أبعاد التهديدات الإسرائيلية لاستهداف معبر المصنع..

د. خالد العزي – مناشير
منذ شهرين، وجهت إسرائيل ضربة جوية إلى منطقة حمارة، التي تبعد نحو خمسة كيلومترات عن المصنع اللبناني. في نفس الوقت، استهدفت إسرائيل نقطة في توماة نيحا وقرية أنان في جزين، وصولًا إلى المدينة الصناعية في شمال صيدا، بالقرب من بلدة الغازية. كان من الواضح أن إسرائيل كانت ترسم حدود المنطقة العازلة التي تسعى لتأسيسها لحماية أمن مستعمراتها. منذ تلك الأيام، كانت إسرائيل تسعى لضم البقاع الغربي إلى نطاق عملياتها العسكرية، وتضعه ضمن إطار القرار 1701.
مع بداية تغيير طبيعة العملية العسكرية، بدأت إسرائيل بتنفيذ عمليات إخلاء ميداني من بعض المناطق في البقاع الغربي، خاصة القرى القريبة من الجنوب في القطاع الشرقي، بالإضافة إلى استهداف الجسور والمرافق الحيوية. ثم جاءت المناورة العسكرية من “رجال الألب” في جبل الشيخ، لتشكل تحولًا استراتيجيًا واضحًا في سياق الحملة العسكرية. هذا التغيير في الاستراتيجية جعل التهديدات والانذار بتوجيه ضربة عسكرية تجاه المصنع في الخامس من نيسان أمرًا واضحًا، مما يعكس تحوُّلًا في معالم استراتيجيات إسرائيل في المنطقة.
التحذير من المصنع: أبعاد استراتيجية معقدة
تحمل التحذيرات من المصنع العديد من الأبعاد الاستراتيجية، خاصة في ظل إصرار إسرائيل على تهجير قرى وبلدات من البقاع الغربي، وسعيها الميداني للتقدم باتجاه هذه القرى من القطاع الشرقي في الجنوب. الهدف الإسرائيلي واضح: فصل البقاع عن الجنوب وقطع طرق الإمداد، وهو ما يفتح الطريق أمام المرحلة المقبلة التي قد تشهد تقدمًا إسرائيليًا عبر جبل الشيخ داخل الأراضي السورية نحو زحلة أو مناطق أخرى. هذا التحرك يهدف إلى الاقتراب من الحدود اللبنانية وتحقيق فصل كامل بين لبنان وسوريا، وكذلك بين الجنوب والبقاع.
في ذات الوقت، تسعى إسرائيل إلى محاصرة وتطويق حزب الله في مناطق حيوية مثل جبل الريحان وإقليم التفاح، بالإضافة إلى استمرار عمليتها العسكرية البرية في الجنوب. الهدف الإسرائيلي هو السيطرة على مجرى نهر الليطاني، مما يسمح لها بتطويق الحزب في شماله وجنوبه، خصوصًا في الخط الممتد من جبل الريحان إلى الجبل الرفيع فإقليم التفاح وصولاً إلى الساحل. في هذا السياق، يمكن فهم إخلاء بلدة كفرحتى كجزء من هذه الاستراتيجية العسكرية.
إذا قررت إسرائيل التقدم من سوريا نحو البقاع الغربي، فمن المرجح أن تنفذ عمليات إنزال في جبل الريحان للسيطرة على التلال المرتفعة التي تطل على إقليم التفاح. في الوقت نفسه، سيشدد الضغط البحري الإسرائيلي على شواطئ صيدا لتطويق الجنوب بالكامل. إلى جانب ذلك، ستستمر عمليات الرصد الجوي بشكل مكثف لضمان السيطرة النارية المستمرة على المنطقة.
أهداف تهديد معبر المصنع
التهديد الإسرائيلي باستهداف المصنع يحمل في طياته هدفين أساسيين. الهدف الأول يتمثل في ضرب أو فصل منطقة البقاع عن باقي المناطق اللبنانية. ويعتبر هذا الأمر جزءًا من الخطة الإسرائيلية في الحرب الحالية. وقد كانت هذه الخطوات من بين التحذيرات التي تم إبداؤها منذ بداية الحرب، وبالأخص بعد حرب العام الماضي التي استمرت 66 يومًا. في تلك الفترة، كان هناك تحذيرات بأن إسرائيل تسعى لإعادة تفعيل مشروعها الأمني في لبنان، وتحديدًا في إطار الصراع المستمر في المنطقة.
أما الهدف الثاني للتهديد، فهو ممارسة ضغط سياسي وأمني واقتصادي كبير على لبنان. فاستهداف معبر المصنع، في حال حدوثه، لن يؤثر فقط على عزل المناطق اللبنانية عن بعضها البعض، بل قد يؤدي إلى عزل لبنان بشكل كامل عن محيطه. في هذا السياق، تعد سوريا اليوم المنفذ البري الوحيد للبنان، وبالتالي فإن ضرب المعبر سيؤدي إلى فرض حصار بري على البلاد، ما سيشكل ضغطًا إضافيًا على الدولة اللبنانية ويرفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية للحرب.
الدور السوري والاتصالات الدبلوماسية
في هذا الإطار، جرت اتصالات دبلوماسية لمحاولة تأجيل الضربة من قبل الحكومة اللبنانية، حيث تم التواصل مع الرئيس السوري، مصر، تركيا، وفرنسا. إلا أن الدور السوري كان حاسمًا، حيث قدم الرئيس السوري احمد الشرع تطمينات تفيد بعدم وجود أنفاق أو ممرات لتهريب الأسلحة في المنطقة، مؤكدًا أن المعبر يخضع لسيطرة الجانب السوري. هذه المساعي، وتجاوب واشنطن معها، يعكس مستوى الثقة الأميركية بالجانب السوري، في مقابل غياب الثقة بالدولة اللبنانية. وبدت الإدارة الأميركية متجاوبة مع الاتصالات اللبنانية فقط بعد تدخل الجانب السوري.
الاحتمالات المستقبلية: تصعيد أم تهدئة؟
ومع ذلك، لا يعني تجميد الضربة أنها قد سقطت نهائيًا، إذ تظل احتمالات التصعيد قائمة، خاصة وأن السيطرة على الحدود الممتدة من المصنع إلى الجنوب تبقى جزءًا من الرؤية الأمنية الإسرائيلية.
من هنا دخلت المنطقة في حرب الاستهداف الإسرائيلي، ما سيؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية في لبنان. البلاد تشهد أصلاً موجة نزوح واسعة تجاوزت المليون شخص من الضاحية الجنوبية ومنطقة جنوب الليطاني، بالإضافة إلى بعض قرى شمال الليطاني ومناطق البقاع الغربي. وإذا استُهدف المصنع، قد يؤدي ذلك إلى موجة نزوح أكبر، ما سيضع ضغوطًا إضافية على قدرة الدولة الاستيعابية والمجتمع اللبناني بشكل عام، في ظل التدهور الاقتصادي الحاد وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
من جانب آخر، بدأت الحرب الإقليمية، لا سيما التوترات في الخليج، تؤثر أيضًا على تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج، وهي تعد من أبرز مصادر دعم الاقتصاد اللبناني. في هذا السياق، يشير التهديد باستهداف معبر المصنع إلى خطورة المرحلة التي يمر بها لبنان، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والاقتصادية في مشهد إقليمي شديد التعقيد. فلبنان اليوم يقف على حافة مرحلة قد تكون أكثر قسوة، في ظل استمرار الحرب وزيادة احتمالات توسعها. وبين الانقسام الداخلي والتجاذبات الإقليمية، دفع ذلك الرئيس نواف سلام إلى التوجه بجولة عربية عاجلة للمطالبة بالدعم الدبلوماسي والوقوف أمام مخاطر التهديدات الإسرائيلية لاستباحة أمن لبنان وسيادته، في ظل سيطرة الحرس الثوري على مقاليد القرار. في هذا السياق، تبدو البلاد في أمسّ الحاجة إلى موقف وطني موحد يعيد الاعتبار لدور الدولة ومؤسساتها، ويضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، لأن حماية الاستقرار الداخلي تبقى الشرط الأساس لمنع تفاقم الأزمات والانزلاق نحو المجهول.



