خبر عاجلسياسة

حرب ترامب – نتنياهو: القضاء على الإسلام بوابة لمحو الخارطة العربية والاسلامية

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

حرب ترامب – نتنياهو: القضاء على الإسلام بوابة لمحو الخارطة العربية والاسلامية

جميل الحسيني
تصاعدت في الآونة الأخيرة نبرة الخطاب السياسي الإسرائيلي والأمريكي لتتجاوز حدود الأمن التقليدي وصولاً إلى طرح رؤى إستراتيجية وعقائدية تعيد رسم خارطة المنطقة بشكل جذري بناءً على خلفيات يراد لها التظلّل بنظرية “صراع الأديان”، ويكفي لإدراك ذلك أن نتابع إمعان الدول الغربية في اجراءاتها لمنع وتجريم كل ما له علاقة بالاسلام اسماً وشكلاً ومضموناً.

وربطاً بالحرب الدائرة اليوم على جبهتي إيران ولبنان فإن المعركة لا تبدو مجرد مواجهة عسكرية محدودة بل أصبحت – وفق تصريحات بنيامين نتنياهو ومسؤولي الإدارة الأمريكية وبالأخص وزير الحرب بيت هيغسيث – معركة تهدف إلى تغيير هوية الشرق الأوسط وتوسيع حدود “دولة إسرائيل” لتتماشى مع مرويات تاريخية وتلمودية في اتجاهين، الاول: تكريس حق يهودي مزعوم، والثاني: إبادة الإسلام والمسلمين.

تحدث بنيامين نتنياهو صراحةً عن محور جديد يجري تشكيله في الشرق الاوسط بدعم أمريكي – أوروبي يضم الهند ومعظم الدول العربية في الخليج واليونان وقبرص وبعض الدول الافريقية، ومهمة هذا الحلف مواجهة المحور السنّي (المتطرّف) الذي يضم وفق التصنيف الاسرائيلي كلاً من تركيا وسوريا والعراق والسعودية وصولاً الى باكستان، وهنا لا بد من الاشارة الى الاستعدادات العسكرية الاوروبية التي تتدفق الى الجانب اليوناني من جزيرة قبرص، والتي سيأتي دورها بإدارة ومشاركة أمريكية – إسرائيلية في إزالة هذا المحور بعد القضاء على “المحور الشيعي” المتمثل بإيران وأذرعها في لبنان والعراق واليمن وفق التوصيف الأمريكي.

وفي قراءة للأبعاد الجيوسياسية والعقائدية لهذه التصريحات نتلمس عمق المخاطر الوجودية التي تواجه المنطقة، حيث نجد تقاطعاً خطيراً بين الرغبة في الهيمنة الجيوسياسية وبين النبوءات الدينية، وأبرزها إعلان نتنياهو حول ضرورة تغيير وجه الشرق الأوسط الذي لا ينفصل عن الرؤية التي يروج لها السفير الأمريكي في تل أبيب مايك هاكابي، الذي طالما اعتبر أن الضفة الغربية هي “يهودا والسامرة” وأن حرمان اليهود منها كان “خطأً تاريخياً”.

هاكابي هذا قال بكل وضوح في مقابلة أجراها مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون إنه “لا يرى مانعاً من استيلاء إسرائيل على منطقة الشرق الأوسط”، مؤكداً أن “هذه المنطقة التي نتحدث عنها الآن (إسرائيل)، هي أرض أعطاها الرب من خلال إبراهيم لشعب اختاره”!! وإذا ما أردنا استكشاف حدود “هذه المنطقة” لوجدنا انها تضم: فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق والسعودية وأجزاء واسعة من مصر.

هذا التوجّه الاستعماري تعزّز بمباركة مباشرة من دونالد ترامب، الذي صرح علانية بأن مساحة إسرائيل “صغيرة” ويجب توسيعها، ومن الواضح أن هذا الخطاب يمهّد الطريق للانتقال من مشروع “الدولة القومية لليهود” إلى مفهوم “الإمبراطورية التوسعية” التي لا تقف عند حدود معترف بها، بل تعتمد “الحدود التلمودية” مرجعية جغرافية، مما يعني عملياً قضم المزيد من الأراضي العربية والاسلامية.

والخطورة في تصريحات نتنياهو لا تقف عند البعد الجغرافي بل تتجاوزه لتصل إلى البعد المذهبي والديني. فالحديث عن استهداف “الإسلام الشيعي” كخطوة أولى يتبعها “الإسلام السني” يعكس إستراتيجية الاستهداف الممنهج فضلاً عن اعتماد مبدأ “فرق تسد” في أبشع صوره، والهدف هنا ليس القضاء على نظام سياسي بعينه، بل تفكيك وإضعاف الكتلة الإسلامية الكبرى عبر استنزاف مكوّناتها سواء في صراعات بينية أو حروب استئصالية لكل منها، ما يضمن لإسرائيل السيادة المطلقة كقوة وحيدة مهيمنة في المنطقة وسط محيط من الكيانات الضعيفة والمفككة.

إن المشروع الصهيوني يمثّل تهديداً وجودياً مباشراً للعرب والمسلمين، وإذا ما أردنا رؤية المشهد لجهة مخاطره الكارثية على كيانية المنظومة العربية والإسلامية نجد أننا أمام مشروع إحلالي لا يستثني أحداً، حيث إن “إسرائيل الكبرى” ليست مجرد دعاية سياسية مغلّفة بشعارات دينية، بل هي خطة عمل تقتضي إلغاء السيادة الوطنية للدول المحيطة، والمشروع الذي يتحدث عنه نتنياهو المتماهي مع جموح ترامب الهمايوني لا يميّز بين مذهب وآخر إلا من باب ترتيب الأولويات، فالقضاء على قوة إقليمية (مثل إيران أو حركات المقاومة) ليس إلا تمهيداً للانفراد ببقية الدول العربية السنّية، ولا سيما تركيا والسعودية وباكستان، والتي ستجد نفسها لاحقاً أمام خيارين: إما التبعية المطلقة أو القضم الجغرافي تحت حجج “الأمن الإسرائيلي” أو “الحقوق التاريخية”، وفي خلفية المشروع أمريكياً فتح الطريق أمام الممر الهندي والقضاء على مبادرة “الحزام والطريق” وتطويع روسيا والصين.

هنا تبرز محورية الدور الذي تؤديه جبهات المقاومة وإيران في الوقت الراهن، فإن المواجهة العسكرية الحالية ليست “مغامرة” أو “بحثاً عن نفوذ” كما تصوّرها الأبواق المبرمجة في الزواريب اللبنانية الضيقة، بقدر ما هي حرب دفاعية استباقية لاسقاط المشروع الأمريكي-الإسرائيلي الذي لو قُدّر له أن يمر دون مقاومة، لكانت خريطة “إسرائيل الكبرى” قد فُرضت كأمر واقع من النيل إلى الفرات.

إن المقاومة اليوم تمنع تحويل العواصم العربية إلى مجرد “كانتونات” تابعة للإدارة الإسرائيلية، كما أن صمود غزة ولبنان هو الذي يمنع نتنياهو وترامب من إعلان نهاية ما يسمّى “حل الدولتين” والبدء في الضم الشامل للضفة والقدس وما بعدها.
وبالتالي يجب على الوعي العربي والإسلامي أن يدرك خلفيات “فزاعة” الصراع المذهبي ويعلم أنها الأداة التي تستخدمها واشنطن وتل أبيب لتمرير مشروع الهيمنة، فعندما يتحدث نتنياهو عن ضرب الشيعة ثم السنّة، فهو يعلن صراحة أن العدو هو “الإنسان العربي والمسلم” بغض النظر عن انتمائه الطائفي. لذا، فإن التكاتف خلف خيار المواجهة هو المسار الوحيد لحماية الأمن القومي العربي من الزوال.

إن العرب والمسلمين اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة؛ فإما أن تنجح المنطقة في كسر إرادة التوسع الصهيوأمريكي أو نجد أنفسنا أمام خارطة جديدة تُمحى فيها دول وتُطمس فيها هويات.
من هنا، فإن المعركة القائمة اليوم على جبهتي إيران وجنوب لبنان تشكّل “المانع الأخير” الذي يحول دون تحويل الحلم التوراتي التوسعي إلى كابوس يعيشه كل العرب والمسلمين، وإذا ما تحقق النصر في هذه المعركة فسوف يعمّ الأمن والاستقرار لأمد طويل، أما إذا انتصر حلف نتنياهو – ترامب فلنتحضر لمحو الخارطة العربية والاسلامية وتحوّل بلدانها إلى كانتونات ومزارع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى