خالد العزي – تعزيز دور الدولة المركزية السورية في مواجهة النزعات الداخلية؟

د.خالد العزي – مناشير
بعد الحوادث التي شهدتها حلب، لاسيما في حي الأشرفية وحي زايد وحي الشيخ مقصود، يبدو أن الدولة المركزية قد عززت من دورها، حيث اغتنمت الفرص التاريخية لتحقيق الحسم العسكري. كما أن الفرصة السياسية التي توافرت لها مكنت من تعزيز قدرتها على بسط سلطتها والتعامل مع الأقلية الكردية، التي تمت إعادة غالبية أفرادها إلى بيوتها بسرعة كبيرة، مع توفير الحماية لهم أثناء الاشتباكات. هذا كله ساهم في كسب ود المجموعة الإثنية الكردية التي شهدت الصراع بين الدولة المركزية والمجموعات المتمردة، إذ إن الأكراد لم يكونوا في صراع مع المكون السوري العربي، فالجميع في النهاية سوريون، وسوريا تتسع للجميع.
ولكن كما يبدو، فإن الخلافات الداخلية داخل “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية) وارتباطاتها مع إيران وقوى أخرى حالت دون التوصل إلى حل للمشاكل التي كانت تواجهها. اعتقدت “قسد” أنها قادرة على تعطيل الحلول وفرض أمر واقع بالاعتماد على الخارج، مما يظهر قصورًا في النظر السياسي وعدم القدرة على قراءة التغيرات الجيوسياسية في المنطقة والعالم. فدور “قسد” في الترتيبات القادمة يبدو غير واضح ويحتاج إلى إعادة تقييم.
التحولات داخل قسد: التحديات الداخلية والمواقف الجيوسياسية
منذ 12 عامًا، كانت “قسد” تسيطر على العديد من الأحياء، وقد شكلت شبه دولة داخل الدولة بالتنسيق مع النظام السوري السابق والميليشيات الإيرانية. فرضت “قسد” نظامها على الأغلبية الكردية التي كانت تعيش تحت سيطرتها، ومنعت التعددية الحزبية، واعتقلت المعارضين، وفتحت السجون، ونفت العديد منهم. كما جندت عناصر عسكرية بسبب البطالة، وموّلت ارتباطاتها من النفط السوري. لكن لم يتم تنفيذ أي مشروع داخلي يفتخر به الأكراد، فلم تُبنى جسور أو مجمعات سكنية، ولم يتم توسيع شبكة الكهرباء أو ترميم الأحياء المدمرة، كما لم تُبنى مدارس أو مستشفيات. حتى مستشفى “ياسين” الذي كان يُعتبر آخر قلعة محاصرة من قبل مجموعات حزب العمال الكردستاني وجبال قنديل كان في حالة يرثى لها، مما ترك انطباعًا بالظلم والتهميش الذي مارسته “قسد” بحق الأكراد.
كانت “قسد” فقط ترفع الشعارات التي تمجد قادة حزب العمال الكردستاني (قنديل) وتضعهم في مرتبة شبه إلهية، مما استفز حتى الأكراد أنفسهم. من جهة أخرى، كانت “قسد” تبني الأنفاق وتشكل “دولة تحت الدولة”، استعدادًا للحرب وتجميع المقاتلين والفلول من النظام السابق. هذا الوضع أدى إلى أزمة داخلية واضحة، حيث بدأت “قسد” تفقد ثقة الأكراد الذين شعروا أنهم ليسوا جزءًا من مشروع قنديل، بل هم جزء من الشعب السوري الذي ينتمي إلى دولة تحميهم وتدافع عن حقوقهم.
المواطنة والتعددية: الطريق إلى سوريا متجددة
في مقارنة مع مناطق الأكراد في سوريا، حيث تمارس “قسد” الحكم الذاتي، نجد أن هناك تهميشًا لفرص الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية مقارنة مع إقليم كردستان العراق أو تركيا. حيث ضيعت “قسد” فرصًا كبيرة، وحوّلت أموال السوريين، بما فيهم الأكراد، من إنتاجات النفط إلى مشاريع خاصة لقادة “قسد”، مما قد يؤدي إلى دفع ثمن باهظ في المستقبل إذا لم تتمكن من قراءة التغيرات الجديدة في المنطقة. الحل يكمن في العودة إلى مبادئ القائد عبد الله أوجلان، بالابتعاد عن السلاح، وتأكيد العلاقات مع المكونات الأخرى في سوريا، والانخراط في الدول القائمة كمواطنين سوريين، وليس ككتل تمارس الزعزعة وعدم الاستقرار.
المواطنة المتساوية: أساس بناء دولة سورية موحدة
تسعى الدولة المركزية إلى تعزيز سلطتها وبسط نفوذها، لكن التحديات التي تواجهها، خصوصًا في التعامل مع المكونات الإثنية المختلفة، تظل قضية محورية. تبرز في هذا السياق أهمية التغيير الجيوسياسي الذي يحدث في المنطقة، والذي لا يمكن تجاهله من قبل أي طرف يسعى إلى بناء مستقبل مستقر. فالوضع الحالي يستدعي من جميع الأطراف، سواء الدولة المركزية أو القوى المحلية مثل “قسد”، أن تعيد النظر في رؤاها السياسية وتتوجه نحو حل شامل يعزز الوحدة الوطنية ويعترف بتنوع مكونات المجتمع السوري.
يجب أن تكون العلاقة بين الدولة المركزية والمكونات المختلفة، بما في ذلك الأكراد، قائمة على أسس المواطنة المتساوية. المواطنة ليست مجرد علاقة قانونية بين الفرد والدولة، بل هي أساس لحياة اجتماعية عادلة تُعترف فيها حقوق جميع الأفراد والمجموعات الإثنية. إن المواطنين الأكراد، مثلهم مثل باقي السوريين، لديهم الحق الكامل في أن يُعاملوا على قدم المساواة وأن يُمنحوا الفرص الكافية للمشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. سوريا يجب أن تكون وطنًا للجميع، حيث يُحترم التنوع الثقافي والديني والعرقي، ويُحتفى بالاختلافات لا أن تُستغل لتقسيم المجتمع.
التعددية والمشاركة السياسية: الطريق إلى استقرار سوريا الشامل؟؟؟
إن الاعتراف بالتعددية الحزبية، والحريات السياسية، والمشاركة الفاعلة لجميع المكونات السورية في صنع القرار، هو الطريق الصحيح لبناء دولة وطنية حقيقية. وعليه، فإن مكونات المجتمع السوري، بما في ذلك الأكراد، يجب أن تشارك في بناء مستقبل البلاد على أساس المواطنة المتساوية، وليس من خلال مشاريع خاصة قد تضر بالاستقرار الوطني. إن الأكراد في سوريا هم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، الثقافي والسياسي، ولا بد من إعطائهم حقوقهم كاملة كمواطنين سوريين لهم الحق في اختيار مستقبلهم ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.
كما أن القضايا المتعلقة بالمشاركة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي يجب أن تُعطى الأولوية في المرحلة القادمة. الأكراد الذين يقطنون في المناطق الخاضعة لسيطرة “قسد”، على سبيل المثال، يعانون من غياب المشاريع التنموية الحقيقية التي تعزز من مستوى الحياة الاقتصادية والاجتماعية. إذا كانت “قسد” قد أخفقت في استثمار مواردها بشكل يخدم التنمية المستدامة وتحسين الظروف المعيشية، فإن الفرصة لا تزال قائمة أمام الدولة السورية لتفعيل مشاريع تنموية تشمل كافة المكونات، وخاصة الأكراد، بهدف تحسين الحياة اليومية وتوفير فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة في سوريا ستشهد تحولًا في العلاقات بين المكونات السورية والدولة المركزية. سيكون على الدولة السورية أن تضع في اعتبارها أولويات المواطنة والمساواة بين جميع فئات الشعب السوري. فالمستقبل يتطلب تضافر الجهود لبناء وطن يعكس حقيقة تنوعه العرقي والديني، ويحقق العدالة الاجتماعية لجميع مواطنيه.
إذا كانت “قسد” قد أهدرت العديد من الفرص في الماضي، فإنها اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تواكب التغيير وتدرك أن الحلول السياسية الداخلية هي التي تضمن مستقبلاً أفضل للأكراد في سوريا، أو أن تستمر في الاستقواء بالخارج وتفويت الفرص التي قد تؤدي إلى تحول عميق في الواقع السوري. وفي النهاية، تبقى سوريا وطنًا مشتركًا لجميع أبنائها، الذين يجب أن يتحدوا لتحقيق الاستقرار والأمن والرفاهية في ظل مواطنة حقيقية وتعددية تعزز من الوحدة الوطنية.
أخيرًا، على “قسد” أن تدرك أن عدم قراءة التغييرات السياسية بجدية قد يؤدي إلى تركها لمصيرها دون أي نتائج. فقد كان الاتفاق السابق الذي تم منعه من التنفيذ هذا العام، هو آخر فرصة لها. في المستقبل، ستضع الحكومة السورية الاتفاق الجديد بنفسها، لأن “قسد” قد ألغت فعليًا اتفاقات مارس السابقة لعدم استيعابها للتغيرات السياسية في المنطقة. ظنت “قسد” أنها لا تزال تلعب دورًا مهمًا في عيون الخارج، لكنها في الواقع باتت في موقف صعب يتطلب منها إعادة النظر في مواقفها وتوجهاتها السياسية.



