خبر عاجلسياسة

عقيدة نتنياهو السداسية: السيطرة على دمشق وحرب شاملة على المحور السنّي

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

عقيدة نتنياهو السداسية: السيطرة على دمشق وحرب شاملة على المحور السنّي

 

جميل الحسيني

دخلت منطقة “الشرق الأوسط” منعطفاً جيوسياسياً لعلّه الأكثر خطورة منذ عقود خلت، حيث تؤذن التطوّرات المتسارعة عسكرياً وسياسياً، منذ السابع من اكتوبر ٢٠٢٣، بإعادة صياغة كاملة لخرائط النفوذ وتوازنات القوى.

وبعد أن كانت الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية تتبنّى مفهوم “ضرب المحور الشيعي” الذي تقوده إيران، طرأ تحوّل جذري على العقل الأمني الإسرائيلي نتيجة تغيّر المعادلات السياسية وتقاطع المصالح الاقتصادية الكبرى؛ وخلص إلى اتجاه يرصد إرهاصات صعود “محور سنّي” وازن يضم كلاً من تركيا وقطر وباكستان وربما مصر، يشكّل خطراً استراتيجياً داهماً على “إسرائيل”، فضلاً عن التغيّرات الجذرية في سوريا التي قادت إلى صعود سلطة جديدة في دمشق برئاسة أحمد الشرع، ومدعومة بشكل مباشر وقوي من قبل أنقرة والدوحة؛ وبات صنّاع القرار في “إسرائيل” يرون أن الكيان بات أمام حقيقة أمنية مغايرة عما سبق، ولكن بقي الثابت لديهم أن العدو وفق التصنيف الاسرائيلي ما يزال شاخصاً على الأرض السورية، ويجهد لإعادة بناء جيشه على أسس نظامية ويتمتّع بحماية ومظلة عسكرية ودبلوماسية من قوى إقليمية كبرى، على رأسها قطر ذات التأثير الاقليمي المتنامي وتركيا العضو في حلف الناتو الساعية إلى موقع إقليمي ودولي فاعل، وباكستان التي تتحرّك على خط المعالجات الكبرى وتمتلك قدرات نووية رادعة.

 

هذا الترابط الاستراتيجي تعتبره “إسرائيل” طوقاً ضاغطاً يهدّد ميزة التفوق العسكري لديها ويقيّد حركتها المطلقة في المنطقة. وقد عبّرت تصريحات أكثر من مسؤول إسرائيلي عن هذا الاتجاه بوضوح صريح، وجاء أبرزها على لسان وزير الشتات في حكومة العدو “عميحاي شيكلي” الذي ترجم هذا القلق علناً ملوحاً بخيار المواجهة الشاملة، حيث قال إن “الحرب مع سوريا حتمية عاجلاً أم آجلاً.. الجبهة السورية والتركية باتت تشكل مسألة مقلقة لإسرائيل أكثر بكثير من إيران في الوقت الحالي.”

ترافق ذلك مع مواقف حادة لوزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين الذي هاجم الحلف التركي – القطري، مشدداً على أن “تل أبيب لن تعتبر نفسها ملزمة بأي اتفاقيات دولية أو إقليمية لا تضمن بشكل مطلق أمن حدودها الشمالية، وأن الجيش الإسرائيلي مستعد للتحرك ميدانياً لفرض وقائع أمنية جديدة”.

 

يتزامن الجموح الإسرائيلي في الاتجاه لشن حرب على المحور السنّي مع سياق دولي وإقليمي آخذ بالتعقيد يوماً بعد يوم، خصوصاً مع تحرك القوى الإقليمية لإعادة تموضعها في المنطقة واندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران ولبنان ودخول الدول الخليجية على خط الأزمة المتفجّر عسكرياً وسياسياً.

