خبر عاجلسياسةمقالات

ضرورة إخراج المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية من الشرنقة الأميركية بالانفتاح على شنغهاي والبريكس – أسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

ضرورة إخراج المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية من الشرنقة الأميركية بالانفتاح على شنغهاي والبريكس – أسامة القادري

أسامة القادري

إذا كان المطلوب فعلاً تحسين نتائج المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية وإخراجها من دوامة الجمود والفشل، فإن الخطأ الأكبر يكمن في استمرار حصر المسار التفاوضي داخل الدائرة الأميركية ـ الإسرائيلية، وكأن الولايات المتحدة هي البوابة الوحيدة التي يمكن للبنان أن يمرّ عبرها للوصول إلى تسوية تحفظ حقوقه وسيادته.
المشكلة ليست في التفاوض بحد ذاته، بل في اختلال ميزان القوى داخل التفاوض. فعندما يدخل لبنان إلى أي مسار تفاوضي من دون أوراق قوة أو بدائل سياسية واقتصادية ودبلوماسية، يصبح المطلوب منه عملياً تقديم المزيد من التنازلات تحت عنوان الواقعية، فيما يبقى المقابل الموعود مؤجلاً أو غامضاً أو مرتبطاً بشروط جديدة.
وهنا تبدو السياسة الأميركية شديدة الوضوح: إما أن تكون خاضعاً فتُطلب منك تنازلات إضافية، أو ترفض فتتعرض لمزيد من الضغوط إلى أن تصبح مستعداً للقبول بما رفضته سابقاً. وفي الحالتين، يبقى ميزان التفاوض مختلاً لمصلحة الطرف الأقوى.
لذلك، فإن إعادة فتح قنوات التواصل اللبنانية ـ السورية مع القوى الدولية الصاعدة، ولا سيما منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها خطوة موجهة ضد الولايات المتحدة أو الغرب، بل باعتبارها محاولة لإعادة بناء توازن في الخيارات.
فلبنان الذي يريد تحسين شروطه التفاوضية لا يستطيع أن يبقى محصوراً في محور دبلوماسي واحد. وكلما اتسعت شبكة علاقاته الدولية، ازدادت قدرته على المناورة، وأصبح بإمكانه طرح مصالحه على أكثر من طاولة، بدلاً من انتظار ما تقرره طاولة واحدة.
أما سوريا، بما تملكه من موقع جغرافي وتأثير مباشر في ملفات الحدود والنقل والطاقة والتجارة، فتمثل جزءاً أساسياً من أي مقاربة إقليمية متكاملة. ومن هنا تأتي أهمية إعادة تفعيل التواصل اللبناني ـ السوري مع القوى الآسيوية الصاعدة، وفتح مسارات تعاون اقتصادي وسياسي وأمني وفق مصالح الدولتين.
الهدف ليس استبدال الوصاية الأميركية بوصاية أخرى، ولا نقل لبنان من محور إلى محور، بل تحرير القرار اللبناني من منطق الخيار الواحد.
فالسياسة الدولية لا تُدار بالنوايا وحدها، وإنما بتعدد الخيارات وأوراق القوة. وكلما امتلك لبنان بدائل اقتصادية وسياسية واستثمارية، أصبح أكثر قدرة على رفض الشروط المجحفة، وأصبح التفاوض حول الحدود والسيادة والأمن والعلاقات الإقليمية والدولية أكثر توازناً.
وفي هذا السياق، يمكن للبنان أن يستفيد من الانفتاح على بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون في مجالات الاستثمار والبنى التحتية والطاقة والنقل والتجارة وإعادة الإعمار، بالتوازي مع علاقاته العربية والأوروبية والأميركية. فتنويع الشراكات لا يعني القطيعة مع الغرب، بل يعني ببساطة أن لبنان لم يعد مضطراً إلى التفاوض من موقع الحاجة المطلقة إلى طرف واحد.
والأهم أن يتحول هذا الانفتاح من مجرد اتصالات بروتوكولية إلى استراتيجية وطنية متكاملة: تحديد المصالح اللبنانية، بناء شبكة علاقات دولية متعددة، استقطاب الاستثمارات، تطوير المرافئ والطرق والسكك الحديدية، تعزيز موقع لبنان في التجارة الإقليمية، وخلق مصالح اقتصادية متبادلة مع دول آسيوية وعربية وأوروبية.
عندها فقط يمكن أن يتغير منطق التفاوض.
فالمفاوض الذي لا يملك سوى خيار القبول، لا يفاوض فعلياً؛ بل ينتظر صيغة الاستسلام التي سيُطلب منه توقيعها.
أما المفاوض الذي يملك خيارات متعددة، وشبكة علاقات واسعة، وأوراقاً اقتصادية وسياسية، فيستطيع أن يقول: نعم عندما يكون المقابل واضحاً، ولا عندما يكون المطلوب تنازلاً مجانياً.
من هنا، فإن المطلوب اليوم ليس البحث عن وسيط أميركي أفضل، بل توسيع دائرة الوسطاء والشركاء والخيارات. وليس المطلوب الدخول في مواجهة مع واشنطن، بل منع واشنطن من أن تكون اللاعب الوحيد القادر على تحديد قواعد اللعبة.
إن إخراج المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية من الشرنقة الأميركية لا يعني إسقاط المسار الأميركي، وإنما يعني وضعه في سياق أوسع وأكثر توازناً.
فلبنان يحتاج إلى تعددية دبلوماسية لا إلى تبعية دبلوماسية، وإلى سياسة خارجية تقوم على المصالح لا على الاصطفاف، وعلى تنويع مصادر القوة لا على انتظار المساعدات والوعود.
وفي نهاية المطاف، فإن أفضل وسيلة لتحسين شروط التفاوض ليست تقديم تنازلات إضافية لإرضاء الطرف الأقوى، وإنما بناء بدائل تجعل التنازل خياراً لا قدراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى