايات المتحدة الأميركية ليست مجرد صناعة ترفيهية ضخمة وإنما إحدى أهم أدوات إنتاج الوعي الجماعي الأميركي والعالمي ولهذا فإن دراسة صورة العراق في السينما الهوليوودية بعد الإحتلال تكشف الكثير عن طبيعة العلاقة بين الثقافة والقوة و بين الفن والسياسة وبين السردية الإمبراطورية والواقع التأريخي.
منذ بداية الحرب العالمية الثانية أرتبطت هوليوود بصورة وثيقة في المشروع الجيوسياسي الأميركي فإن السينما كانت دائما وسيلة فعالة لتقديم الولايات المتحدة الأميركية بوصفها حامية للحرية و الرأي و الديمقراطية ولتسويق تدخلاتها العسكرية بأعتبارها أستجابات أخلاقية لأزمات عالمية وبعد أحداث هجمات 11 من سبتمبر العام 2001. دخلت الولايات المتحدة الأميركية مرحلة سياسية جديدة قوامها ومعانيها الحرب على الإرهاب وفي هذا المناخ تشكلت البيئة الفكرية والإعلامية التي مهدت لغزو العراق ورغم أن أغلب الأفلام الكبرى عن العراق ظهرت بعد سنوات من الإحتلال الأميركي فإنها حملت آثار تلك المرحلة النفسية والسياسية و لقد وجدت هوليوود نفسها أمام معضلة معقدة وهي كيف يمكن تمثيل حرب بدأت بشعارات تحريرية و أنتهت إلى فوضى أمنية ودمار إجتماعي وأزمة شرعية سياسية داخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها؟.
وهنا من أبرز الملامح المشتركة في أفلام الإحتلال أن العراقي غالبا ما ظهر كشخصية هامشية داخل قصته الوطنية و أن المركز السردي ظل محتلا من قبل الجندي الأميركي و بينما تحول العراقي إلى خلفية درامية أو عنصر مساعد في تطور الشخصية الأميركية و في العديد من الأعمال السينمائية نجد أن العراق لا يقدم بأعتباره مجتمعا حيا يمتلك تأريخا وثقافة وهوية معقدة بل بأعتباره فضاء للفوضى والعنف والتهديد وهكذا يصبح المواطن العراقي إما ضحية تنتظر الإنقاذ أو مشتبها به أو مجرد رقم ضمن مشاهد الحرب و هذا التمثيل يعكس ما يسميه بعض الباحثين في مركزية النظرة الإمبراطورية حيث يتم تصوير الشعوب الواقعة تحت الإحتلال من خلال زاوية رؤية القوة المحتلة نفسها و الأمثال عديدة لأفلام هوليوود منها
فيلم The Hurt Locker _ خزانة الألم وهو وإعادة تعريف البطولة حيث يعد الفيلم من أحد أشهر الأعمال التي تناولت الحرب على العراق و حصل الفيلم على جوائز الأوسكار عديدة و و أعتبر لدى الكثير من النقاد عملا فنيا متقنا
و إلا أن التحليل السياسي للفيلم يكشف إشكالية عميقة فإن القصة تركز على فريق أميركي مختص في تفكيك المتفجرات بينما يتحول العراق إلى مسرح نفسي لأختبار شجاعة الجنود الأميركيين و لا يناقش الفيلم أسباب الحرب ولا مشروعيتها القانونية أو الأخلاقية بل يركز على التجربة الفردية للجندي الأميركي و بهذا المعنى ينتقل النقاش من السؤال هل كان الإحتلال مشروعا إلى السؤال كيف يشعر الجندي أثناء الحرب؟. وهنا تكمن إحدى أهم آليات السرد الهوليوودي الأميركية إذ يتم أستبدال القضية السياسية الكبرى في الدراما الإنسانية الفردية.
وفيلم Green Zone_ والإعتراف المحدود في الخداع في هذا فيلم ظهرت محاولة أكثر جرأة لمساءلة الرواية الرسمية الأميركية حول أسلحة الدمار الشامل و يعرض الفيلم ضابطا أميركيا يكتشف أن المعلومات التي أستندت إليها الإدارة الأميركية لتبرير الحرب كانت مضللة أو زائفة ويقترب العمل من الإعتراف بأن الغزو أستند إلى ذرائع غير صحيحة و لكن رغم ذلك يبقى النقد محصورا داخل الإطار الأميركي نفسه حيث أن المشكلة في الفيلم ليست الإحتلال بحد ذاته وإنما المعلومات الخاطئة التي سبقته أي أن السردية تنتقل من نقد الحرب إلى نقد آلية إتخاذ القرار دون تفكيك البنية الأعمق للمشروع الإمبراطوري.
وفيلم American Sniper _ وصناعة العدو. و يعتبر هذا الفيلم من أكثر الأفلام إثارة للجدل فيما يتعلق بصورة العراقيين طبعا يقدم الفيلم الجندي الأميركي بأعتباره بطلا وطنيا وليس محتلا يواجه أخطارا مستمرة بينما يظهر معظم العراقيين في صورة تهديد محتمل وتتحول البيئة العراقية إلى فضاء معاد في الكامل تقريبا و تكمن خطورة هذا النوع من الأفلام في أنه يعيد إنتاج الثنائية الكلاسيكية وهو المنقذ الأميركي مقابل الآخر العنيف وبهذا يصبح الإحتلال غائبا كفعل سياسي بينما تحضر فقط معركة البقاء الخاصة في الجندي الأميركي و إن مثل هذه الأعمال لا تبرر الحرب بصورة مباشرة و لكنها تجعل المتلقي يتعاطف مع أدواتها البشرية دون مساءلة أهدافها الإستراتيجية.
وهنا أزمة الضمير الأميركي في أفلام ما بعد الإحتلال و مع تزايد الخسائر البشرية وظهور فضائح مثل بدأت هوليوود تعكس حالة من الشك والتردد إتجاه الحرب حيث ظهرت أفلام تتناول الصدمات النفسية للجنود العائدين و أضطرابات ما بعد الحرب والأنهيارات الأخلاقية التي صاحبت العمليات العسكرية و لكن حتى هذه الأعمال غالبا ما أبقت تركيزها على معاناة الأميركيين أكثر من معاناة العراقيين.
و لقد أصبح السؤال المركزي كيف أثرت الحرب على أميركا؟. بينما ظل السؤال الآخر أقل حضورا ماذا فعلت الحرب في العراق؟.
وهنا تستعيد العديد من أفلام حرب العراق أنماطا قديمة من التمثيل الأستشراقي التي تحدث عنها المفكر الفلسطيني الأميركي فإن الشرق الأوسط يظهر غالبا بأعتباره فضاءً للعنف والفوضى والقبلية والتطرف و بينما يقدم الغرب بأعتباره مركز العقلانية والنظام وعلى الرغم من تطور الخطاب السينمائي مقارنة في أفلام العقود السابقة فإن الكثير من هذه الأنماط لا يزال حاضرا بصورة مباشرة أو ضمنية حيث إن هذه الصور لا تؤثر فقط في فهم الجمهور الأميركي للعراق بل تسهم أيضا في تشكيل الرأي العام العالمي إتجاه المنطقة بأسرها.
و السؤال هو ما لذي تخفيه الكاميرا؟. هذا أحد أهم الأسئلة الجوهرية في دراسة أفلام الإحتلال الأميركي و هو ماذا لا نرى؟
نادرا ما تتناول هوليوود الأميركية الحجم الحقيقي للخسائر المدنية العراقية أو تفكك مؤسسات الدولة أو آثار العقوبات السابقة للحرب أو صعود مسلسل الأنقسامات الطائفية المرتبطة في مرحلة ما بعد الإحتلال و كما أن ملايين العراقيين الذين عاشوا تجربة النزوح والفقدان والأنهيار الإجتماعي لا يحتلون الموقع نفسه الذي يحتله الجندي الأميركي في السرد السينمائي وهنا حيث تظهر قوة السينما لا فيما تعرضه فقط بل فيما تختار إخفاءه أو تهميشه.
و ليس من الدقة أعتبار كل الأفلام الأميركية عن العراق أعمالا دعائية مباشرة فبعض المخرجين والكتاب حاولوا فعلا تقديم رؤى نقدية للحرب وكشف تناقضاتها و لكن المشكلة تكمن في البنية العامة للصناعة السينمائية نفسها فحتى الأعمال الناقدة غالبا ما تبقى أسيرة المنظور الأميركي وتدور حولها الأسئلة التي تشغل المجتمع الأميركي أكثر مما تدور حولعا الأسئلة التي يطرحها العراقيون
و في التالي فإن النقد الهوليوودي للحرب كثيرا ما يتحول إلى مراجعة أخلاقية للسياسة الأميركية وليس إلى إعادة كتابة حقيقية لتجربة العراق تحت الإحتلال .
تكشف السينما الهوليوودية المتعلقة في إحتلال أو غزو العراق في العام 2003. عن صراع عميق بين الذاكرة والسلطة فمن جهة حاولت بعض الأفلام الأعتراف في أخطاء الحرب وتداعياتها ومن جهة أخرى أستمرت في إعادة إنتاج مركزية التجربة الأميركية وإقصاء الصوت العراقي وهنا لقد أصبح العراق في كثير من هذه الأعمال مرآة تعكس أزمات الولايات المتحدة الأميركية أكثر مما يعكس واقع العراقيين أنفسهم ولذلك فإن قراءة هذه الأفلام لا ينبغي أن تكون قراءة فنية فقط بل قراءة سياسية وثقافية تكشف كيف تصنع السرديات الكبرى وكيف تتحول الصورة إلى أداة قوة لا تقل تأثيرا عن الدبابة
وفي النهاية فإن المعركة حول إحتلال العراق لم تحسم في ساحات القتال وحدها بل إمتدت إلى شاشات السينما حيث تتنافس الروايات على تشكيل الذاكرة الجماعية للأجيال القادمة وتحديد من يملك حق رواية التأريخ ومن يدفع إلى هامشه.



