خالد العزي – سلّمت الولايات المتحدة بوتين مسودة خطة سلام قبل زيارة ويتكوف

د.خالد العزي – مناشير
في خطوة دبلوماسية هامة، تسلّم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في يناير/كانون الثاني النسخة الأخيرة من خطة السلام الخاصة بأوكرانيا التي قدمتها الولايات المتحدة، والتي كانت قيد المناقشة مع الشركاء الأوروبيين. وفقًا لمصادر نقلت عنها وكالة بلومبيرغ، تم تسليم الوثائق بشكل غير رسمي عبر كيريل ديميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي. هذه الخطة، التي كانت محط اهتمام دولي، أُعدت في وقت حساس من النزاع المستمر في أوكرانيا، مما أعطى فرصة للرئيس بوتين للتأمل في المقترح الأمريكي قبل وصول المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس السابق دونالد ترامب، جاريد كوشنر، إلى موسكو.
من المقرر أن يصل المبعوثان إلى روسيا في 22 يناير/كانون الثاني، وهو التوقيت الذي يُحتمل أن يشهد مزيدًا من المناقشات حول مستقبل الوضع في أوكرانيا. يشير الكرملين إلى أن هذه الخطة تعتبر “خطوة مهمة إلى الأمام”، وهو ما يعكس اهتمامًا إيجابيًا، لكن في الوقت نفسه، تشير الوكالة إلى أن العديد من القضايا التي تعتبر جوهرية بالنسبة للجانب الروسي لم تُدرج في الخطة بعد المباحثات التي جرت بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وأوروبا.
المواقف الروسية وتطلعاتها:
من خلال تسلّم الخطة الأمريكية، أتيحت لبوتين فرصة لتحضير ردّه الرسمي، الذي يتوقع أن يكون محملاً بشروط واضحة من قبله. أبرز هذه القضايا هي اعتراف روسيا بشبه جزيرة القرم وجمهوريات دونيتسك ولوهانسك الشعبية، إضافة إلى مناطق زابوروجيا وخيرسون كأراضٍ روسية. يبدو أن بوتين لم يتخلَّ عن هذه المطالب التي تعتبر بالنسبة لروسيا خطوطًا حمراء لا يمكن تجاوزها. وفي حين أن هناك انفتاحًا من الجانب الروسي على تقديم تنازلات “محدودة”، إلا أن القضايا المتعلقة بسيادة الأراضي تحتل المرتبة الأولى في أجندته.
وبحسب مصادر مطّلعة، فقد أكّد بوتين على ضرورة أن يتم تضمين ضمانات واضحة في أي خطة سلام تتعلق بعدم توسع حلف الناتو في الشرق، وهي مسألة حساسة جدًا بالنسبة لروسيا. علاوة على ذلك، لا يزال الكرملين متمسكًا بضرورة رفع العقوبات المفروضة على روسيا بشكل كامل كجزء من أي اتفاق مستقبلي. كما لا يزال الملف اللغوي في أوكرانيا يشكل نقطة خلاف رئيسية، حيث يُصر الجانب الروسي على تحديد وضع اللغة الروسية في البلاد بشكل يضمن حقوق الناطقين بها في المناطق التي تسيطر عليها روسيا.
الموقف الأوكراني:
في المقابل، يبقى الموقف الأوكراني حاسمًا في سياق هذه الخطة. أوكرانيا، التي تعتبر استعادة الأراضي المحتلة من قبل روسيا إحدى أولوياتها، تُصر على أن أي خطة سلام يجب أن تتضمن انسحابًا كاملاً للقوات الروسية من كافة الأراضي الأوكرانية. ووفقًا للمسؤولين الأوكرانيين، لا يمكن التفاوض على سيادة أوكرانيا أو التنازل عن أي من أراضيها. منذ بداية الحرب، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مرارًا أن أوكرانيا لن تتنازل عن القرم أو عن الأراضي التي ضمّتها روسيا في 2014، بالإضافة إلى أراضي إقليم الدونباس التي كانت تحت السيطرة الروسية قبل بداية الحرب.
كما أن أوكرانيا تتطلع إلى ضمانات أمنية قوية من المجتمع الدولي، بما في ذلك حماية سيادتها وعدم السماح بتكرار العدوان الروسي. هذه الضمانات تشمل طلبات أوكرانية بانضمامها لحلف الناتو في المستقبل، وهو ما ترفضه روسيا بشدة. الموقف الأوكراني يعكس تصميمًا على الدفاع عن سيادتها، وهو ما قد يشكل عقبة كبيرة أمام أي تسوية محتملة إذا استمر الطرفان في التمسك بمواقفهم المتعارضة.
الموقف الأوروبي:
من جهة أخرى، يبدي الاتحاد الأوروبي موقفًا معقدًا تجاه خطة السلام الأمريكية. بينما يدعم الاتحاد الأوروبي السيادة الأوكرانية بشكل عام، إلا أن هناك انقسامات داخل التكتل بشأن طريقة التعامل مع الوضع الروسي. بعض الدول الأعضاء، مثل بولندا ودول البلطيق، تدعو إلى اتخاذ مواقف أكثر تشددًا ضد روسيا، ويؤكدون على ضرورة أن تشمل أي خطة سلام ضمانات قوية بعدم عودة روسيا للهيمنة على أي من الدول المجاورة. من جانب آخر، بعض الدول الأوروبية مثل فرنسا وألمانيا تميل إلى البحث عن حلول دبلوماسية تشمل العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية سياسية، وهو ما قد يتعارض مع المواقف الأوكرانية الصارمة.
كما أن قادة الاتحاد الأوروبي يدركون تمامًا أن الصراع في أوكرانيا قد يهدد الاستقرار في أوروبا بالكامل، وهو ما يجعلهم حريصين على تجنب التصعيد العسكري. ومع ذلك، يبقى الاتحاد الأوروبي ملتزمًا بدعم أوكرانيا اقتصاديًا وعسكريًا، إلا أن بعض القادة الأوروبيين بدأوا يظهرون تحوطًا بشأن تصعيد العقوبات ضد روسيا، نظرًا للآثار السلبية التي قد تترتب على الاقتصاد الأوروبي، خصوصًا في ظل الأزمات الطاقية والاقتصادية التي شهدها الاتحاد في السنوات الأخيرة.
التعديلات الروسية على خطة السلام:
في نهاية ديسمبر/كانون الأول، أفادت وكالة بلومبيرغ بأن روسيا قد تطالب بتعديلات جوهرية على الخطة الأمريكية، خصوصًا فيما يتعلق بالضمانات الأمنية المتعلقة بناتو، ورفع العقوبات، بالإضافة إلى وضع اللغة الروسية في أوكرانيا. وبالرغم من أن وزارة الخارجية الروسية قد نفت هذا التقرير واعتبرته “مُزيّفًا”، إلا أن المعطيات تشير إلى أن هذه المطالب ستظل حجر الزاوية في أي نقاشات أو مفاوضات مستقبلية.
يشير الخبراء إلى أن روسيا قد تستخدم هذه المطالب كجزء من تكتيكها للضغط على الغرب لتقديم مزيد من التنازلات. من ناحية أخرى، يرى البعض أن هذه المطالب هي مجرد وسائل لكسب الوقت وتعزيز الموقف الروسي في المفاوضات، حيث تركز موسكو على إظهار قوتها في الساحة الدولية.
التوقعات المستقبلية:
من المتوقع أن تتأثر مسار المفاوضات بحجم الاستعدادات السياسية والتكتيكية التي سيقدمها الطرفان قبل وأثناء زيارة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. مع استمرار الجمود العسكري على الأرض، قد تشهد الفترة المقبلة المزيد من المناقشات بين روسيا والولايات المتحدة حول مسألة الأمن الأوروبي المستقبلي وعلاقات روسيا مع أوكرانيا. كما أن الضغوط الدولية ستكون حاضرة لتوجيه الجانبين نحو حل سلمي يُنهي النزاع الطويل ويحد من التصعيد العسكري.
اذًا،تظل خطة السلام الأمريكية محورًا مهمًا في تحديد ملامح العلاقة بين روسيا وأوكرانيا في المستقبل. بالرغم من أن موسكو قد أبدت اهتمامًا إيجابيًا بالخطة، إلا أن الخلافات الجوهرية المتعلقة بالسيادة والأمن ستستمر في عرقلة أي تقدم حقيقي. مع استمرار الضغوط الدولية وتزايد الحساسيات السياسية، سيبقى المستقبل مفتوحًا على المزيد من التطورات في هذه القضية المعقدة.



