تقدير إسرا/ئيلي: “حزب/ الله” يغيّر عقيدته

مناشير
رأى مركز “ألما” الإسرائيلي أن “حزب الله”، رغم الأضرار غير المسبوقة التي لحقت بقياداته وعناصره وبنيته العسكرية، لم يُهزم ولم يتخلَّ عن أهدافه، بل دخل مرحلة انتقالية يعيد خلالها بناء قدراته وفق نموذج قتالي جديد يتناسب مع الواقع الميداني في لبنان والمنطقة.
وبحسب تقدير أعدّه الباحث تال بئيري، لم يعد نموذج القوة الذي امتلكه الحزب عشية 7 تشرين الأول 2023 قائماً بصورته السابقة. فخطة الاجتياح الواسع للسيطرة على مناطق في الجليل تعطّلت، والمنظومة الدفاعية التي أقامها جنوب الليطاني وعلى طول خط التماس تضررت بشدة، فيما لم تعد ترسانة الحزب تسمح بتنفيذ خطة نارية تقوم على إطلاق آلاف الصواريخ يومياً لفترة طويلة.
ويرى التقرير أن الحزب يتجه تدريجياً نحو حرب طويلة ومنخفضة الوتيرة، تعتمد على خلايا صغيرة ومستقلة، وعمليات تسلل موضعية، وعبوات ناسفة، ومسيّرات، إلى جانب إطلاق صاروخي متفرق من مناطق متعددة، بهدف الحفاظ على استمرارية القتال وإظهار قدرته على العمل رغم الخسائر والضغوط.
ويقدّر المركز أن “حزب الله” يمتلك حالياً بين 10,000 و15,000 صاروخ من مديات مختلفة. وعلى الرغم من أن هذه الكمية لا تسمح بإطلاق آلاف المقذوفات يومياً، فإنها لا تزال تتيح للحزب تنفيذ رشقات متفرقة ضد أهداف ومناطق إسرائيلية متعددة.
أما على مستوى العنصر البشري، فيقدّر التقرير أن عدد عناصر الحزب النظاميين بات أقل من 40,000، إلى جانب عشرات الآلاف من عناصر الاحتياط والمجندين عند الحاجة. ويقول إن الجيش الإسرائيلي قتل نحو 10,000 عنصر من النظاميين والاحتياط، مشيراً إلى أن الخسائر لم تكن عددية فقط، بل شملت قادة ومدربين وخبراء تقنيين وأصحاب معرفة متخصصة، ما يعرقل إعادة بناء المنظومات المعقدة.
ويضع الحزب، وفق التقدير، المسيّرات في صدارة أولويات إعادة البناء، ولا سيما طائرات FPV التي تتميز بانخفاض كلفتها وقدرتها على التحليق على ارتفاعات منخفضة واستهداف القوات والآليات والمواقع. كما يمكن للمسيّرات الموجهة عبر الألياف الضوئية العمل من دون اتصالات لاسلكية تقليدية، ما يجعلها أكثر مقاومة للتشويش والحرب الإلكترونية.
لكن تطوير هذا السلاح يواجه بدوره عقبات، أبرزها نقص المشغّلين المدرّبين وصعوبة استخدام المسيّرات ليلاً أو في المناطق الجبلية ومن دون نظام GPS، ما قد يجعل نمو هذه القدرات تدريجياً وغير سريع.
وفي جنوب لبنان، يحدد التقرير 3 سيناريوهات رئيسية للتهديد داخل المنطقة الأمنية التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. الأول يتمثل في وجود عناصر من الحزب بقوا محاصرين أو مختبئين داخل أنفاق ومنازل وأراضٍ وعرة بعد تقدم القوات الإسرائيلية، ويمكنهم إطلاق النار أو زرع عبوات خلال عمليات التمشيط.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في محاولات إدخال خلايا صغيرة إلى المنطقة الأمنية لمراقبة تحركات القوات، وتحديد نقاط ضعفها، وزرع العبوات أو تنفيذ هجمات قصيرة المدى، قبل الانسحاب أو الاختباء داخل المناطق المدنية.
ويتعلق السيناريو الثالث بالبنية العسكرية المتبقية في المنطقة، بما تتضمنه من أسلحة وألغام وعبوات ومخازن ومنشآت فوق الأرض وتحتها، قد يكون بعضها مفخخاً. ويشير التقرير في هذا السياق إلى مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 4 آخرين بانفجار عبوة داخل مبنى في بلدة مجدل زون في 5 آب، من دون حسم ما إذا كانت العبوة قد زُرعت حديثاً أو كانت موجودة مسبقاً.
ويعتبر المركز أن الحزب لم يعد قادراً على استخدام منظوماته الاستراتيجية، مثل الصواريخ الدقيقة وصواريخ كروز والصواريخ الساحلية، بالفعالية نفسها التي كان يطمح إليها، نظراً إلى حاجتها لخبراء وسلاسل إمداد وصيانة معقدة. لكنه يتوقع أن تحاول إيران والحزب ترميم جزء من هذه القدرات، ولا سيما تلك القادرة على تهديد أهداف إسرائيلية عالية القيمة.
وتواجه عملية إعادة البناء أيضاً قيوداً داخل لبنان وسوريا. فالتدقيق في المطار والمرافئ ازداد، فيما أدى سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 إلى إنهاء الممر البري الذي كان يعمل تحت سيطرة نظام حليف لإيران. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن محاولات التهريب عبر سوريا لم تتوقف، بل باتت تعتمد على طرق محلية وأنفاق وشبكات إجرامية وعشائرية.
ويشير التقدير إلى استمرار النفوذ الإيراني في قرارات الحزب وعمليات التسلح وبناء القوة، عبر عناصر “فيلق لبنان” في قوة القدس. كما يقدّر أن الوجود الإيراني المباشر يتركز في بيروت والبقاع، من دون وجود عملياتي إيراني جنوب الليطاني في المرحلة الحالية.
وخلاصة التقرير أن الخطر الذي يمثله “حزب الله” لم يختفِ، بل تبدّلت طبيعته: من قوة كبيرة تعتمد خطط الاجتياح والنيران الكثيفة والمنشآت الثابتة، إلى قوة أكثر تشتتاً ومرونة تعتمد الاستنزاف والمسيّرات والعبوات والتسلل والعمليات السرية، بما قد يحوّل جنوب لبنان إلى ساحة حرب عصابات طويلة الأمد



