خالد العزي – دفاع أمريكا عن أوكرانيا: الصراع الداخلي حول السياسة الأمريكية تجاه موسكو

كتب د. خالد العزي في مناشير
في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا، تعمل الإدارة الأمريكية على دفع جهود السلام مع روسيا، في خطوة تهدف إلى إنهاء الصراع المستمر في البلاد. في تصريحات صحفية، أكد المندوب الأمريكي الدائم لدى حلف الناتو، ماثيو ويتاكر، أن الكرة الآن في ملعب موسكو، حيث تنتظر واشنطن رد روسيا على الحزمة المقدمة من الوثائق المتعلقة بالتسوية الأوكرانية. وقال ويتاكر لقناة فوكس نيوز إن “التسوية تقترب من أن تصبح واقعًا”، في إشارة إلى المناقشات الجارية حول خطة السلام المؤلفة من عشرين بندًا، التي تهدف إلى إنهاء القتال وتحقيق السلام الدائم في المنطقة.
رغم ذلك، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا شديدة من معارضيه داخل الولايات المتحدة، الذين يحاولون تقويض جهود البيت الأبيض في التوصل إلى اتفاق مع موسكو. ومن المعروف أن ترامب، رغم انتقاداته العديدة للسياسة الأمريكية السابقة، لم ينجح بعد في إقناع جميع الأطراف بنجاح خطته للسلام. في الوقت نفسه، تزايدت الهجمات من معارضيه السياسيين الذين يرون في هذه السياسة تنازلاً غير مقبول أمام روسيا. هذا التصعيد السياسي الداخلي يعكس تباينًا كبيرًا في الآراء حول كيفية معالجة الأزمة الأوكرانية.
مناقشات موازية وموعد التسوية القريب
في إطار هذه التطورات، تصاعدت حدة المناقشات حول دور روسيا في التسوية الأوكرانية، حيث قال المتحدث باسم الرئيس الروسي، ديمتري بيسكوف، إن موسكو ستواصل الاتصالات مع الولايات المتحدة في المستقبل القريب، لكن ليس هناك خطط لعقد محادثة بين الرئيسين بوتين وترامب في الوقت الراهن. هذه التصريحات تُظهر الموقف المتريث من روسيا، التي لا تبدو متعجلة للانخراط في مفاوضات مباشرة.
وفي الأثناء، لقيت السياسة الأمريكية الجديدة بشأن أوكرانيا دعمًا كبيرًا من بعض المسؤولين الأمريكيين، الذين أظهروا تضامنًا كاملًا في موقفهم تجاه أوكرانيا. فقد ظهر المبعوث الرئاسي الخاص، ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية ماركو روبيو في مؤتمر صحفي أمام عدسات التلفزيون، ليؤكدوا دعمهم الكامل للسياسة الأمريكية في هذا الملف. تلك اللحظة العلنية كانت بمثابة رسالة واضحة للمواطنين الأمريكيين وللعالم أجمع بأن المسؤولين في الإدارة الأمريكية يتفقون تمامًا على أولوية إنهاء الصراع في أوكرانيا عبر حلول سلمية.
تجدد الانتقادات الداخلية لسياسة ترامب
رغم محاولات الإدارة الأمريكية دفع عملية السلام قدما، فإن الرئيس ترامب يواجه انتقادات حادة من خصومه في الداخل. في تصريحات له، وصف ترامب سياسة الرئيس بايدن بأنها “مضيعة للأموال” بسبب الدعم المالي الضخم الذي قُدم لأوكرانيا في ظل الإدارة الديمقراطية السابقة. وقال ترامب في تصريحات نشرت في منتجعه بمارالاغو في فلوريدا: “لقد أنفقنا 350 مليار دولار نقدًا وأسلحة في فترة بايدن، وكان هذا تبذيرًا فاضحًا”.
ومع ذلك، لا يبدو أن ترامب مستعد للتراجع عن موقفه. وأكد أنه في سياسته الجديدة، يبيع الأسلحة لحلف الناتو الذي بدوره يرسل جزءًا منها إلى أوكرانيا، وهو ما يرى فيه خطوة نحو تعزيز القدرات الدفاعية للحلف دون تحمل تكاليف إضافية للولايات المتحدة. وأشار إلى أن “الآن نبيع صواريخ وطائرات وأفضل المعدات العسكرية”، مُؤكدًا أن هذه السياسة قد نجحت في إقناع الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي.
أزمة في شعبيته ونتائج استطلاعات الرأي
وفي خضم هذا الصراع السياسي الداخلي، لا يزال ترامب يواجه انخفاضًا في مستويات التأييد الشعبي له. وفقًا لأحدث استطلاع للرأي من معهد غالوب، بلغ مستوى تأييد ترامب 36% فقط، وهو أدنى مستوى له على الإطلاق في ولايته الثانية. ولكن، وعلى الرغم من انخفاض نسبة التأييد، أظهرت الاستطلاعات أن ترامب لا يزال يعتبر قائدًا قويًا وحاسمًا من قبل نسبة كبيرة من أنصاره.
من ناحية أخرى، يُتوقع أن تؤثر السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا بشكل كبير على الانتخابات الأمريكية المقبلة، حيث يسعى خصوم ترامب في الحزب الديمقراطي إلى استغلال هذه القضية لتوجيه ضربات سياسية له. سيتعين على ترامب، في الأشهر المقبلة، أن يثبت أن سياسته تجاه أوكرانيا هي الأنسب لمصلحة الولايات المتحدة، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 2026.
الصراع الداخلي في الولايات المتحدة: وجهات نظر مختلفة حول أوكرانيا
في ظل هذه المناقشات السياسية الحامية، يتصاعد الجدل داخل البيت الأبيض حول كيفية التعامل مع الأزمة الأوكرانية. يظل الجدل بين الجمهوريين والديمقراطيين حادًا، حيث يرى البعض في ترامب بطلًا يُنقذ أمريكا من الهدر المالي بينما يرى آخرون أن سياسته قد تعرض الأمن القومي الأمريكي للخطر.
وقد أظهر تقرير بثته شبكة NBC أن المبعوث الخاص ستيف ويتكوف يعمل بشكل منفصل عن وزير الخارجية ماركو روبيو في ملف أوكرانيا، وهو ما أثار قلق بعض الأوساط السياسية حول وحدة السياسة الخارجية الأمريكية. لكن البيت الأبيض رد على هذه التقارير بنفي وجود أي خلافات بين ويتكوف وروبيو، مؤكدًا أنهما يعملان بتنسيق تام في هذا الشأن.
لكن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأمريكية في 2027، يُتوقع أن تظل قضية أوكرانيا في صدارة الأجندة السياسية الأمريكية. وبما أن ترامب لن يكون مؤهلاً للترشح مجددًا، فإن خلفاءه المحتملين مثل ماركو روبيو وجيه دي فانس سيكونان في مرمى هجمات خصومهم السياسيين، الذين سيركزون على سياستهم تجاه أوكرانيا وأثرها على الولايات المتحدة.
تتزايد التوقعات بأن السياسة الأمريكية بشأن أوكرانيا ستظل قضية محورية في المنافسة السياسية، خاصة في ضوء التوترات المستمرة بين روسيا والغرب. كيف ستسير الأمور في الأشهر القادمة؟ يبقى أن نرى، ولكن الواضح أن السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا ستظل موضوعًا حساسًا في المستقبل القريب.



