ديمقراطية إسرائيل… الإقصائية – أحمد جابر

أحمد جابر – مناشير
انقضت عملية الاقتراع الإسرائيلية. نقل الإعلام المحلّي قراءات مختلفة لما انطوت عليه عملية الاقتراع، مثلما سلّط الضوء على جوانب من حركيّة الداخل الشعبي، وعلى المعاني الأهمّ من هذه الحركيّة.
ساهم الإعلام الخارجي في إضافة دلالات سياسية على ما قد تصير إليه حصيلة الاقتراع، وشارك من مواقعه البعيدة والقريبة، جغرافياً وسياسيّاً، في توقّع ما يمكن أن تكون عليه السياسات، في ظلّ هذه التشكيلة الائتلافية أو غيرها من التشكيلات.
نظرة عامة إلى ما جرى في إسرائيل، تخلص إلى أن الحدث السياسي أفصح عن واقع داخلي واقعي وحقيقي، لذلك يصير لزاماً على كل متابعة للحدث، أن تكون واقعية وحقيقية… أيضاً. موجز تمهيدي يلخص المشهد السياسي الإسرائيلي: إن اليوم الانتخابي كان عنواناً اختصر الأيام التمهيدية الإسرائيلية الطويل، وأنه حمل الأساسي من إرهاصات تلك الأيام، لذلك تصعب مقارنة ما حصل، بعينِ وبعقل المثل الشعبي المتداخل: “كلّه عند العرب صابون”. هذا يعني أنه سيكون خارج السياق القول الذي لا يجدُ فرقاً بين مجموع الأسماء اليهودية التي انتظمت في لوائح متنافسة، وسيكون خارج السياق أيضاً، القول الذي لا يجد فرقاً بين مواقع المجموعة العربية في الداخل الإسرائيلي، إن حضر في الموقع ثمانية عشر نائباً أو إن خلا الموقع من كل تمثيل نيابي.
ردّ “النهايات” بما هي الموسم الانتخابي، إلى البدايات، بما هي السيرة المشتركة للمجموعتين اليهودية والعربية اللتين جمعهما الصراع فوق أرض السياسة المشتركة الواحدة، هذا الردّ، يسمح، بل يدعو، إلى إعادة فحص “النظريات” والسياسات وأساليب العمل، فحصاً راهناً، وبأدوات الحاضر، ليكون يسيراً وممكناً، إعادة فحص الماضي بما حمل من دعوات، وبما بشّر به من ادعاءات، وبما سعى إليه من أهداف. الردّ إلى الماضي ليس سياسةً “ماضوية”، عربياً إسرائيليّاً، والفحص بما هو راهن مفتوح ومنفتح على الإشارة إلى ما سقط واقعيّاً، لكنه ظلّ حاضراً، تعبوياً وإيديولوجيّاً، هذه الإشارة تعني سؤالاً موجزاً هو: من هنا إلى أين؟ أي قياساً على لحظة النتائج التي أفرزتها صورة “المجتمع الإسرائيلي” بشقيه، العربي واليهودي، ما الذي يمكن التأكيد عليه إذا كان المطلوب تصحيح النظر السياسي المستقبلي، مستقبل المجموع “الكياني” الإسرائيلي اليوم، الذي ما زال يعاني من أعطاب وصعوبات تحوّله إلى جَمْعٍ يضبطه الأساسي من الركائز المجتمعية الجمعيّة.
من هنا إلى أين؟ سؤالٌ مرتبط بأين كان الوضع الإسرائيلي وأين أصبح الآن؟ ذات السؤال ينسحب على العرب في إسرائيل، للقول، ما كان وضع هؤلاء وما حالهم اليوم.
مباشرة الجواب على الأسئلة السابقة، تبدأ من جملة رفض صفة الثبات والسكون عن الحالة الإسرائيلية – الفلسطينية. القول بحركيّة ملموسة، وبديناميّة محسوسة رافقتا تلك الحالة، هو القول الأقرب إلى طبيعة الأشياء. ماذا يرتب ذلك من أسئلة تتطلب أجوبة، ومن تداعيات تاريخية وشعبية وذكريات؟ تتطلب إيقاظ النفس السياسية الحاضرة، من سباتٍ طال ليله، وتطاولت حكاياته الرومانسية والوجدانية، حتى بات الواقع مجرّد حكاية حول موقد من مواقد “السكينة” الحالمة.
ما زال رائجاً شتم الصهيونية بجمل مؤامراتية، وتوسعية وشيطانية، لكأن المعركة تدور مع الصهيونية اليوم، ولكأن “هرتزل” ما زال يحاول ملكاً مع السلطة العثمانية ومع الإمبراطورية البريطانية… الشتيمة العربية العامة للصهيونية، تعطي برنامجها صفة الجمود، فتلغي بذلك التاريخ الممتد بين لحظة التماع الفكرة في رأس مؤسسيها، وبين لحظة كل النتائج التي ترتبت على الحرب في قطاع غزّة، وفي جنوب لبنان. إذن، ومع استدعاء الخطوط الأساسية “للعقيدة” الصهيونية، يجب استدعاء السيرة الحقيقية التي جعلت الفكرة أمراً واقعاً. على أرض هذا الواقع، ينتقل السؤال، ماذا عن الدولة الإسرائيلية التي قامت فوق ركام فلسطين الأصلية، وما الذي تحمله هذه الدولة من السمات الصهيونية الأولى، هل في الأمر مبالغة في الوصف، أم أن الأمر لا يتعدى مسألة التخفف من عبء مراقبة ومتابعة المتغيّرات؟
من دون مكابرة، انتصرت عقيدة “المؤامرة” الغربية، وهُزمت عقيدة “القومية” العربية. رافق الانتصار تقدّم أهله على دروب ترسيخه، فصارت إسرائيل على حافة “الدولة العظمى”، ورافقت الهزيمة أهلها العرب، فقاربوا أن يصيروا “عرباً وبادواً”. هذه حقيقة لا يفيد إنكارها، وهذه خلاصة لها محطاتها ولها شعاراتها السياسية التي رسمت دروب المحطات. تذكيراً، والتذكير مفيد، وضعت الحروب العربية الرسمية مع إسرائيل أوزارها مع اتفاق كمب ديفيد.
خروج مصر من المعادلة، كان خروجاً عربيّاً عامّاً وليس خروجاً قطرياً مصريّاً. “اتفاق أوسلو” وضع نقطة النهاية لمسيرة الكفاح المسلح، وعودة فلسطين إلى الضفة الغربية وغزّة، كانت توقيعاً على خيار اعتماد الأساليب السلمية في مرحلة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، الجديدة. شاءت السياسات وتوازناتها، مثلما شاء الاستعصاء المجتمعي في إسرائيل، والاستعصاء الأهلي في فلسطين، أن يقتل صاحب التوقيع الإسرائيلي الأول، إسحاق رابين، وأن يقتل صاحب التوقيع الفلسطيني الأول، ياسر عرفات… وعليه حصل انقلابان، فانقلب المشهد معهما: انقلاب اليمين الإسرائيلي، بقيادة حزب الليكود على مسار حزب العمل المؤسس للكيان، وانقلاب الإسلام السياسي الفلسطيني في غزّة، على ما حققه قائد الثورة الفلسطينية “أبو عمّار”.
لكن، وفي إزاء التدهور الذي ما زال طابعاً يحكم مسار الصراع العربي الإسرائيلي، والفلسطيني الإسرائيلي، لا بديل من التذكير، أن الهدف الأساسي الإسرائيلي، الذي يسعى إلى شطب الشعب الفلسطيني من التاريخ ومن الذاكرة ومن الجغرافيا… قد فشل، ولا يبدو أنه سيصيب نجاحاً. محطات عديدة تشهد على حقيقة فشل سياسة إسرائيل الإلغائية، منذ نكبة 1948 وحتى تاريخه. كذلك لا بديل من التذكير، أن كل ديوان الحماسة العربية الذي أراد إلقاء إسرائيل في البحر، وأن كل الوعود الغيبية بزوال إسرائيل، كل ذلك، قد صار زبداً ولم يمكث إلاّ ما ينفع الشعب الفلسطيني. كخلاصاتٍ تعينه على رسم خططه وسياساته القادمة، انطلاقاً من استيعاب “الهزيمة” العربية ونتائجها واستيعاب “الكفاحية” الشعبية، وحدود حصيلتها السياسية.
الاستيعاب له مناسبة الآن، هو مناسبة الحصيلة الهامّة التي حققها المجموع العربي في الانتخابات التشريعية الإسرائيلية، وكما سبق القول، إن فحص الحاضر بأدوات نتائجه، يضع “النخبة” العربية في إسرائيل أمام مسؤولية إدارة شؤونها من موقع الاندماج وليس من موقع الانفصال، وأن تقدّم ذاتها بوسائل وأساليب قانونية، يتيحها النظام الإسرائيلي القائم.
بإيجاز، هذه مراهنة الداخل العربي، على إلغاء حقيقة الديمقراطية الإسرائيلية الإلغائية، التي ما زالت تكيل اليوم بمكيال عنصري تمييزي، في ظل سنوات حكم اليمين السياسي المتعاقبة.
من شأن الصراع في ميدان هذه القضية أن يعيد الاعتبار إلى معادلة أن أزمة الثورة الفلسطينية أنها كانت ثورة خارج أرضها، وأن القضية الفلسطينية اليوم تملك عوامل قوّة من خلال وجودها فوق أرضها. الوجود مزدوج، فهو حيث وصل اتفاق أوسلو وما تضمن من “سلطة وأرض”، وهو فوق الأرض الإسرائيلية اليوم، حيث الأقلية المتحدرة من أصول عربية. من دون مناورة كلامية، تقع على عاتق “عرب الداخل”، مسؤولية الانتباه إلى أنهم يديرون مواجهتهم “فوق أرض بيت” من طابقين، الأول المتقدم هو صفتهم الإسرائيلية وسعيهم لامتلاك كامل شروط المواطنة، والثاني “التاريخي” انتسابهم إلى أصول عربية. هدف المواجهة الثبات في الداخل، والاستدامة فوق أرضه، وبلورة الوجود في رحابه. هذا لأنه على الداخل يدور الصراع، وفيه يعاد صنع التاريخ.



