في ذكرى اغتيال جورج حاوي “كأنك كنت كل الرجال”.. – كمال اللقيس

كتب كمال اللقيس / مناشير
جورج حاوي..
في 21 حزيران 2005 هوى عقل بحجم الرقي.
في 21 حزيران 2005، تكوّرت الشمس خانت القصيدة قافيتها، وذبُل القمر.
في 21 حزيران 2005 ، مشى الوطن والماء والشجر .
ملأ الحياة وشغل الناس، طوال نصف قرن.
ناضل حاور حاجج، اقدم احجم اخطأ اصاب، انتقد
وانتُقِد.
…ولأنه كان مسكونًا بهاجس التناغم مع الواقع، ومع
مواكبةحركته المتسارعة، كان خلّاقًا في انتاج المبادرات، ذات الافق الوطني الجامع.
…ولأنه نبض عشقًا للوطن والحرية، جمع في حراكه، لحظتَي التحرير والاستقلال الثاني، اللذين لمّا يُنجَزا حتى تاريخه.
عمل من اجل وطن حر وشعب سعيد، من اجل لبنان عربي ديمقراطي علماني، وكانت فلسطين منه بمنزلة القلب من الجسد.
دأب للإرتقاء بالسياسة، من مستوى المساكنة بين الطوائف، الى مستوى المواطنة بين اللبنانيين.
اطلق ورفيق دربه محسن ابراهيم، مقاومة(جمُّول) عابرة للطوائف والمناطق، كانت عصية على الكسر والتدجين، وعلى جعلها صندوق بريد، او ورقة ضغط وابتزاز سياسي، لدى طائفة او حزب او نظام قريب او بعيد.
رفع شعارَي المقاومة العسكرية للمحتل الصهيوني، والتغيير الديمقراطي في الداخل. هذه المقاومة كادت ان تشكل النواة الجنينية، للحراك الشعبي العربي، لو لم يجهضها، نظاما البعث اﻻسدي والمِلّي الايراني، ويمذهباها لصالح حزب الله، فغدت رأس حربة في مشروع ما فوق وطني، عسكرت المجتمع، وبالتالي باتت رهينة سلاح يُوظَّف، في معادلة اقليمية تخدم مشروع ايران التوسعي.
ايقن بأن اجهزة اﻻستخبارات، تزرع الموت وحسب، وهي بالتالي، ﻻ تؤسِّس لعلاقة اخوية ندية.
جاهر بإنتمائه الى عروبة، منفتحة ومنفلتة من اسار اﻻستبداد واﻻستتباع والفوقية.
آمن بحق لبنان في امتلاك قراره المستقل، فبذل حياته في مسلسل دموي، رسمه النظام اﻻسدي، وطالت اولى حلقاته كمال جنبلاط، ثم استهدفت رموز اليسار الشيوعي الكبار، وعاد ليفتك ببعض رجالات اﻻستقلال الثاني الى لقمان سليم، الذين صدر قرار اغتيالهم في غرفة عمليات مشتركة ايرانية/سورية، وتولى حزب الله التنفيذ.
سخَّر جورج جهده ووقته، واستنفذ كل طاقته وديناميته، لإعلاء كلمة اليسار وشأنه.
لم يخترِ الحياة ﻻنها معطاة له، والمُعطى ﻻ اختيار فيه. امّا الموت فهو اﻻختيار الحقيقي، اختاره جورج في الوقت المناسب، قبل ان يُفرَض عليه في الوقت غير المناسب، على فراش العجز او المرض. الموت هو المكان الوحيد الباقي للحرية والحقيقة، الموت مكان استطاع ابو انيس الذهاب اليه، عندما تمرد على مكان الحياة البائسة، الموت حرية في سبيل الحرية.
كان يكرِّر :” لا مستقبل لمشاريع عقائدية نقيضة للبنان المتنوع والمتعدد، مهما بلغ زهوها وجبروتها، وترسانتها العسكرية واحتكارها لتمثيل طوائفها”.
انتعل القلب قبل حذائه، ورحل الى حيث سعى منذ
ثلاثة عقود.
في حراكه الذي كان لا يكل او يمل، اسّس لصلة عشق ابدي بين الموج والثلج،
بين جرح عاملة ووجع عرسال.
كان لسان حاله يلهج:
“اذا كان الموت ضريبة “انسنة” الحياة فمرحى به مرحى”.
…وفي معرض دفاعه عن القاتل مصطفى بدر الدين، الذي اتهمته المحكمة الدولية، بالضلوع في اغتيال الرئيس الحريري، ومن ثم في اغتيال جورج حاوي، تحدث نصراللات عن تاريخ بدر الدين المقاوم، وعن مظلوميته.
لا يا حسن
فالمظلومية الفعلية تكون، بأن يغتال مقاوم افتراضي، مقاومًا حقيقيًا، اعظم منه شأنًا، واعلى منه مرتبة، واسبق عهدًا بالمقاومة.
لم يتحملوا سداد رأيه، ورصانة عقله، ودينامية حراكه، فشطبوه من معادلة لبنان اولًا، ولأنه لم يُغرِّد وحيدًا خارج سربهم، انضمت اليه ثلة من الشهداء، علمتهم الحقيقة ان يكرهوها، فما استطاعوا.
رفيقي اﻻعز واﻻرقى
لن تزيد بلاغة المديح الى رصيدك شيئًا، فحراكك اختصر كلّ المديح.
لن يحجب حزب الله الكِسروي، ونظام البعث البراميلي، شمس الحرية طويلًا، فجدل الصراع يقول هذا، والتاريخ ايضًا.
رفيقي
ان انصفك، معناه ان انشد مع ابي فراس:
“سيذكرني قومي اذا جدّ جِدهم وفي الليلة الظلماء يُفتقَد البدر”
معلّمي
كأنك كنت كل الرجال.
ستبقى نبض صباحاتنا ما دام نبض.



