فضيحة ترخيص “ستارلينك” في لبنان: امتياز مقنّع وبيع للسيادة الرقمية

خاص مناشير
في ظل الانهيار المستمر الذي يعيشه لبنان على المستويات كافة، تبرز من جديد قضية تهز الرأي العام وتضع علامات استفهام كبرى حول ممارسات السلطة في إدارة مرافق الدولة. هذه المرة، الفضيحة تتعلق بترخيص حصري منحته وزارة الاتصالات لشركة “ستارلينك” الأميركية لتقديم خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، في خطوة يعتبرها ناشطون وخبراء قانونيون وسياسيون انتهاكًا صارخًا للدستور والقوانين النافذة، وتفريطًا بالسيادة الرقمية للبنان.
مخالفة دستورية واضحة
بحسب المادة 89 من الدستور اللبناني، “لا يجوز منح أي التزام أو امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد أو مصلحة ذات منفعة عامة أو أي احتكار إلا بموجب قانون وإلى زمن محدود.” هذا يعني أن أي ترخيص أو عقد يُمنح لمرفق عام استراتيجي مثل الإنترنت، يجب أن يمر عبر مجلس النواب حصراً.
لكن، وبحسب ما كشفه الناشط الحقوقي والسياسي واصف الحركة، فإن ما قام به وزير الاتصالات شارل حج هو “عقد امتياز مقنّع” جرى تمريره بقرار وزاري، دون الرجوع إلى السلطة التشريعية، ما يجعل القرار باطلًا دستوريًا ومفتقدًا لأي سند قانوني.
إقصاء للمنافسة وتجاوز لقانون الشراء العام
لا تقتصر المخالفة على الجانب الدستوري، بل تمتد إلى القوانين التنظيمية. فقانون الشراء العام رقم 244/2021 يفرض اعتماد آلية المناقصات وفتح باب المنافسة بين الشركات، بإشراف هيئة الشراء العام، لضمان الشفافية واختيار العرض الأفضل للدولة والمستهلك.
إلا أن الوزير لجأ إلى التعاقد الرضائي المباشر مع شركة واحدة فقط – هي “ستارلينك” – دون طرح أي مناقصة عامة، ما يعني تجاوزًا صريحًا للقانون وإقصاءً لأي منافسة عادلة، ويثير شبهة الانحياز لشركة محددة بطريقة غير قانونية.
اغتصاب لصلاحيات الهيئة الناظمة
قانون الاتصالات رقم 431/2002، ينص على أن الجهة المخوّلة بمنح التراخيص في قطاع الاتصالات هي “الهيئة الناظمة للاتصالات”، وهي هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية. ورغم أن هذه الهيئة لم تُعيّن حتى اليوم، فإن ذلك لا يمنح الوزير صلاحية التصرف مكانها. بل على العكس، يفرض الأمر انتظار تشكيلها أو العودة إلى مجلس النواب.
في هذا السياق، يصف ناشطون ما حصل بأنه تعدٍ على صلاحيات مؤسسات مستقلة، وتكريس لمنطق “الوزير – الحاكم بأمره”، خارج أي رقابة أو مساءلة.
تهديد مباشر للسيادة الرقمية
بعيدًا عن الجوانب القانونية، تُطرح تساؤلات وجودية حول أمن اللبنانيين الرقمي ومصير بياناتهم. فالاتفاق مع “ستارلينك” يعني عمليًا أن بيانات المستخدمين اللبنانيين ستكون في عهدة شركة أجنبية، خارج الحدود، ودون أي ضمانات قانونية أو أمنية لحمايتها.
وفي غياب أي خطة موازية لحماية المرافق الوطنية (مثل أوجيرو وشبكات الخليوي)، يصبح الاتفاق بمثابة ضرب متعمّد للقطاع العام لصالح طرف خارجي، ما يثير المخاوف من تحويل لبنان إلى ساحة رقمية مفتوحة، فاقدة للسيادة.
تحضير طعن أمام مجلس شورى الدولة
ردًا على هذه التطورات، أعلن واصف الحركة ومعه عدد من القانونيين عن تحضير طعن أمام مجلس شورى الدولة، انطلاقًا من كون القرار “معدوم الوجود قانونًا”، لمخالفته الدستور وقوانين الشراء العام والاتصالات، ولانتهاكه المبادئ العامة في القانون الإداري، وعلى رأسها الشفافية، المساواة، والعلنية.
ويهدف الطعن إلى إبطال القرار ووقف تنفيذه فورًا، منعًا لمزيد من الأضرار على المرفق العام والقطاع الوطني، وصونًا لما تبقى من منطق الدولة.
فضيحة في زمن اللا دولة
ما حصل في ملف “ستارلينك” يتعدى مجرد قرار إداري خاطئ. نحن أمام مشهد متكامل من التجاوزات والارتكابات القانونية والسياسية والإدارية، يكرّس الانهيار المؤسسي ويضرب ما تبقى من هيبة الدولة.
في بلد تتآكل فيه مؤسسات الرقابة، ويُترك فيه القطاع العام للنزف والإهمال، تصبح السيادة – حتى الرقمية منها – مجرد بند قابل للبيع في صفقات “تحت الطاولة”.
وما لم يُبادر القضاء، والمجتمع المدني، والسلطة التشريعية إلى التحرك، فإن فضيحة “ستارلينك” ستكون مجرد عنوان جديد في سجل طويل من التنازلات التي تُمنح باسم التطوير، وتُدفع ثمنها سيادة البلد وحقوق مواطنيه.



