مصر ورسائل الأوكتاجون – راشد الشاشاني

د . راشد الشاشاني
لم يكن توقيت افتتاح مركز قيادة الدولة الإستراتيجي ” الأوكتاجون ” في مصر منفصلاً عن رسالةٍ بات محتّما على الدولة إرسالها للعالم، مفادها : أنّ القرار المصري لا يسير خلف تكتّلات إقليميّة أو دوليّة أو مصلحيّة معيّنة ، فرضتها طريقة تعامل الآخرين مع مصالحهم ، هذا الوضع الجديد الذي حاولت إسرائيل تسويقه على أنّه خطر جديد بدأ بالتولّد ؛ يقوم على إزاحة خطر الإسلام السياسي الشيعي بتسلّلٍ لمصلحة بروز إسلام سياسي سنّي تتزعّمه تركيا .
برغم علاقات التعاون المصري التركي ؛ بالذات العسكري والمناورات الأخيرة التي تلت علاقات قلقة بين الدولتين ، تخشى فيها مصر من تسلّلٍ إخوانيّ يمكن له ارباك الداخل
تقوم العلاقة الجديدة مع تركيا وغيرها على استيعاب قوى يمكن لها أن تشكّل دعماً لاتجاهات داخليّة مناهضة ؛ عوضاً عن الصدام معها ؛ من جهة ، وبطريقة تمنح مصر إطلالة أكثر وضوحاً على منابع القلق ؛ تتيحها لها قوّتها العسكريّة والإستراتيجيّة ، من جهة أخرى .
خطوة مصر هذه تسعى لإجهاض تسلّل ما ، في إطار قدرة الإسلام السياسي السنّي ؛ الذي لا يختلف عن ذلك الشيعي في التسلّل ؛ عبر أذرع يدفع بها إلى الواجهة ؛ في ذات الوقت الذي يتراجع فيه ، وهو يحمل مسبحة الحكمة والتعقل ، علينا أن نضع نُصب أعيننا : أن الفرع السنّي أكثر قدرة على فعل ذلك ؛ لاعتباراتٍ داخليّة تحتويها القاعدة الشعبيّة ، وأخرى إقليميّة تُساندها دول ذات مصلحة في إقلاق واشنطن وأوروبا ” بغية الابتزاز ” من خلال تلويح بين الحين والآخر بتهديد إسرائيل .ح
مصر ؛ الخبيرة في التعامل مع هؤلاء ، سيّما استعمالهم الكيانات أو حتّى الدول في تمرير صفقات مع الغرب والولايات المتحدة في بازارات التضحيات ، ودعايات النضال ؛ فضّلت التعامل من قرب مع حواجز كهذه ، تكشف من خلالها قدرتها على التحرّك ؛ بما يُعفيها من جهلٍ ؛ تُحتّمه عمليّة تحريم ” التطبيع ” يمنع إدراك تفاصيل ما يُحاك في السرّ .
بالرغم من المصلحة المصريّة في حشد الحلفاء ؛ بجانب صفوف مواجهتها أخطاراً إسرائيليّة أمريكيّة من جهة ، لكنّها لم تغفل عن صدّ محاولة أي حليف ابتلاع قدرتها على ضرب داخل يحاول التسلّل ، بعد الاستفراد بحركات الدولة المصريّة من جهة ثانية .
عين الرقيب المصري على قمّة الناتو ؛ التي حرص أردوغان فيها على إظهار نفسه قادراً على تغيير مواقف لا تتغيّر ؛ حين جمع ترمب مع ” شركائه في النفور ” ومنْح دور سوري في لبنان ؛ في دفء طيف دولي ، لا يحبّذه أحد حتى السوريون ذاتهم . واقتران هذا بافتتاح تركيا مقر البنتاجون التركي الجديد في مناسبة اجتماع الناتو . ومساعي استفراد تركيا في بناء الجيش السوري : تدريب ، امداد بمسيّرات ، وأنظمة دفاع … الخ ، لم يكن رائقاً لمصر ان تلعب دور التابع لمجموعة ترأسها تركيا ، يبدو ان احتضان مصر للمحادثات مع حركة حماس كان واحدة من محطات سحب البساط من تحت أقدام تركيا التي تتعامل حماس وغيرها في دول المنطقة بطريقة تماثل تعامل ايران مع اذرعها ، غير انها تزيد خطورة من حيث الإحتضان الشعبي لهذه الحركات .
أمام مشهد كهذا ؛ فإن الحديث عن محور سنّي في المنطقة ، بغض النظر عن مكوّناته وأهدافه لن يكون حاضراً بجدارة ، لن يتعدّى محاولات إسرائيليّة تستفيد منها في تسويق دعاية ما ، أو مجرّد تعاونات بين دول المنطقة ، في سبيل تحاشي الصدام مع إيران ؛ التي لم تعد ترى فيها مصر وغيرها من الدول خصماً أكثر خبثا من غيره . لن يغيّر من هذا الحال مجرد تعاونات عسكريّة هنا أو هناك .



