هل تفك الصين ارتباطها بالدولار وتطلق عملتها الرقمية؟

أسامة القادري / مناشير
لا شك أن العولمة ما توقفت عند حدود معينة، ولم تهزم كما يظن البعض، بل تسارعت واتسعت دائرتها مع ارتفاع نسبة التدفقات النقدية، وكانت اساساً لقيام اقتصادات صناعية في دول نامية. فأمست ظاهرة متلازمة مع التطور بكافة أشكاله ومجالاته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واستطاعت الصين أن تواكب العولمة وتنخرط في الاقتصاد العالمي، لم تفعل كما فعل “الاتحاد السوفياتي سابقاً حين وقف محارباً دون ان يطور البديل، ودون تسلحه بمقومات اقتصادية، بل ذهبت الصين للانكفاء على ذاتها حتى طوّرت نفسها باقتصاد متحرر الى ناتج قوي وشامل أدى الى التحوّل والاندماج المالي الذي وصل الى التحرير والانفتاح وبالتالي خلق ارتباط وثيق بين أسواق الصين المحلية والأسواق العالمية من خلال الحاجة اليها.
لذا لا بد من التوقف أمام ما يروجه البعض،
في الإعلام الأوروبي والأميركي ووسائل التواصل الاجتماعي عن أن الصين تسعى لنهاية هيمنة الدولار الأمريكي، لا يأتي هذا الترويج من فراغ، لأن هذا الانفتاح الاقتصادي والنمو بطبيعة الحال يأخذ بالصين لأن تفك ارتباط عملتها واقتصادها عن الدولار ولكن بطريقة عملانية تدريجية وليس بطريقة متسرعة او اعلامية فقط، لأن يحق لها من خلال قوتها النقدية والإقتصادية لأن تطلق عملة رقمية مدعومة من البنك المركزي الصيني، وهذا بطبيعة الحال يعّدّ تهديداً للدولار الأميركي، خصوصاً بحال استخدمت الصين عملتها الرقمية لتسوية المعاملات التجارية ضمن استراتيجية لتسويق لعملتها.
فمن الواضح أن اليوان الصيني بات من العملات التي تمتلك مصادر قوة تجعله نظرياً قادراً على منافسة الدولار، كذلك يمكن لعوامل مثل حجم الاقتصاد الصيني وتوقعات النمو المستقبلية واندماج الصين أكثر في الاقتصاد العالمي أن تجعل من اليوان ذي طابع دولي أكثر من أي يوم مضى، هذه العوامل من الطبيعي أنها تساهم في انتشار العملة الرقمية الصينية وتوسع دائرة ملعبها، علماً أن هذه الخطوة تتطلّب مشروعاً سياسياً – اقتصادياً، وليست أمراً تقنياً كما يظن البعض.
وبهذا الخصوص علق رئيس مركز الشرق الاوسط للدراسات و التنمية وائل خليل ياسين، ان الصين تتخذ العديد من التدابير لتقوية اقتصادها وتعزيز الثقة فى عملتها، وهى الإجراءات التى جعلت صندوق النقد الدولى يُضيف اليوان الصينى إلى سلة العملات “SDR” اعتبارًا من أكتوبر 2016، وهو ما علق عليه “سيدارث تيوارى” مدير إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة بصندوق النقد الدولى فى ذلك الوقت قائلاً: “إن إدراج اليوان علامة مهمة على مسار اندماج الاقتصاد الصينى فى النظام المالى العالمى”. وبعد اعتماد اليوان الصينى ضمن سلة العملات، بدأت الصين فى عقد اتفاقات مع العديد من الدول يتم بموجبها تحصيل رسوم الصادرات بالعملة الصينية، أى أن الصين بالفعل بدأت فى تحصيل رسم من بعض الدول الأخرى باليوان، وهى خطوة ذكية تقوي من وضع عملتها المحلية وتستبدل الدولار بالتدريج وعلى المدى الطويل، وبالتالى من غير المتصور أن تكون الصين بالغباء، الذى يجعلها تفك ربط عملتها بالدولار فجأة بالشكل الصادم الذى تذكره العديد من وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، والذى لو حدث بهذا الشكل قد يتسبب بهزة اقتصادية للعالم كله وليس للصين أو الولايات المتحدة فحسب. من هنا نقول ليس المقصود فك الارتباط او ضرب هيمنة الدولار واستعمال اليوان وسيلة للضغط او الهيمنة بل الهدف هو تطوير طرق الدفع والتعاملات الاقتصادية المحلية و الدولية، واردف ياسين أن الدول الثماني الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، بما فيها الصين وروسيا والهند، اتخذوا قراراً باعتماد العملات المحلية والوطنية في التبادل التجاري والاستثمار الثنائي وإصدار سندات، بدلاً عن الدولار الأميركي، ما ينهي عقوداً طويلة من الهيمنة الأميركية على العالم في التجارة والذهب والتعاملات النفطية و لكن بشكل تدريجي.
ياسين : الصين ليست بالغباء، الذى يجعلها تفك ربط عملتها بالدولار فجأة.. والذى لو حدث بهذا الشكل قد يتسبب بهزة اقتصادية للعالم كله وليس للصين أو الولايات المتحدة
لا يخفي ياسين ان القرار يتوقع أن يثير حفيظة الولايات المتحدة، والتي تعاني من مواجهة شرسة مع فيروس كورونا و دخلت حالياً في مشاكل داخلية نتيجة التصرفات العنصرية التي تقوم بها الشرطة الاميركية تجاه الاميركيين السود المتحدرين من اصول افريقية، في وقت يواجه اقتصادها تداعيات كورونا، والتي أرهقت أسواق المال الأميركية وشلّت قطاع الأعمال والمصانع.
وعن امكانية استخدام الصين اليوان الرقمي في مواجهتها الاقتصادية الشرسة مع الولايات المتحدة، قال ياسين، تعمل الصين على بحث إصدار نسخة رقمية لعملتها “اليوان” منذ عام 2014، وتقرب من تحقيق ذلك ولا اعتقد ان اليوان الرقمي سيكون أداة في اي مواجهة اقتصادية بل بالعكس ستسهل العمل وتزيد من امكانية التشارك على المستوى الدولي.
وختم ياسين، الصين أصبحت بالفعل “دولة من دون عملة ورقية” اذ ان استخدام أدوات الدفع عبر الإنترنت يعد أكثر شيوعا للصينيين من الدفع بالعملة النقدية الآن، خاصة للجيل الشاب.
وتجري أعمال البحث والتطوير بشأن العملة الرقمية الصينية بشكل مطرد في الوقت الحالي، ويتم إجراء الاختبارات التجريبية لها بشكل مغلق في مدن سوتشو وتشنغدو وشنتشن ومنطقة شيونغآن الجديدة ومناطق أخرى تتعلق بدورة الألعاب الأولمبية الشتوية التي ستستضيفها البلاد في عام 2022، وذلك من أجل تحسين وظائفها باستمرار.
سيما أن العملة الرقمية تعد خطوة مهمة للبنك المركزي الصيني الذي يعتبر أول مؤسسة نقدية رئيسية في العالم تصدر العملة الرقمية. وشدد المسؤول على أن الاختبارات لا تؤثر في السوق المالية والاقتصاد.
كما وعلق البنك المركزي الصيني على صورة التقاط الشاشة التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي الصيني، والتي تظهر تطبيقا هاتفيا طوره البنك الزراعي الصيني، وهو أحد البنوك العملاقة الأربعة المملوكة للدولة في الصين. وقال إن هذه الصورة “للعملة الرقمية” هي من محتويات الاختبارات في عملية البحث والتطوير التكنولوجي، ولا يعني أن العملة الرقمية الصينية قد تم إصدارها رسميا .
ما هي العملة الرقمية؟
عندما ذكرنا العملة الرقمية، يربطها الناس دائما بعملة “البيتكوين” أو “Libra” التي اقترحتها شركة فيسبوك، ولكن العملة الرقمية الصينية التي سيصدرها البنك المركزي ليست مثل العملات الرقمية الأخرى.
تختلف العملة الرقمية الصينية عن عملة “البيتكوين” التي تستخدم سلسلة الكتل لتأكيد الصفقات وتسجيلها. لقد حصلت العملة الرقمية الصينية على الدعم من الحكومة الصينية، ما يجعل العملة الرقمية الصينية عكس اللامركزية. باختصار، فإن العملة الرقمية الصينية ستكون “نسخة إلكترونية” للعملة الورقية الحالية.
فوائد الرنمينبي الرقمي!
تتميز العملة الرقمية الصينية بالتكاليف المنخفضة وعملية المعاملات الأكثر ملاءمة. ولا تربط النسخة الصينية من العملة الرقمية بأي حساب مصرفي وتتخلص من تحكم نظام الحساب المصرفي التقليدي. وبدعم تقنية DC/EP خارج الخط، يمكن تحقيق التحويل بين الحسابات والدفع في حالة إشارة شبكة الإنترنت الضعيفة أو تعطيل منصة الدفع الإلكتروني.
و بحسب الإعلان الصادر من البنك المركزي الصيني، تم إكمال 223.38 مليون صفقة عبر الإنترنت في عام 2019 ويبلغ إجمالي قيمتها 2607 تريليون يوان (367.4 تريليون دولار أمريكي) في الصين. كان من بين هذه الصفقات ما يقرب من نصف المدفوعات عبر الهاتف المحمول بقيمة 347.11 تريليون يوان، بزيادة 67.57% و25.13% على أساس سنوي على التوالي. وتم إجراء حوالي 50% من هذه الصفقات في تطبيقات مثل “علي باي” و”ويشات”.
وقال يي قانغ، محافظ البنك المركزي الصيني إن هذه الخطة للعملة الرقمية الصينية ليست اختراع عملة جديدة، بل تهدف إلى تحول العملات الصينية الحالية التي يتم تداولها في الصين أو العملات الورقية إلى عملات رقمية جزئيا. وأكد البنك المركزي الصيني أن العملة الجديدة لن تحل محل العرض النقدي والتوازن القائم.
وفي هذا الصدذ أيضاً البنك المركزي الصيني أفصح أنه مستقبلاً سيتم استبدال العملة المتداولة بشكل متساو بـ”النسخة الرقمية” لتجنب انخفاض قيمة العملة النقدية وارتفاع التضخم.