أدّت هذه التطوّرات إلى إثارة الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة، وفتحت الباب على مصراعيه لولادة استراتيجية إسرائيلية تقوم على فكرة “المواجهة المزدوجة” لكل من المحورين السنّي والشيعي في آن واحد، ولكن بأدوات وأهداف مختلفة. وفي هذا السياق يؤكد وزير حرب العدو “يسرائيل كاتس” أن “السياسة الأمنية لإسرائيل صارمة ولن تخضع للمساومة أو خطط التهدئة الهشة.. إننا نواجه جبهتين أيديولوجيتين تتقاسمان ذات الهدف وهو تدمير إسرائيل: محور الشر الشيعي بقيادة إيران الذي نقوم بتقويض أذرعه، ومحور الشر السني الذي تقوده جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها الإقليمية وحركات الإسلام السياسي.. لن نسمح لأي من هذين المحورين بالتموضع على حدودنا أو قيادة المنطقة نحو الفوضى.”

 

وبناءً على ذلك تسعى آلة الحرب الإسرائيلية المدعومة أمريكياً إلى ضرب حزب الله في لبنان وتقويض القدرات العسكرية لإيران، وتتحضّر للتحرّك بشكل استباقي في سوريا لمنع المحور السنّي من أن يمتلك أي فرصة للتشكّل أو التأثير على مشاريع الهيمنة الامريكية – الإسرائيلية في المنطقة.

ويتركّز القلق الإسرائيلي في أن أنقرة وحلفاءها يسعون لتحويل سوريا إلى قاعدة ارتكاز جيوسياسية تتبنى عقيدة مناهضة لإسرائيل، وتتحصّن بمظلة دولية قادرة على لجم التوسّع والاندفاعة العسكرية لتل أبيب، وتفيد القراءة الإسرائيلية لهذا المحور جديد انه بات يمتلك القدرة على المناورة الدبلوماسية لتقييد الكيان وتطويقه جيوستراتيجياً.

 

تتجاوز الأهداف الإسرائيلية من وراء التلويح بشن حرب على المحور السنّي الرغبة في تأمين الحدود مباشرة، لتصل إلى قرار وجودي في منع تشكل أي قطب إقليمي قادر على فرض توازنات جديدة في الشرق الأوسط. وفي مواجهة هذه التهديدات، كان رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو قد بادر إلى صياغة العقيدة المضادة، معلناً أمام الكنيست عن ولادة رؤية استراتيجية هندسية لمواجهة التحديات عبر بناء تحالفات دولية وإقليمية، وأوضح ذلك بالقول: “نحن نعيش في فجر عهد جديد، ونعمل على صياغة رؤية إستراتيجية تقوم على إنشاء شبكة تحالفات إقليمية دولية متكاملة أطلقتُ عليها اسم ‘التحالف السداسي.. هذا النظام الإستراتيجي يهدف بوضوح إلى مواجهة المحاور الراديكالية التي تهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي.. لقد ضربنا المحور الشيعي الراديكالي بقوة ونواصل تفكيك قدراته، ولكن في الوقت نفسه، عيوننا مفتوحة على المحور السني الراديكالي الناشئ الذي يحاول إعادة تنظيم صفوفه.”

 

إن الرؤية الإسرائيلية وفق طرح نتنياهو تقضي بربط ستة أركان أساسية تضمن لإسرائيل التفوّق، حيث تبرز بصفتها رأس الحربة والركيزة الأولى لحماية مصالحها ومصالح حلفائها من خلال تأمين الحدود الشمالية، مستندة إلى إسناد ودعم كاملين من الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تمثل المظلة الدولية والظهير الغربي الاستراتيجي. وتدمج هذه الرؤية الهند كركن آسيوي وازن يقطع الطريق الجغرافي والاقتصادي أمام القدرات الباكستانية، والتنسيق مع الدول العربية الشريكة في الاتفاقيات الإبراهيمية لتشكيل طوق إقليمي يعزل بؤر التيارات الراديكالية الصاعدة.

أما على مستوى الخرائط البحرية والجيوسياسية، فإن طرح نتنياهو يستهدف ربط دول حوض المتوسط (اليونان وقبرص) لشل قدرة التمدد التركي البحري، مضافاً إليها محاصرة المنافذ والممرات المائية عبر بناء تفاهمات مع قوى أفريقية صاعدة (أرض الصومال وأثيوبيا) لقطع خطوط الإمداد والتأثير عن أي تشكيلات معادية.

 

تتحرك السياسة الإسرائيلية بناءً على محددات هذا التحالف وفق مسارين متوازيين:

– المسار الأول: فرض واقع ميداني يتمثل في عزل دمشق عسكرياً، وإنشاء حزام عازل في مناطق القنيطرة ودرعا، وفرض نزع سلاح كامل يمتد من جنوب دمشق وحتى خط الهدنة، لضمان خلو هذه المناطق من أي سلاح ثقيل أو منظومات دفاعية متطورة قد تحصل عليها سوريا الجديدة من تركيا أو باكستان.

– المسار الثاني: إمكان توجيه ضربات ورسائل ردع واضحة لأنقرة لمنعها من دمج سوريا بالكامل في فلكها السياسي والأمني والعسكري. حيث تعتبر تل أبيب أن النفوذ التركي المتنامي في الشمال والوسط السوري، وصولاً إلى محيط العاصمة، يمثل خطراً استراتيجياً طويلاً الأمد، نظراً للأيديولوجيا الحاضنة للتيارات الإسلامية المناهضة للاحتلال.

 

في المقابل، تصطدم هذه الأهداف الإسرائيلية مباشرة بمفهوم “العمق الاستراتيجي المتغير” الذي أعلنت عنه تركيا، فقد سارع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الرد على التحركات والتهديدات الإسرائيلية، محذراً من أن الهجمات والتوغلات الإسرائيلية في سوريا ولبنان وصلت إلى مرحلة باتت تهدد الأمن القومي التركي بشكل مباشر. ولم يقف الموقف التركي عند حدود التحذير التقليدي، بل أعاد أردوغان رسم الخطوط الحمر الإقليمية بقوله إن أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية بل من حلب ودمشق وبيروت، مؤكداً أن بلاده تعي تماماً المخططات التوسعية الإسرائيلية وأطماع ما يسمى “الأرض الموعودة” ولن تسمح بفرض هذا الأمر الواقع عسكرياً.

 

إن التناقض العميق بين الرؤيتين الإسرائيلية والتركية يفتح الباب أمام احتمالات ميدانية خطيرة تهدّد مستقبل المنطقة، فالصدام المباشر قد يؤدي إلى تدحرج التوغلات البرية وتصاعد الاعتداءات الجوية الإسرائيلية شمالاً لتتجاوز حدود خطوط الهدنة التقليدية وتستهدف عمق الأراضي السورية؛ وفي هذه الحالة، ستكون المواجهة المباشرة بين القوات الإسرائيلية والفصائل المدعومة من تركيا، وربما القوات التركية المتواجدة على الأرض، أمراً حتمياً، كما أن محاولة “إسرائيل” تقويض السلطة السورية الجديدة ستعتبره أنقرة بمثابة إعلان حرب على نفوذها وأمنها، مما قد يفجر حرباً إقليمية واسعة النطاق تتداخل فيها القوى الإقليمية السنية مع بقية الجبهات الأخرى.

 

في المحصلة يبدو أن الساحة السورية تتجه لتكون الساحة الأساسية للصدام وبرميل البارود الذي سيحدّد طبيعة النظام الإقليمي الجديد في المنطقة، فالاتجاهات الإسرائيلية لشن حرب على المحور السني، والمدعومة برؤية نتنياهو لـ”التحالف السداسي” وتصنيفات كاتس الأيديولوجية لـ”محاور الشر”، ليست مجرد مناورات سياسية أو تصريحات للاستهلاك الداخلي؛ بل هي تعبير عن قلق استراتيجي حقيقي من فقدان تل أبيب للقدرة على صياغة معادلات المنطقة بمفردها. ومع تداخل خطوط التماس وإعلان الحرب الإسرائيلية على المحورين الشيعي والسني، يبدو أن عقيدة الحرب الاستباقية تواجه اختبارها الأصعب، حيث لم تعد المعركة محصورة في بقعة جغرافية محددة كقطاع غزة وجنوب لبنان، بل في مواجهة دول وقوى إقليمية عظمى ترى في جغرافيا سوريا عمقاً استراتيجياً لا يمكن التنازل عنه، مما يجعل المنطقة بأسرها تقف على حافة مواجهة كبرى قد تعيد رسم الخرائط والحدود السياسية والعسكرية لسنوات طويلة قادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى