أوروبا تُسلّح نفسها بسبب عجزها عن القتال وروسيا في أزمة متزايدة – خالد العزي

د. خالد العزي – مناشير
في سياق تحولات جيوسياسية متسارعة، أصبحت أوروبا مضطرة لتسليح نفسها بعد عقود من الاعتماد على الحماية الأمريكية. ومع تصاعد التوترات في القارة واستمرار الضغوط الأمريكية، تواجه الدول الأوروبية خيارًا صعبًا: إما الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي في أراضيها بأي وسيلة، أو مواجهة أزمة داخلية تتعلق بالاستعداد العسكري، بما في ذلك احتمال عودة الخدمة العسكرية الإلزامية.
الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا: هل هو ضمان أم عبء؟
لطالما اعتُبرت القوات الأمريكية في أوروبا ضمانًا للأمن القاري، حيث وفرت الحماية للعديد من الدول الأوروبية من التهديدات الخارجية، سواء من الاتحاد السوفيتي السابق أو من القوى المعادية الأخرى. ولكن مع التقارير الأخيرة التي تشير إلى تقليص هذا الوجود، أصبح هناك قلق متزايد بين الحكومات الأوروبية. بينما استفادت هذه الحكومات لسنوات من الدعم العسكري الأمريكي، بدأ التهديد المحتمل للانسحاب الأمريكي يترك أوروبا أمام فراغ أمني كبير. وفي قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأخيرة، وافقت معظم الدول الأوروبية على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035 استجابة لضغوط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم أن هذا الهدف يبدو بعيد المنال وغير قابل للتحقيق بشكل فعلي.
الضغط الأمريكي وأزمة الدفاع الأوروبي
منذ فترة طويلة، أبدت الولايات المتحدة رغبتها في تقليص وجودها العسكري في أوروبا، وهو ما دفع الحكومات الأوروبية إلى البحث عن بدائل. هذا الانسحاب العسكري من القارة يُعد مصدر قلق كبير، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في المنطقة، وعلى رأسها التوترات مع روسيا. هذه التحولات تُضعف الهيكل الدفاعي الأوروبي، حيث أصبح من الضروري بالنسبة لهذه الدول أن تعيد التفكير في قدرتها على الدفاع عن نفسها. وبالتالي، تزداد الحاجة لزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وهو ما يشكل تحديًا اقتصاديًا وسياسيًا داخليًا.
العودة إلى التجنيد الإجباري: أزمة سياسية جديدة؟
إذا استمرت الولايات المتحدة في تقليص وجودها العسكري في أوروبا، فإن الخيار الأكثر واقعية سيكون العودة إلى الخدمة العسكرية الإلزامية في بعض الدول الأوروبية. ولكن هذه الخطوة تُعد أزمة سياسية حقيقية، حيث ترفض فئات واسعة من الشعب الأوروبي، خاصة من الشباب، العودة إلى التجنيد القسري. وفقًا لاستطلاعات الرأي، فإن أقل من 20% من الشباب الألمان مستعدون للخدمة العسكرية، مما يعكس ممانعة عميقة لهذا النموذج. وبالرغم من ذلك، قد تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة للقبول بهذا الخيار في حال واجهت ضغوطًا أمنية حاسمة، وهو ما سيجعل هذه القضية تتحول إلى مشكلة حقيقية على صعيد الاستقرار الداخلي في العديد من الدول.
المساومة الأوروبية: استرضاء ترامب أم المخاطرة بالاستقرار الداخلي؟
مع تزايد المطالب الأمريكية، تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة إلى إرضاء واشنطن من خلال استثمار مبالغ ضخمة في القطاع الدفاعي وزيادة الإنفاق على المعدات العسكرية. هذا التحرك يأتي في وقت حساس، حيث تسعى الحكومات إلى الحفاظ على التوازن بين الضغط الأمريكي واحتياجاتها الأمنية الداخلية. من جهة أخرى، يحاول القادة الأوروبيون تخفيف الأثر الداخلي لهذه الاستثمارات من خلال تحويلها إلى فرص اقتصادية، خاصة من خلال دعم المجمع الصناعي العسكري الأوروبي. لكن هذا الخيار لن يكون خاليًا من التحديات السياسية الداخلية، إذ ستواجه الحكومات ضغوطًا متزايدة من قطاعات واسعة من المجتمع بسبب تكاليف الدفاع وتعزيز القدرات العسكرية. في النهاية، يُنتظر أن تؤدي هذه الضغوط إلى أزمات اجتماعية، سيما في حال تمت العودة إلى التجنيد الإجباري.
العنجهية الروسية: هل وصلت إلى مرحلة الهوس بالقوة؟
في سياق الأزمات الجيوسياسية الراهنة، لا تزال روسيا ترى نفسها كقوة عظمى قادرة على مواجهة التحديات العالمية. لكن مع تصاعد الأزمة في أوكرانيا، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة روسيا على تحقيق أهدافها العسكرية، وهل أدت عنجهيتها وغطرستها إلى تقدير مبالغ فيه لقوتها؟
أوكرانيا: الحرب الطويلة والمحدودية العسكرية
إذا استعرضنا تجربة روسيا في أوكرانيا، نجد أنها لم تتمكن، رغم قوتها العسكرية الضخمة، من تحقيق انتصار حاسم. على الرغم من حملتها العسكرية الواسعة، فشلت روسيا في السيطرة على مناطق استراتيجية في شرق أوكرانيا، وخاصة في دونباس. هذا الصراع الممتد أظهر أنه حتى مع التفوق العسكري التقليدي، فإن الإرادة الشعبية والقدرة على المقاومة يمكن أن تحد من قدرة القوة العسكرية الكبرى على تحقيق أهدافها. إن فشل روسيا في إحكام السيطرة على الأراضي المتنازع عليها يعكس محدودية القوة العسكرية الروسية في مواجهة مقاومة منسقة، ويضع في موضع التساؤل قدرة روسيا على تحقيق أهدافها في نزاعات أكبر.
روسيا ومحاربة أوروبا والولايات المتحدة
فيما يتعلق بإمكانية مواجهة روسيا للقوى الغربية الكبرى مثل أوروبا وأمريكا، تزداد المخاوف من أن تكون موسكو قد بالغت في تقدير قدراتها العسكرية. إذا كانت روسيا قد فشلت في السيطرة على مناطق صغيرة في أوكرانيا، فكيف ستواجه تحديًا عسكريًا متعدد الجبهات مع حلفاء الناتو والدول الغربية؟ الحروب الحديثة لم تعد تتعلق بالقوة النارية فقط، بل أيضًا بالقدرة على إدارة التحالفات، استراتيجيات الصمود، والابتكار التكنولوجي. بينما تواصل روسيا استعراض قوتها العسكرية، فإن الأبعاد التقنية والحضارية للحروب الحديثة قد تجعل انتصارها في مواجهة الغرب أكثر صعوبة.
هل تحققت الغطرسة الروسية؟
من الواضح أن روسيا تسير في طريق خطير يهدد أمنها واستقرارها. العنجهية والغطرسة التي تظهرها موسكو قد تؤدي إلى تقيمات غير واقعية لقوتها العسكرية، ما يجعلها عرضة لخسائر فادحة إذا ما قررت التصعيد في مواجهة الغرب. قد يكون من الحكمة لروسيا أن تراجع سياستها العسكرية وتبحث في فرص أقل خطورة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية. في النهاية، فإن الاستمرار في تجاهل قدرات الدول الغربية قد يقود إلى هزائم أكبر وأعمق مما كان متوقعًا.
أوروبا وروسيا في مفترق طرق
بينما تسعى أوروبا لتعزيز قدراتها الدفاعية، فإن روسيا، من جهة أخرى، تجد نفسها في موقف معقد أمام التحديات العسكرية والاقتصادية. أوروبا، رغم تعويلها على الولايات المتحدة، تجد نفسها مضطرة للتسليح وزيادة الإنفاق العسكري، وهو ما قد يخلق أزمة داخلية في ظل رفض الشعوب الأوروبية للتجنيد الإلزامي. أما روسيا، فهي بحاجة إلى إعادة تقييم قوتها العسكرية والابتعاد عن تقديرات مبالغ فيها، خصوصًا في ظل فشلها في أوكرانيا.



