خبر عاجلسياسةمقالات

بين حرية التعبير وتبييض العمالة: انزلاق خطير في الوعي الوطني – أسامة القادري

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

بين حرية التعبير وتبييض عمالة سعد حداد: انزلاق خطير في الوعي الوطني

أسامة القادري
لم يعد الجدل الدائر حول الترحّم على سعد حداد مجرّد سجال عابر على وسائل التواصل أو اختلاف في وجهات النظر، بل تحوّل إلى مؤشر مقلق على انزلاق في الوعي الوطني، ومحاولة لإعادة صياغة مفاهيم كانت حتى وقت قريب خارج دائرة النقاش.
ما كتبه آلان سركيس الصحافي المحسوب على حزب القوات اللبنانية، ليس تفصيلاً. فحين تُوجَّه بالتحية إلى شخصية ارتبط اسمها مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي، حين انشأت اسرائيل جيش لبنان الجنوبي ونصبت سعد حداد قائدا عليه، وبعده تولى أنطوان لحد قيادته، هنا المسألة تتجاوز حدود “الرأي” لتلامس جوهر الانتماء الوطني ومعايير الحكم على التاريخ. هنا، لا يعود السؤال: هل نختلف في السياسة؟ بل: هل نختلف على تعريف العمالة نفسها؟
إن استحضار هذه الشخصيات في سياق إيجابي، ولو تحت عناوين إنسانية أو عاطفية، يشكّل عملياً محاولة لتبييض صفحة مرحلة سوداء من تاريخ لبنان، مرحلة لم تكن مجرد خلاف سياسي، بل زمن احتلال بكل ما تحمله الكلمة من معنى. يكفي التذكير بـ اجتياح لبنان 1982، وما فعله الاحتلال بالعاصمة بيروت، وما تبعه من سنوات طويلة من السيطرة العسكرية، والاعتقالات، والتهجير، والانتهاكات التي لا تزال حاضرة في ذاكرة اللبنانيين، خصوصاً في الجنوب.
في هذا السياق، يصبح الترحّم أو الإشادة أكثر من مجرد تعبير فردي؛ يتحوّل إلى فعل رمزي يعيد طرح سؤال: هل يمكن تحويل العمالة إلى وجهة نظر؟ وهل يمكن، تحت شعار حرية التعبير، إعادة تأهيل رموز ارتبطت بمشروع الاحتلال؟
البعض يحاول تقديم هذه المواقف على أنها جزء من معركة سياسية داخلية، كرد على حزب الله المرتبط بإيران ليجيز للطرف الآخر الارتباط بإسرائيل، واعتباره واقع سياسي قائم، بهدف “كسر المحرّمات”. لكن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أساسية: هناك فرق جوهري بين نقد قوة سياسية داخلية، وبين إعادة النظر في بديهيات تتعلّق بالسيادة والعدو والاحتلال.
القانون اللبناني، بصرف النظر عن طريقة تطبيقه، واضح في تجريم التعامل مع العدو. لكن الأخطر من النصوص هو ما يسبقها: التحوّل في الخطاب. فعندما يصبح تمجيد المتعاملين قابلاً للنقاش، نكون قد انتقلنا من خرق القانون إلى محاولة إعادة تعريفه.
المشكلة لا تكمن فقط في تصريح هنا أو تغريدة هناك، بل في المسار الذي قد يقود إليه هذا النوع من الخطاب. فالتاريخ لا يُعاد كتابته دفعة واحدة، بل عبر خطوات صغيرة تبدأ بتطبيع ما كان مرفوضاً، وتنتهي بإعادة تقديمه كوجهة نظر مشروعة.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن لبنان بلد الحريات، وأن تقييد التعبير يحمل مخاطر جدية. لكن الحرية، في أي مجتمع، لا تنفصل عن المسؤولية، ولا يمكن أن تتحوّل إلى غطاء لإعادة تلميع صفحات مرتبطة بالاحتلال أو المسّ بذاكرة الضحايا.
في النهاية، القضية ليست شخصية، ولا سياسية بالمعنى الضيق، بل هي مسألة تتعلّق بحدود ما يمكن للمجتمع أن يقبله كجزء من نقاشه العام.
فإمّا أن تبقى العمالة خطاً أحمر لا يُمسّ، وإمّا أن تنزلق الى الحضيض وتصبح مجرد رأي بين آراء، تهدد الهوية الوطنية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى