خبر عاجلسياسةمقالات

أنقذوا النبطية قبل أن نبكي على أطلالها – محمود قميحة     

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

أنقذوا النبطية قبل أن نبكي على أطلالها – محمود قميحة

 

* محمود قميحة

 

ثمة لحظات يصبح فيها الصمت تواطؤاً، والمزايدة جريمة، والانتظار نوعاً من التخلي عن الناس.

 

والنبطية اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات.

 

ليست المسألة مجرد مدينة تتعرض للقصف، ولا مجرد حلقة جديدة في الحرب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان. ما يتهدد النبطية اليوم هو مصير مدينة بكل ما تمثله في تاريخ جبل عامل وذاكرته وثقافته وحياته السياسية والاجتماعية؛ مدينة كانت، ولا تزال، واحدة من أهم حواضر الجنوب، وملتقى لناسه، وسوقاً لقراه، ومساحة للثقافة والشعر والفكر والحركة الوطنية والديمقراطية والمقاومة والتحرر.

 

بعد الخيام وبنت جبيل، وبعد عشرات البلدات والقرى التي أصابها الخراب والتهجير، وبعد التدمير المتواصل للعمران والحقول والطرق ومقومات الحياة، تزحف النار باتجاه النبطية.

 

ولهذا لم يعد جائزاً أن ننتظر حتى تصبح المدينة أطلالاً كي نبكي عليها.

 

إن ما تقوم به إسرائيل عدوان لا يحتاج إلى تبرير أو توصيف مخفف. فهي تمارس بالقوة العسكرية سياسة تدمير وتهجير وقضم للأرض، وتسعى إلى فرض وقائع ميدانية وسياسية جديدة تحت ذريعة الأمن أو مواجهة حزب الله أو الوجود الإيراني أو غيرها من الذرائع التي تتبدل، فيما يبقى الهدف ثابتاً: إخضاع لبنان، وتوسيع مجال السيطرة الإسرائيلية، وفرض شروطها عليه من موقع التفوق العسكري واختلال موازين القوى.

 

إن مواجهة العدوان لا تكون بإعادة إنتاج السياسات التي ساهمت في تعريض الجنوب لكل هذه المخاطر.

 

فمن حق اللبنانيين، ومن حق أبناء الجنوب تحديداً، أن يقولوا بوضوح إن الارتهان للسياسة الإيرانية، وتحويل لبنان إلى جزء من استراتيجيتها الإقليمية، وإقحام الجنوب في حروب لا يملك اللبنانيون قرارها، لم يكن يوماً حماية للجنوب ولا دفاعاً عن أهله. وإن استخدام تضحيات الناس مادة للمزايدات السياسية، فيما مدنهم وقراهم تُدمّر فوق رؤوسهم، لم يعد مقبولاً.

 

لا يكفي أن نقول إن إسرائيل معتدية، فهذا أمر ثابت لا يحتاج إلى برهان. المطلوب أيضاً أن نسأل: من يحمي الناس؟ من يحمي المدن والقرى؟ ومن يملك الحق في اتخاذ قرارات الحرب والسلم التي يدفع ثمنها جميع اللبنانيين؟

 

إن مقاومة الاحتلال لا تعني منح أي حزب، مهما كان تاريخه أو حجم قوته، حق تقرير مصير وطن بأسره. كما أن رفض العدوان الإسرائيلي لا يعني التسليم بتحويل لبنان إلى ورقة في مفاوضات الآخرين أو ساحة لتصفية حساباتهم.

 

هذه ليست دعوة للاستسلام، وليست تنصلاً من حق لبنان في مقاومة الاحتلال والدفاع عن أرضه. إنها، على العكس، دعوة لإنقاذ ما تبقى من الجنوب، ولإعادة تعريف المقاومة من موقع المصلحة الوطنية اللبنانية: مقاومة تحمي الشعب والأرض والدولة، لا مقاومة تجعل الشعب والأرض والدولة رهائن لاستراتيجيات إقليمية لا يملكون قرارها.

 

لقد دفع الجنوب أثماناً تفوق قدرة أي مجتمع على الاحتمال.

 

دفع ثمن الاحتلال الإسرائيلي، ودفع ثمن إهمال الدولة التاريخي، ودفع ثمن الحروب المتعاقبة، ودفع ثمن تحويله إلى خط تماس مفتوح في صراعات المنطقة.

 

أما اليوم، فالمطلوب أن يتوقف دفع الأثمان نيابة عن الآخرين.

 

النبطية ليست خندقاً عسكرياً.

 

النبطية مدينة.

 

فيها أطفال يريدون الذهاب إلى مدارسهم، وعائلات تريد البقاء في بيوتها، وتجار يريدون فتح محالهم، ومزارعون يريدون العودة إلى أرضهم، وشيوخ يريدون أن يمضوا ما تبقى من أعمارهم في القرى التي ولدوا فيها.

 

وفيها ذاكرة أجيال كاملة من أبناء جبل عامل؛ من الشعر والثقافة والفكر والحركة الوطنية والنضالات الاجتماعية والسياسية. فيها تاريخ لا يجوز أن نتركه عرضة للمحو، لأن البعض لا يزال يتعامل مع الجنوب بوصفه ساحة أكثر مما يتعامل معه بوصفه مجتمعاً من البشر.

 

إن إنقاذ النبطية اليوم مسؤولية وطنية.

 

مسؤولية الدولة أولاً، رئيساً وحكومة ومؤسسات، لكي تتصرف باعتبار أن حماية الأرض والناس ليست بنداً بين بنود السياسة، بل مهمتها الأولى وسبب وجودها.

 

ومسؤولية الجيش اللبناني الذي يجب أن يكون المرجعية الوطنية الوحيدة في حماية الأرض والسيادة، مدعوماً بقرار سياسي واضح وبإجماع وطني حقيقي.

 

ومسؤولية المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة والدول الراعية للمفاوضات، التي لا تستطيع أن تتحدث عن وقف للنار فيما تُدمّر المدن والقرى ويُقتل المدنيون وتُفرض الوقائع العسكرية بالقوة.

 

لكنها أيضاً ودون مواربة مسؤولية حزب الله.

 

مسؤوليته أن يرى حجم الكارثة التي أصابت بيئته قبل غيرها، وأن يدرك أن حماية هذه البيئة لا تكون بمزيد من ربط مصيرها بحسابات إيران ومفاوضاتها وصراعاتها. وأن شجاعة المراجعة اليوم أكثر وطنية من المكابرة، وأن إنقاذ الناس أهم من الحفاظ على أي سردية سياسية أو عسكرية فقدت شروطها القديمة.

 

لا نريد أن نختلف غداً حول من كان أكثر بطولة فوق ركام النبطية.

 

ولا نريد أن يتحول أهل الجنوب إلى مادة جديدة في قصائد الرثاء والذاكرة الوطنية.

 

لقد امتلأت ذاكرتنا بما يكفي من المدن المدمرة والقرى المهجرة والشهداء والمنكوبين.

 

ما نحتاجه اليوم ليس قصيدة أخرى عن الخراب، بل موقف وطني يمنعه.

 

ومن موقعنا اليساري الديمقراطي، الذي كان الجنوب بالنسبة إليه دائماً أرضاً للتحرر الوطني والتحرر الاجتماعي معاً، نقول إن الدفاع عن الجنوب لا ينفصل عن الدفاع عن حق أهله في الحياة، ولا عن بناء الدولة، ولا عن تحرير القرار الوطني من كل أشكال التبعية، أكانت لإسرائيل ومشروعها العدواني أم للمحاور الإقليمية ومصالحها.

 

إن القضية اليوم أكبر من الحسابات الحزبية والطائفية.

 

إنها قضية وطن مهدد بأن يخسر جزءاً آخر من نفسه.

 

ولهذا نقول، قبل أن يصبح النداء متأخراً:

 

أوقفوا الحرب على الجنوب.

 

أخرجوا لبنان من حروب المحاور.

 

ضعوا الدولة والجيش والمصلحة الوطنية فوق كل سلاح وكل ارتهان.

 

أنقذوا النبطية وأهلها، وأنقذوا ما تبقى من قرى الجنوب ومدنه، مدخلاً لتحرير المناطق المحتلة والمدمرة، قبل أن يصبح الكلام كله رثاءً، وقبل أن لا يبقى لنا سوى البكاء على الأطلال.

 

النبطية اليوم لا تحتاج إلى من يرثيها غداً.

 

تحتاج إلى من ينقذها اليوم.

 

النبطية 8 ايلول 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى