خبر عاجلسياسة

لبنان ومهام الإنقاذ من الخطر الوجودي – زكي طه

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

لبنان ومهام الإنقاذ من الخطر الوجودي – زكي طه


كتب زكـي طـه بيروت الحرية

دخل لبنان اليوم واحدة من أخطر اللحظات في تاريخه الحديث. فالحرب الإسرائيلية المتصاعدة على البلاد، في سياق الحرب الإقليمية الدائرة حول إيران، لا تهدد فقط بموجة جديدة من القتل والتدمير والتهجير، بل تضع لبنان واللبنانيين أمام خطر وجودي، يتمثل بالجمع ما بين السيطرة العسكرية الاسرائيلية الجوية والامنية، وخطر وقوع المناطق الجنوبية منه تحت الاحتلال الاسرائيلي المباشر على نحو يطال مستقبل الكيان والدولة والمجتمع معاً.

وما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة عن سابقاتها، هو اجتماع ثلاثة عوامل خطيرة في آن واحد: حرب إقليمية واسعة، دولة لبنانية ضعيفة أو شبه معطلة، وانقسام داخلي عميق يهدد السلم الأهلي.

فلبنان يواجه الحرب اليوم وهو في أضعف حالاته منذ عقود: اقتصاد منهار، مؤسسات دستورية مشلولة، طبقة سياسية فاقدة للثقة الشعبية ومشغولة بحساباتها الفئوية، ومجتمع يعيش تحت وطأة واحدة من أعنف الأزمات الاجتماعية والمالية في تاريخه. وفي مثل هذا الوضع، تصبح أي حرب خارجية خطراً مضاعفاً، لأنها تصيب بلداً يفتقر أصلاً إلى مقومات الصمود.

العدوان والذرائع

إن إدانة العدوان الإسرائيلي على لبنان ليست مسألة خلافية بالنسبة إلى أي وطني لبناني. فإسرائيل التي قامت على الاحتلال والقوة العسكرية لم تتوقف يوماً عن استهداف لبنان وسيادته واستقراره. وقد شهد اللبنانيون، على امتداد العقود الماضية، سلسلة من الاعتداءات والحروب التي ألحقت بالبلاد خسائر بشرية ومادية فادحة.

وإسرائيل لا تحتاج في الواقع إلى ذرائع كي تمارس عدوانها. فهي تنطلق من عقيدة اسرائيل الكبرى التي تقوم على فرض التفوق العسكري الدائم وإبقاء البلدان المحيطة بها في حالة ضعف وعدم استقرار. والحرب الحالية ليست سوى حلقة جديدة في هذا المسار. والاعتراف بهذه الحقيقة لا يلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية عنها وهي: أن لبنان يجد نفسه مرة أخرى في قلب هذه المواجهة نتيجة تداخل معقد بين الصراع الإقليمي وخيارات القوى المحلية.

لقد اتخذ حزب الله قرار الانخراط في الحرب الدائرة في المنطقة انطلاقاً من موقع مساندة النظام الإيراني، في إطار المواجهة المفتوحة بينه وبين الولايات المتحدة وإسرائيل. وهذا القرار، بصرف النظر عن تبريرات الحزب، يضع لبنان مرة أخرى في موقع الساحة التابعة لصراعات ومصالح الآخرين.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بالموقف من إيران أو من إسرائيل، بل بمسألة أعمق تتصل بواقع حال الدولة اللبنانية نفسها. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم ليست دولة مكتملة السيادة، والمجتمع الذي يُزج به في الحروب من دون أن يكون له رأي في قرارها، هو مجتمع يعيش حالة اختلال خطيرة في نظامه السياسي.

لم يُستَشر اللبنانيون في هذا القرار، ولم يمنحوا أحداً تفويضاً بأن يقرر مصيرهم في حرب إقليمية مفتوحة النتائج. ومع ذلك، يجدون أنفسهم اليوم يدفعون ثمن هذه الحرب، تماماً كما دفعوا أثمان حروب سابقة لم تكن الدولة اللبنانية صاحبة القرار فيها.

أزمة الدولة الطائفية

غير أن المشكلة لا يمكن اختزالها في قرار الحرب وحده. فالأزمة أعمق من ذلك بكثير، وهي ترتبط بطبيعة النظام السياسي الذي يحكم لبنان منذ نشأته.

لقد أثبت النظام الطائفي، مرة بعد مرة، عجزه عن بناء دولة فعلية. فبدلاً من قيام دولة حديثة تقوم على المواطنة والمؤسسات، نشأ في لبنان نظام تقاسم طائفي للسلطة، تحولت فيه الدولة إلى ساحة تنافس بين الزعامات الطائفية.

تتقاسم هذه القوى السلطة والنفوذ باسم الطوائف، بينما تخوض في ما بينها صراعات المحاصصة تحت شعارات الدفاع عن حقوق الطوائف. وفي ظل هذا النظام، تآكلت مؤسسات الدولة وصودرت صلاحياتها، وأصبح القرار الوطني رهينة التوازنات الفئوية والتحالفات الخارجية. وعليه كان من الطبيعي أن يبقى قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية، وأن تتحول البلاد إلى ساحة مفتوحة لتداخل الصراعات الإقليمية والدولية.

والنقاش حول هذه المسائل لا يمكن أن يتحول إلى خطاب تخوين متبادل بين اللبنانيين. لأن الذين يعيشون اليوم تحت القصف والتهجير وفقدان الأمان في الجنوب والبقاع والضاحية وسائر المناطق ليسوا مسؤولين عن القرارات التي أوصلت البلاد إلى هذه اللحظة. هذا عدا أن شريحة واسعة من اللبنانيين، وخصوصاً داخل البيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها حزب الله، دفعت خلال عقود طويلة أثماناً باهظة من الدماء والدمار في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. وهذه التضحيات لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. واحترام هذه التضحيات لا يعني القبول بأن يبقى لبنان رهينة حروب لا يملك قرارها. فالمصلحة الوطنية اللبنانية بما فيهم تلك البيئة، تقتضي قبل أي شيء آخر حماية المجتمع اللبناني نفسه من الانزلاق إلى حروب مفتوحة لا يعرف أحد حدودها أو نتائجها.

وإذا كان خطر الحرب الإسرائيلية واضحاً ومباشراً، فإن الخطر الآخر الذي يهدد لبنان هو خطر الانفجار الداخلي. فالانقسام الأهلي العميق، الذي تراكم عبر عقود من الصراعات الطائفية والسياسية، ما زال قائماً تحت سطح الحياة السياسية. ومع تصاعد الحرب وتفاقم الأزمات الاجتماعية، يمكن لأي شرارة أن تعيد فتح جروح الماضي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن يتحول الخطر الخارجي إلى مدخل لحرب داخلية جديدة. فلبنان الذي دفع ثمناً هائلاً في الحرب الأهلية لا يحتمل تكرار تلك التجربة المدمرة. وحماية السلم الأهلي ليست مجرد شعار أخلاقي، بل هي شرط بقاء لبنان نفسه. فسقوط هذا السلم الآن يعني عملياً انهيار ما تبقى من الدولة والمجتمع.

وتزداد خطورة الوضع عندما ندرك أن لبنان لم يعد في جدول أولويات القوى الدولية المنخرطة في الصراع الإقليمي. فالحرب الدائرة تتركز أساساً حول إيران وتوازنات الشرق الأوسط، فيما يُنظر إلى لبنان في كثير من الأحيان بوصفه ساحة ثانوية في هذا الصراع. وهذا يعني أن اللبنانيين هم الآن مرة أخرى وحيدين في مواجهة مضاعفات ونتائج حرب لم يقرروها، وفي مواجهة انهيارات داخلية متراكمة لا يبدو أن أحداً في الخارج مستعد لإنقاذهم منها. والرهان الدائم على الخارج لإنقاذ لبنان قد أثبت فشله مراراً، لأنه لا يتدخل إلا عندما تتقاطع مصالحه مع أوضاع لبنان، لكنه لا يتحمل مسؤولية إنقاذه من أزماته البنيوية.

الطريق الصعب ولحظة الحقيقة

إن مواجهة المخاطر التي تهدد لبنان اليوم تتطلب أولاً الاعتراف بحجم الأزمة والخطر، والتخلي عن الأوهام التي رافقت الحياة السياسية اللبنانية طويلاً. فلبنان الآن ساحة مفتوحة لصراعات المحاور الإقليمية والدولية، و نظامه السياسي القائم على المحاصصة الطائفية يقود البلاد إلى مزيد من الانهيار.

ولذلك فإن المدخل الحقيقي للانقاذ والخروج من المأزق يمر عبر إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها: دولة تحتكر حق حمل السلاح واستعماله وقرار الحرب والسلم، ودولة تقوم على المواطنة لا على الانتماءات الطائفية، ودولة قادرة على حماية مجتمعها بدل أن تتركه رهينة الصراعات.

وهذا التحول لن يتحقق بين ليلة وضحاها. فهو يتطلب مساراً سياسياً ومجتمعياً طويلاً وشاقاً يشارك فيه اللبنانيون أنفسهم، عبر بناء اصطفاف وطني ديمقراطي واسع يرفض الحرب والطائفية والتبعية للخارج في آن واحد.

وبلدنا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما الاستمرار في السياسات نفسها التي حولته إلى ساحة للحروب والانهيارات، وإما الشروع في إعادة بناء مشروع وطني جديد يعيد الاعتبار للدولة وللمصلحة الوطنية.

إن إنقاذ لبنان لا يبدأ من الخارج، بل من إدراك اللبنانيين أنفسهم أن مصيرهم واحد، وأن الدولة التي تحمي الجميع هي وحدها الضمانة الوحيدة لهم. وفي زمن الحروب والانقسامات، قد تبدو هذه الحقيقة بديهية أكثر من أي وقت مضى: لا مستقبل للبنان من دون دولة، ولا دولة من دون سيادة، ولا سيادة من دون إرادة وطنية جامعة تضع مصلحة اللبنانيين فوق مصالح الطوائف والمحاور

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى