خبر عاجلسياسة

رؤية اقتصادية طُرحت منذ عام 2018… هل آن أوان الانتقال من اقتصاد الخدمات إلى اقتصاد الإنتاج؟

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

رؤية اقتصادية طُرحت منذ عام 2018… هل آن أوان الانتقال من اقتصاد الخدمات إلى اقتصاد الإنتاج؟

 

 

مناشير

في عام 2018 نشر موقع “مناشير” رؤية اقتصادية متكاملة لإنقاذ لبنان من دوامة الأزمات البنيوية التي كانت تتفاقم آنذاك، مستندة إلى مجموعة مشاريع استراتيجية مترابطة طرحها رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية وائل خليل ياسين، وجال بها على مختلف القيادات السياسية والاقتصادية، بهدف إعادة صياغة الدور الاقتصادي للبنان وتحويله من اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على الخدمات والاستهلاك إلى اقتصاد إنتاجي ولوجستي متكامل.

ومع تفاقم الانهيار المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان خلال السنوات اللاحقة، تبدو العديد من الأفكار التي تضمنتها هذه الرؤية أكثر إلحاحاً اليوم، لا سيما في ظل البحث عن نموذج اقتصادي جديد قادر على خلق فرص العمل وتحفيز النمو واستعادة موقع لبنان الاقتصادي في المنطقة.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية وائل خليل ياسين أن الرؤية التي طُرحت عام 2018 استقطبت اهتمام عدد من الشركات والمستثمرين الصينيين الذين زاروا لبنان للاطلاع على المشاريع المقترحة، إلا أن الظروف الاستثنائية التي مرّ بها البلد حالت دون ترجمتها إلى مشاريع تنفيذية.

وقال ياسين: “في عام 2018 طرحنا هذه الرؤية الاقتصادية، وحضر بعدها عدد من الشركات والمستثمرين الصينيين إلى لبنان. لكن الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019، ثم جائحة كورونا، تلتها حرب غزة وحرب الإسناد، وصولاً إلى العدوان الإسرائيلي على لبنان، كلها عوامل أدت إلى تأخير تنفيذ هذه الرؤية وإرجاء العديد من المشاريع التي كانت مطروحة ضمنها”.

وفنّد ياسين أبرز مرتكزات الرؤية الاقتصادية على الشكل الآتي:

من الاقتصاد الخدمي إلى الاقتصاد المتكامل

تنطلق الرؤية من فكرة أساسية مفادها أن لبنان لا ينبغي أن يكتفي بدور الوسيط المالي أو السياحي التقليدي، بل يجب أن يتحول إلى مركز اقتصادي متكامل يجمع بين الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية والتجارة والتكنولوجيا والسياحة ضمن منظومة مترابطة.

ويستفيد هذا التصور من الموقع الجغرافي الفريد للبنان عند تقاطع آسيا وأوروبا والشرق العربي، بما يؤهله ليكون محطة استراتيجية للتبادل التجاري وإدارة الأعمال وسلاسل الإمداد الإقليمية.

البنية التحتية أساس التحول الاقتصادي

ترى الرؤية أن أي نهضة اقتصادية لا يمكن أن تتحقق من دون استثمارات كبرى في البنية التحتية، لذلك تركز على تطوير المرافئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية باعتبارها المحرك الرئيسي للنمو.

وفي هذا الإطار، يبرز مشروع تطوير مرفأ طرابلس ليصبح مركزاً لوجستياً رئيسياً على شرق المتوسط، إلى جانب تحديث مرفأ بيروت وتوسيع وظائفه التجارية والخدمية.

كما تقترح الرؤية تشغيل مطار القليعات كمطار مدني وتجاري، وإعادة تأهيل مطار رياق ليكون مركزاً متخصصاً بالشحن الجوي والنقل التجاري، بما يساهم في توسيع قدرات لبنان اللوجستية وفتح آفاق جديدة أمام التجارة الخارجية.

نفق بيروت – البقاع والميناء الجاف

ومن أبرز المشاريع التي تضمنتها الرؤية مشروع نفق بيروت – البقاع، الذي يشكل محوراً استراتيجياً لربط الساحل اللبناني بالداخل عبر شبكة نقل حديثة تشمل السكك الحديدية.

ويهدف المشروع إلى إنشاء ممر سريع يختصر الزمن وكلفة النقل، ويؤسس لربط مباشر بين المرافئ البحرية والبقاع، حيث يقترح إنشاء ميناء جاف ضخم يتحول إلى منصة لوجستية متكاملة تضم مراكز تخزين وجمارك ومستودعات تبريد ومناطق صناعية وخدمات للتجارة الإلكترونية.

ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره خطوة أساسية لتحويل البقاع إلى امتداد اقتصادي طبيعي للمرافئ اللبنانية ومركزاً إقليمياً لإعادة التصدير نحو الأسواق العربية.

تنمية متوازنة وتوزيع للأدوار الاقتصادية

وتقوم الرؤية على مبدأ التنمية المتوازنة من خلال توزيع الوظائف الاقتصادية على مختلف المناطق اللبنانية، بما يخفف الضغط عن العاصمة ويؤسس لنمو متوازن ومستدام.

فطرابلس تتحول إلى قطب بحري ولوجستي وصناعي، والبقاع يصبح مركزاً للإنتاج الزراعي والخدمات اللوجستية والصناعات الغذائية، فيما تُخصص مناطق في بعلبك – الهرمل لصناعات تجميع السيارات والآلات الزراعية وصناعة الدواليب.

أما بيروت فتحافظ على دورها كمركز للأعمال والشركات والخدمات المالية والاستشارية، في حين يجري تعزيز الاقتصاد السياحي والبيئي في جبل لبنان وتنمية القطاعات الزراعية والصناعية في الجنوب وعكار.

الصناعة والتجارة الإلكترونية والزراعة الذكية

وتولي الرؤية أهمية كبيرة لتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية وإنشاء مناطق صناعية حديثة تعتمد مفاهيم الاقتصاد الدائري وإعادة التدوير وتقليل النفايات.

كما تواكب التحولات العالمية عبر اقتراح إنشاء مراكز للتجارة الإلكترونية ومخازن ذكية ومراكز تدريب متخصصة في الاقتصاد الرقمي وسلاسل التوريد.

وفي القطاع الزراعي، تركز الرؤية على الزراعة الذكية والأمن الغذائي وتطوير الصناعات الزراعية، إضافة إلى مشاريع متخصصة لزراعة الأعشاب الطبية والعطرية الموجهة للتصدير إلى الأسواق العالمية.

طرابلس ومعرض رشيد كرامي

وتعتبر الرؤية أن إعادة إحياء معرض رشيد كرامي الدولي تشكل فرصة اقتصادية مهمة لتحويل طرابلس إلى مركز إقليمي للمعارض والمؤتمرات والتبادل التجاري، بما ينعكس على حركة الاستثمار والسياحة والأعمال في شمال لبنان.

الاقتصاد البحري وإنقاذ الليطاني

كما تتناول الرؤية تطوير الاقتصاد البحري عبر تحديث قطاع الصيد وإنشاء شركات مساهمة يشارك فيها الصيادون أنفسهم، إلى جانب إطلاق شبكة نقل بحري داخلي وربط لبنان بخطوط نقل بحرية إقليمية.

وفي المقابل، يشكل مشروع إعادة تأهيل نهر الليطاني أحد أهم عناصر الخطة التنموية، من خلال معالجة التلوث وتطوير شبكات الري وإنشاء مشاريع سياحية وبيئية ومشاريع للطاقة المتجددة، بما يحول حوض الليطاني إلى مركز تنموي متكامل.

لبنان كمحطة استراتيجية بين القارات الثلاث

تشكل فكرة تحويل لبنان إلى منصة اقتصادية تربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا جوهر هذه الرؤية، وذلك عبر تكامل المرافئ والمطارات والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية ضمن شبكة اقتصادية مترابطة.

ورغم أن تنفيذ مثل هذه المشاريع يحتاج إلى استقرار سياسي وإصلاحات مالية وإدارية واسعة واستثمارات ضخمة، فإن التجارب العالمية تثبت أن الدول الصغيرة القادرة على استثمار موقعها الجغرافي وتطوير بنيتها التحتية تستطيع أن تتحول إلى مراكز اقتصادية مؤثرة تتجاوز حدودها الجغرافية.

وبعد سنوات من الانهيار الاقتصادي، يعود السؤال الذي طرحته هذه الرؤية منذ عام 2018: هل يملك لبنان الإرادة السياسية والاقتصادية للانتقال من اقتصاد قائم على الاستهلاك والريوع إلى اقتصاد إنتاجي متكامل قادر على صناعة النمو واستعادة دوره الإقليمي؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى