خبر عاجلمقالات

مبدأ الحكومة: استكمال لمسيرة 14 آذار – غصوب جراح

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

مبدأ الحكومة: استكمال لمسيرة 14 آذار – غصوب جراح

كتب غصوب جراح في مناشير

مرّ واحد وعشرون عاماً على انطلاقة ثورة الأرز التي أعقبت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. لحظة تاريخية لا تزال حاضرة في الوعي اللبناني، حين خرج مئات آلاف المواطنين في انتفاضة 14 آذار 2005 إلى ساحة الشهداء رافعين شعار الدولة السيّدة الحرّة المستقلة، ومطالبين بقيام دولة تحتكر السلاح والقرار السيادي.
لم تكن تلك اللحظة مجرد تظاهرة سياسية عابرة، بل كانت ولادة مسار وطني جديد خرج من رحم شعار لبنان أولاً؛ الشعار الذي ارتبط بالرئيس رفيق الحريري، والذي حمل رؤية دولة حديثة تقوم على المؤسسات والاقتصاد والانفتاح، وتستند إلى مبدأ واضح: لا قوة فوق قوة الدولة، ولا قرار فوق قرارها.
تحوّل هذا الشعار مع الوقت إلى مشروع سياسي تبنّته قوى تحالف 14 آذار، التي رأت في السيادة الوطنية المدخل الأساسي لبناء دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل أراضيها.
لكن هذه المسيرة لم تكن سهلة؛ فقد دفع أنصار هذا المشروع أثماناً باهظة من الاغتيالات السياسية والتهديدات وتعطيل الحكومات والأزمات المتلاحقة. ومع ذلك بقيت الفكرة الأساسية حاضرة: قيام دولة قوية تحتكر السلاح الشرعي وتعيد الاعتبار للمؤسسات الدستورية.

الرؤية والوجهة السياسية

استمر هذا النهج لاحقاً مع سعد الحريري الذي حاول الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب انزلاق لبنان إلى صدامات داخلية. ويكفي التذكير بما حدث عام 2011 عندما كان الحريري في البيت الأبيض بصفته رئيساً للحكومة اللبنانية، لتسقط حكومته خلال وجوده هناك، في مشهد عكس حجم المواجهة التي كانت تواجه هذا الفريق آنذاك.
وقد شكّلت تلك المرحلة مثالاً على سياسة التسويات التي اتبعها هذا النهج السياسي بهدف حماية الاستقرار الوطني ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة داخلية مفتوحة في ظل واقع سياسي شديد التعقيد.

استيقاظ الدولة

بعد سنوات طويلة من الانقسام السياسي الذي أعقب عام 2005 بين قوى 14 آذار وتحالف 8 آذار، يبدو أن المشهد السياسي اللبناني يشهد تحولاً لافتاً. فللمرة الأولى منذ ذلك الانقسام، يقترب عدد واسع من القوى السياسية من موقف واحد يتمثل في دعم مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية.
ويظهر هذا التحول بشكل أكثر وضوحاً مع موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يُعدّ أحد الأقطاب الأساسية في الحياة السياسية اللبنانية والحليف الأبرز لـ حزب الله. ففي 2 آذار 2026، ومع إعلان الحكومة اللبنانية قرار حظر الأنشطة العسكرية لحزب الله والتأكيد على تسليم السلاح إلى الدولة، جاء موقف بري بوقوفه خلف قرار الحكومة ليعطي المشهد السياسي بعداً أكثر وضوحاً.
وفي ظل الحرب والظروف الدقيقة التي يمر بها لبنان، شكّل هذا التقاطع بين قوى سياسية متباينة دلالة على ظاهرة سياسية غير مسبوقة في الحياة السياسية اللبنانية، حيث تتلاقى أطراف متعددة حول مبدأ واحد: تثبيت سلطة الدولة كمرجعية وحيدة للقوة والسلاح. وفي هذا الواقع الجديد، يجد حزب الله نفسه أمام مشهد سياسي مختلف تتقدم فيه فكرة الدولة على منطق السلاح.

المبدأ القانوني

من الناحية القانونية، يعود الأساس الدولي لمبدأ حصر السلاح بيد الدولة إلى قرار مجلس الأمن 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، والذي دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.
وقد شكّل هذا القرار مرجعية قانونية للمشروع السيادي الذي تبنّته قوى 14 آذار، إذ رأت فيه الأساس الدولي لفكرة الدولة القادرة على احتكار السلاح وفرض سيادتها الكاملة.
وفي هذا السياق، اتخذ مجلس الوزراء اللبناني برئاسة نواف سلام في 5 آب 2025 قراراً استراتيجياً يقضي بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتكليف الجيش إعداد خطة تطبيقية لتنفيذ هذا المبدأ، بما يشمل معالجة ملف سلاح حزب الله ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وبذلك يظهر أن القرار الحكومي لا يأتي كخطوة منفصلة عن السياق التاريخي، بل كامتداد لمسار سياسي وقانوني بدأ مع المطالبة بسيادة الدولة وتطبيق القرارات الدولية، وهو المسار الذي انطلق مع 14 آذار ولا يزال يشكّل أحد العناوين الأساسية في النقاش السياسي اللبناني اليوم.
في خلاصة الكلام، يظهر اليوم المشهد السياسي اللبناني انتصاراً لثورة الأرز، حيث بدأت المطالب التي انطلقت منها تتحقق تدريجياً. فبعد سنوات طويلة من الانقسام والصراع السياسي، تتقاطع مواقف قوى لبنانية متعددة حول مبدأ واحد: قيام دولة تحتكر القرار والسلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى