سوريا بين الاستقرار القسري والسيادة المؤجَّلة: بيان باريس نموذجاً لإدارة الصراع وليس حلّه

كتب زكـي طـه في بيروت الحرية
لم تكن الاجتماعات الأميركية ـ السورية ـ الإسرائيلية التي عُقدت في باريس محطة تفاوضية عابرة، كما أن البيان الصادر عنها لم يشكّل اختراقاً يقود إلى سلام تقليدي، ولا يصحّ اختزاله في إجراءات أمنية تقنية أو تفاهمات مؤقتة. فقد أكد البيان أن سوريا تقف أمام تحوّل نوعي في مسار العلاقة مع إسرائيل، تقوده الولايات المتحدة بوصفها مهندساً ومقرراً لطبيعة هذه العلاقة ووظيفتها، لا وسيطاً بين طرفين متنازعين.
والمسار الجديد، كما يعكسه البيان، لا يستهدف حلّ الصراع أو تسويته سياسياً، بل إعادة تنظيمه وإدارته، عبر ربط الأمن بالاقتصاد وفق تعريف مختلف لوظيفة الحدود، مقابل تعليق القضايا السيادية الكبرى إلى أجل غير مسمّى. وتكمن أهمية هذا التحوّل في توقيته ومضمونه معاً، إذ جاء بعد نحو عام على ترسيخ النظام الجديد في سوريا، في ظل حالة من عدم الاستقرار السياسي ـ الأمني وأزمات اقتصادية عميقة. وقد جرى هذا التحوّل برعاية أميركية مباشرة، غايتها تثبيت وقائع قابلة للاستدامة، بدل فتح مسارات تفاوضية قد تنفجر عند أول اختبار.
إدارة الصراع
لا تكمن أهمية البيان في كونه أعلن للمرة الأولى وجود إطار ناظم لإدارة العلاقة بين دمشق وتل أبيب فحسب، بل في تجاهله لملفات الجولان، والحدود، والسيادة، كما وأنه لم يحدّد جدولاً زمنياً واضحاً لانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق. كذلك غاب عنه أي تعريف متفق عليه لمفهوم نزع السلاح، ولم يتضمّن أي إشارة إلى اعتراف متبادل أو خطوة تطبيعية صريحة.
ويبدو أن تجاهل هذه الملفات كان خياراً مقصوداً، يهدف إلى إخراج القضايا السيادية الكبرى من التداول المرحلي، تفاديًا لنسف الإطار برمّته في حال طرحها على الطاولة. غير أنه في المقابل، شدّد البيان على وظيفة الاطار: خفض التصعيد، إنشاء آليات تنسيق أمني واستخباراتي، فتح قنوات دبلوماسية، وإطلاق مسارات موازية ذات طابع اقتصادي ومدني. ما يعني أن معيار “التقدّم” لم يعد الاقتراب من تسوية سياسية شاملة تستند إلى قرارات الشرعية الدولية، بل الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق الإدارة.
الأردن وغرفة العمليات
في هذا السياق، تبدو غرفة العمليات المقترحة في الأردن بمثابة مركز قيادة فعلي لإدارة الجنوب السوري. فهي تتولى مهام الرصد الميداني الدائم، ومعالجة الحوادث بسرعة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الاتصال اليومي بين دمشق وتل أبيب عبر آلية مشتركة. وهذا تحوّل لا يحتاج إلى إعلان سياسي، لكنه يعيد تعريف طبيعة العلاقة بين البلدين، بحيث تُدار الحدود السورية ـ الإسرائيلية عبر قناة ناظمة ودائمة، لا عبر توازن قوى أو وساطات ظرفية.
وكما كان الدور الأميركي عاملًا مقرراً في صياغة هذا المسار وتحديد آلياته ووظائفه، فإن اختيار الأردن مركزًا للقيادة لم يكن تفصيلاً تقنياً أو موقعاً جغرافياً محايداً. فالمملكة طرف معني أصلاً بترتيبات الجنوب السوري، وقد لعبت أدواراً سابقة في إدارة ملفات مرتبطة بالسويداء وضبط الحدود. ويؤسّس هذا الدور لإمكانية توسيعه لاحقاً ليشمل المنطقة الجنوبية بأسرها، وفق أهداف أميركية تسعى إلى تثبيت حدود الأمر الواقع، ومنع أي انفجار على الجبهة الشمالية لإسرائيل، وربط العلاقة السورية ـ الإسرائيلية بترتيبات إقليمية أوسع يمكن التحكّم بها، تقوم على إدارة الصراع لا حلّه، وتحقيق استقرار نسبي بأدوات أمنية واقتصادية أقل كلفة من التسويات السياسية الكبرى.
الاقتصاد وهندسة الحدود
التحوّل الأعمق في إدارة هذا المسار يتمثّل في إدخال البعد الاقتصادي، عبر الحديث عن منطقة اقتصادية مشتركة تمتد على طول الشريط المنزوع السلاح، ومشاريع في مجالات الطاقة وخطوط الغاز والنفط، والصناعات الدوائية، والبنى التحتية الرقمية، ونظام اقتصادي خاص. ويعكس ذلك رؤية تتجاوز مفهوم التنمية التقليدية، نحو إعادة تشكيل وهندسة المجال الحدودي، مع تعليق البحث في مسألة السيادة.
وتقوم هذه المقاربة على إعطاء الأولوية لبناء اقتصاد مشترك من دون اعتراف سياسي، ومصالح متبادلة من دون اتفاق سلام يتضمن خرائط وحدوداً ومعاهدات لحل النزاع، بل إدارته عبر استبدال منطق المواجهة بمنطق المصالح القابلة للتوسّع. وبذلك تحصل سوريا على مكاسب اقتصادية ملموسة من دون كلفة اعتراف أو تنازل سيادي معلن، فيما تحصد إسرائيل استقراراً حدودياً طويل الأمد، وتتحوّل المنطقة العازلة من عبء أمني إلى ميدان اقتصادي.
البيان في سياق الأزمة
جاء توقيت البيان متزامناً مع أزمة بنيوية شاملة في مرحلة انتقالية تتسم بعدم الاستقرار الأمني، وقابلية الانفجار في أكثر من منطقة، وسلطة تتركّز أولوياتها على إدارة المخاطر غير القابلة للتأجيل أو الحل، سواء في الساحل، أو في العلاقة مع القوات الكردية شمالاً، أو في السويداء جنوباً، أو في العنف المتنقل في المدن الكبرى.
ولأن النظام السوري الجديد لا يزال يصارع للانتقال من مرحلة البقاء إلى مرحلة الحكم، رأت واشنطن أن استمرار الضربات الإسرائيلية يعرقل قدرته على تثبيت سلطته. ومن هنا جاء الضغط الأميركي لوقف هذه الضربات مقابل ترتيبات أمنية بديلة. صحيح أن البيان لم يتضمّن نصوصاً مكتوبة لنزع السلاح في الجنوب السوري، لكن الآلية الأمنية المعلنة وحدود عملها تتقاطع مع مطلب إسرائيلي قديم بتحييد هذه المنطقة عسكرياً. وهذا التقاطع، وإن لم يرقَ إلى اتفاق رسمي، يفتح الباب أمام إعادة تنظيم الواقع الأمني في الجنوب ضمن أطر جديدة.
وفي هذا السياق، شكّل القبول بإخراج ملف الجولان والقضايا السيادية الكبرى من البيان شرطاً أساسياً لإطلاق المسار، باعتبارها ملفات غير قابلة للحل في المرحلة الراهنة، وإدخالها كان سيُفجّر الإطار كله. ويؤكد ذلك الجدل الواسع الذي اندلع في الأوساط السياسية والإعلامية السورية عقب نشر وزارة الخارجية خريطة رسمية للبلاد من دون الجولان، بالتزامن مع الإعلان عن إلغاء قانون قيصر، وعدم صدور أي توضيح رسمي لاحق، ما يعكس حساسية اللحظة التي تُدار فيها القضايا السيادية بالصمت والتكيّف مع الوقائع.
إطار بلا مرجعيات قانونية
تشير المعطيات المتوافرة إلى أن مسار إدارة العلاقة المعلن مرشّح للاستمرار عبر خطوات تدريجية، هدفها تثبيت وقائع أمنية واقتصادية، لا العمل على إبرام تسوية نهائية. كما أن غياب الجداول الزمنية الملزمة والاتفاقات الحاسمة يؤكد تعاظم الدور الأميركي بوصفه الجهة الممسكة بمفاتيح الأمن، وسقوف التفاوض، ومسارات الاقتصاد الحدودي. وفي المقابل، تواجه سوريا مخاطر داخلية تتمثّل في إعادة تنظيم الجنوب خارج أي نقاش وطني جامع، على نحو يجعل قضايا السيادة والحدود مؤجّلة باسم الاستقرار المرحلي، ويبقي مشروع إعادة بناء الدولة السورية قيد الانتظار.
ويكمن الخلل البنيوي في الاطار، أنه وضع العلاقات الدبلوماسية والتجارية ضمن إطار تنسيق أمني بين دولتين في حالة عداء، وعكس ترتيب العلاقات رأساً على عقب، من خلال فتح قنوات دبلوماسية قبل معالجة جوهر النزاع، وطرح الفرص الاقتصادية قبل استعادة الحقوق، ووضع قواعد أمن مشترك في ظل الاحتلال. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: بأي منطق تُدار السيادة في لحظة انتقالية مثقلة بالأزمات المتفجرة؟
تجارب سابقة
عند مقارنة هذا البيان باتفاقات سابقة مع إسرائيل، يتضح الفارق الجوهري. ففي اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، جرى تنظيم الترتيبات الأمنية والاقتصادية بعد الانسحاب من سيناء وترسيم الحدود المعترف بها دولياً. وفي معاهدة وادي عربة مع الأردن، ارتبطت الترتيبات الأمنية والدبلوماسية باعتراف متبادل وترسيم للحدود وفق مرجعيات دولية واضحة.
أما البيان الأميركي ـ السوري ـ الإسرائيلي، فقد أقرّ ترتيبات أمنية ودبلوماسية واقتصادية متداخلة، من دون أي التزام يتعلق بالأرض المحتلة أو ترسيم الحدود، أو حتى بتعريف الصراع القائم أو بإطار تفاوضي معلن لمعالجته. كما أنشأ “آلية تنسيق مشتركة” لتبادل المعلومات الاستخباراتية وخفض التصعيد والانخراط الدبلوماسي والفرص التجارية، تحت إشراف الولايات المتحدة.
ومع البيان اصبحت سوريا، أمام إطار شامل يعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل بوصفها شريكاً أمنياً ـ اقتصادياً، لا طرفاً في نزاع تاريخي محكوم بمرجعيات قانونية وسياسية. والأخطر أن البيان أعلن “فتح صفحة جديدة” من دون أي ذكر للجولان المحتل أو للقرارات والقوات الدولية ذات الصلة، بما يعني أن جوهر الصراع جرى حسمه عملياً لصالح الأمر الواقع.
شرعية الإكراه؟
يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاهله: هل يعكس ما جرى خياراً سياسياً حراً، أم أنه نتاج ظرف قاهر لا يتيح للنظام الجديد سوى الاستجابة؟ والأرجح أننا أمام مسار فرضته ضرورات البقاء بكلفة محددة، أكثر مما هو تعبير عن قناعة استراتيجية أو رؤية سياسية متكاملة. وهو مسار نابع من اقتصاد منهك، وبنية داخلية مأزومة، وضغط دولي متصاعد، وخوف حقيقي من مواجهة عسكرية غير متكافئة.
لكن الاتفاق تحت الإكراه لا يمنحه شرعية سياسية دائمة، بل يعكس اختلال ميزان القوى، ويساهم في تعقيد أوضاع الداخل السوري، حيث تواجه السلطة ضغوطاً اقتصادية واجتماعية متصاعدة، وتفتقر إلى رؤية سياسية واضحة، ما يدفعها إلى البحث عن ترتيبات خارجية تمكّنها من السيطرة على الداخل بأي ثمن.
وتزداد الإشكالية خطورة حين نضعها في إطارها الدستوري، إذ إن الحكومة الانتقالية، بحكم طبيعتها، سلطة مقيّدة لا تملك تفويضًا لعقد التزامات تمسّ الأمن القومي أو تنال من سيادة البلاد، أو القبول بآليات دائمة للتنسيق مع عدو محتل، أو فتح مسارات دبلوماسية واقتصادية طويلة الأمد.
كما أن إنشاء “خلية تنسيق” متعددة الوظائف وتحت إشراف دولة أجنبية لا يمكن اعتباره إجراءً إدارياً مؤقتاً، بل التزاماً سيادياً مقنّعاً وقيداً على القرار الوطني مستقبلاً، مع خطر تحوّله إلى أمر واقع غير قابل للتراجع.
ختاماً، إن الاعتراض على هذا المسار لا ينطلق من موقف سياسي أو أيديولوجي فحسب، بل من مسؤولية وطنية ودستورية في ظرف انتقالي بالغ الهشاشة. فالقفز فوق جوهر الصراع ـ أي الاحتلال وانتهاك الحدود والحقوق ـ مقابل وعود عامة بالاستقرار والازدهار، لا يمكن اعتباره سياسة واقعية بقدر ما هو تفريط تدريجي بمعنى السيادة نفسها.
وعليه، فإن خطورة الاطار لا تكمن فقط في بنوده المعلنة أو الضمنية، بل في مسار إدارة أخطر ملفات السيادة بعيدًا عن أي نقاش وطني جدي، وربط خيارات الدولة في الحرب والسلم بآليات تنسيق أمنية واقتصادية مفروضة من الخارج. فالمسألة لا تتعلق ببيان عابر، بل بكيفية تعريف السوريين لعلاقتهم بدولتهم، ولِما يُتَّخذ باسمهم من قرارات في واحدة من أكثر اللحظات تأزمًا في تاريخهم الحديث.



