سياسةمقالات

لماذا لا تتعلم ميليشيات قسد وأمثالها من التنظيمات الانفصالية مما حدث للأرمن؟

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

لماذا لا تتعلم ميليشيات قسد وأمثالها من التنظيمات الانفصالية مما حدث للأرمن؟

د. خالد العزي _ مناشير

في إطار التشكيك بالسرديات الكبرى التي غالبًا ما تروي التاريخ وفقًا لرؤية واحدة تفرض نفسها على الجميع، دعا فيلسوف البنيوية الفرنسي جاك دريدا إلى التفكير في التعددية والتنوع الثقافي والاجتماعي بشكل أعمق. وكان يدعو إلى فهم أعمق للأنماط الاجتماعية والديناميكيات الثقافية، مما يعكس رفضًا للسرديات الكبرى التي تروجها القوى العظمى. نفس السياق يدعمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو في كتابه “تاريخ الجنسانية”، حيث يعترض على السرديات الكبرى للحداثة، مشددًا على أهمية التعددية والسياق التاريخي، مما يساهم في فهم وتشكيل الفكر ما بعد الحداثي.
وفي هذا السياق، إذا نظرنا إلى التجربة الأرمنية، نجد أنها مثالًا على النتائج المدمرة التي يمكن أن تنجم عن الإيمان بالسردية القومية والانفصالية. فما حدث للأرمن يجب أن يكون درسًا للمجموعات الانفصالية في المنطقة مثل “قسد” وأمثالها من التنظيمات الانفصالية. فكما فشل الأرمن في تحقيق حلمهم بـ “أرمينيا الكبرى”، فإن مصير تلك التنظيمات الانفصالية سيكون مشابهًا.
دروس التاريخ: الأرمن وميليشيات قسد
كان الأرمن يعيشون في أمن واستقرار مع المسلمين (أتراك وأكراد) طيلة 6 قرون، حيث نالوا خلالها العديد من المكاسب والامتيازات في ظل الخلافة العثمانية. لكن في نهاية المطاف، دخلت الفكرة الغربية المسماة “القومية” إلى المجتمع الأرمني، فاختار العديد من المتطرفين، ورجال الكنيسة، تبني الفكر القومي الانفصالي، والتعاون مع القوى الغربية ضد الخلافة العثمانية بهدف إقامة “أرمينيا الكبرى” تحت الهيمنة الروسية.
دعمت روسيا هذه الحركات الانفصالية منذ أواخر القرن التاسع عشر، من خلال تقديم الأموال والعتاد، فضلاً عن دعم الإعلام والجواسيس عبر الكنيسة الأرمنية. وكان الهدف من ذلك زعزعة استقرار الخلافة العثمانية وتحقيق مصالح روسيا في المنطقة.
ومع مرور الزمن، قاد هذا التعاون إلى ارتكاب جرائم مروّعة ضد المسلمين من الأتراك والكرد والعرب، مما أسفر عن مقتل نحو 518,105 مسلم. ولكن الوضع لم يتوقف هنا، فقد قامت الميليشيات الأرمنية بالاعتداء على الأرمن أنفسهم، في محاولات منهم لإلصاق التهم بالمسلمين. في النهاية، أدى هذا إلى تهجير غالبية الأرمن إلى جنوب الأناضول وبلاد الشام. ورغم كل هذه التضحيات، فشلت التنظيمات الانفصالية الأرمنية في تحقيق أهدافها.
ما الذي قدّمته روسيا
على الرغم من الدعم الذي قدمته روسيا للأرمن، لم يكن ذلك سوى وسيلة لاستغلالهم. بعد أن دعموا الاحتلال الروسي للأناضول، خذلتهم روسيا في النهاية، تاركة إياهم لمصيرهم. في نهاية الحرب العالمية الأولى، وضع الأرمن أنفسهم في خدمة أمريكا، حيث تعهدت الأخيرة بدعمهم بعد وعود بأن يتم منحهم دويلة أرمنية تحت الانتداب الأمريكي. ومع مرور الوقت، تخلى الغرب عنهم مجددًا، حيث تخلت أمريكا وبريطانيا عنهم عندما اجتمعت القوى الوطنية التركية مع السوفييت، مما أدى إلى تدمير “أرمينيا الكبرى” في الحرب التركية الأرمنية 1920.
أرمينيا اليوم
بعد أكثر من 100 عام، يعاني الأرمن من واقع مؤلم. يعيشون في دويلة صغيرة بالكاد تُرى على الخريطة تُسمى “أرمينيا”، محاطة بأربع دول، منها تركيا التي تعتبرها عدواً، بينما هاجر معظم الأرمن بسبب الفقر. في حرب ناغورنو كاراباخ الثالثة عام 2023، تخلّت روسيا عنهم مجددًا، وانتهت كاراباخ في يوم واحد. وقد أدرك رئيس الحكومة الأرمني، “باشنيان”، فشل هذه السياسة بعد قرن من الزمن، محاولًا فتح صفحة جديدة مع تركيا.
الدرس المستفاد
الشعب الأرمني ظلم بسبب ميليشيا متعصبة وحزب وضع أمله ودافع عن شعبه وراء دولة دفعتهم للذهاب إلى أبعد الحدود حتى حدث ما حدث من مجازر. التاريخ يعلّمنا أن أولئك الذين لا يتعلمون من دروس الماضي محكوم عليهم بتكرار نفس الأخطاء. فكما كانت القوى الغربية قد خذلت الأرمن، فإن مصير “قسد” ومن يماثلها سيكون هو ذاته، في حال اختاروا أن يكونوا أدوات في يد القوى الكبرى. وبالنظر إلى القضايا القومية والانفصالية في الشرق الأوسط، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، حيث يتجاهل هؤلاء التنظيمات حقيقة أن القوى الكبرى لن تحترم مصالحهم، بل ستتخلى عنهم في لحظة الحسم.
إذن، إن تجربة الأرمن، وفشلهم في تحقيق مشروعهم القومي، يجب أن تكون درسًا حيويًا لكل الحركات الانفصالية في الشرق الأوسط. فعندما يضعون مصيرهم في أيدي القوى الكبرى، يجدون أنفسهم في النهاية ضحايا للمصالح الاستراتيجية لتلك القوى. التاريخ لا يرحم، وهو يشير دائمًا إلى أن من يفشل في التعلم من دروسه محكوم عليه بتكرار نفس الأخطاء. إذا لم تتعلم ميليشيات قسد وأمثالها من هذا الدرس التاريخي، فإن مصيرهم سيكون مشابهًا لمصير الأرمن: خذلان من القوى التي راهنوا عليها، وأحلامهم القومية التي تتحطم على صخور الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى