بين البيت والمقاومة: حكاية أبو عرب وذكريات عيثرون – خالد العزي

د. خالد العزي
في لحظة مفاجئة، تلقيت خبرًا مؤلمًا عن بيت صديقي، أبو عرب محمد عواضة، الذي طالما كان مصدر فخر واعتزاز له. هذا البيت الذي بناه بيديه، وبتعبه وعزيمته، منذ عام 2000 في قريته عيثرون. كان حلمًا تحقق بعد سنوات من الجهد والعمل الشاق، حيث حاول أن يحقق أمنية حياته: بناء بيت له في أرضه، متحديًا الظروف الصعبة والضغوط التي عاشها جراء الحرب. لكن اليوم، وفي 23 أبريل 2026، فوجئت بخبر هدم البيت، مع صورة جوية تبرز حجم الخراب. الألم كان كبيرًا وكأنما فاجعة جديدة ضربت في عمقنا، وكأننا فقدنا جزءًا من أنفسنا.
هذه اللحظة جعلتني أسترجع كل الذكريات التي كانت مرتبطة بهذا البيت. قبل أن ألتقي بمحمد، كان هو من عيثرون، وأنا من بلدة أرنون. لكن العلاقات الرفاقية والجيرة جمعتنا، حيث بدأنا نعرف بعضنا البعض، وتوطدت صداقتنا. رغم الصعوبات، كان محمد قد ترك الدراسة وحمل السلاح، لينقض عليه المعتقل في أنصار، ليعود بعد فترة من الأسر. ورغم الظروف القاسية، كانت علاقتنا تتغير بمرور الوقت بسبب الحرب، ولكن لم يمنع ذلك من أن أذهب إلى عيثرون عدة مرات. أصبح لدي شرف زيارة أبو عرب في بيته في عيثرون. كنا نجلس في الحديقة التي بناها بيديه، نشرب الشاي، ونتحدث عن حياتنا. في بعض الأحيان، كنا نأكل معًا علب السردين التي كان يفضلها.
شجرة الأرز: رمز الصمود في قلب عيثرون
في إحدى الزيارات، كان فادي الشامات، صديقنا المشترك من البترون ، قد جلب له هدية مميزة، وهي شجرة أرز. كان أبو عرب مبسوطًا للغاية، فالأرز اللبناني ليس مجرد شجرة بالنسبة له، بل هو رمز للهوية الوطنية والمقاومة. كان يحاول أن يزرع هذه الشجرة في حديقته كرمز من رموز الصمود في عيثرون والقرى المجاورة. لكن للأسف، ماتت الشجرة بسبب الحرب. وفي تلك اللحظة، قلت له: “فادي سيجلب لك من سيدة أريج عدة شجيرات لكي تزرعها، وهذه ستكون الحامية.”
ورغم محاولات محمد المستمرة لإكمال بناء بيته، كانت قلة المال والعمل تحدّ من قدرته على تحقيق حلمه بشكل كامل. ومع ذلك، كان هو وزوجته المناضلة يواصلان العمل بجد، يوفّران ما يمكنهما من أموال حتى يكملوا بعض الأعمال المعمارية المكلفة. ولكن في كل مرة كنت ألتقيه، كان يظهر لي حبّه للأرض والبيئة، فيزرع البندورة البعلية أو الثين البعلي، ثم يقدمها لي بابتسامة فخور.
حب الأرض: دروس من محمد في العناية بالأرض والمستقبل
عندما نتواصل كان محمد يقول لي: “الأرض حمراء جافة بدون ماء، تموت الشجرات، حرام!” كان يرى في شجرة الأرز، كما في حياته، شيئًا يرمز إلى المقاومة والصمود أمام الظروف القاسية. وفي كل مرة ألتقيه، كنت أسأله عن خطط المستقبل. وعندما نتفق على شيء، كان يجيبني: “أنا في عيثرون الأحد المقبل، سأصل إليك عبر وادي السلوقي، ثم أتصل بك.”
اليوم، بعد أن هدم بيت أبو عرب، لا يسعني إلا أن أتأمل في معنى البيت بالنسبة له، ولنا جميعًا. بيوت الناس ليست مجرد جدران وأسقف، بل هي تاريخ طويل من الصبر والتضحية. هذه البيوت تمثل الأحلام التي نُسجت في أوقات عصيبة، وتروي قصص من كدّوا وبذلوا حياتهم لتأسيس وطنهم. ومن هنا، نعلم أن هذه البيوت ليست فقط من طين ولبن، بل هي جزء من الذاكرة الثقافية التي نحملها في أعماقنا. هي سجلات الحياة والمقاومة، التي لا يمكن لأي قوة محوها أو تدميرها.
محمد، رغم كل الصعاب التي واجهها، يبقى رمزًا للصمود. لم يكن بيته مجرد مكان للسكن، بل كان قلبًا ينبض بالأمل في مواجهة الواقع. ورغم كل ما حدث، يبقى البيت في عيثرون جزءًا من قصة طويلة من النضال والمقاومة، تتنقل بين الأجيال، لتكتب سيرة من الذكريات التي لن تمحى.
البيوت التي نبنيها ليست مجرد مسكن، بل هي عبارة عن أرواحنا وأحلامنا التي نسعى لتحقيقها في هذا العالم. سواء كان في عيثرون أو في أي مكان آخر، فإن بيوتنا تبقى شاهدًا على تاريخنا، وذاكرتنا، ومقاومتنا التي لا تنكسر.
بين البيت والمقاومة: حكاية أبو عرب وذكريات عيثرون
هل باتت البيوت أحلامًا من الذاكرة التي يصعب إعادة ترميمها؟ بيوتنا ليست فداءً لأحد كما يتبجح الكثيرون. بيوتنا هي تعبنا الذي بنيناه كما نبني أحلامنا منذ الطفولة، ونحاول أن نهديها لأبنائنا وأحفادنا، لتكتب سيرة من الذكريات الشفوية لدى الأجيال المتوارثة على هذه الأرض. إذن، بيوتنا ليست من طين ولبن، بل هي ذكرياتنا التي تورثناها من الآباء والأجداد، لتكون الذاكرة الثقافية التي تبنى وتربى الأجيال داخلها على حب الوطن، وتقديم الدماء لهذه الأرض التي ارتبطت بذكرياتنا، من أجل إخلاص السعي كبشر.
رفيقي أبو عرب، المناضل الذي دائمًا يسعى للحب والحرية، لكن شقاء العمر لا يُباع نتيجة بعبقة من تلك الأشخاص الذين يضعون أهدافًا تحت تصرف أجندات الاخرين على حسابنا وحساب بيوتنا وتاريخنا. هؤلاء الذين يحاولون تجهيل ثقافتنا وطمس ذاكراتنا من أجل فلان أو فلان. هؤلاء لا يعرفون قيمة الأرض التي نحن متمسكون بها، ولا يعرفون أن البيت الذي تم بناؤه في عيثرون او اي قرية اخرى من قرى لبنان هو أكثر من مجرد جدران وأسقف، بل هو تاريخ وحلم متجذر في أعماقنا. فكل جدار، وكل زاوية في هذا البيت، هي شهادة على جهد وعرق صاحبها، هي قصة من نضال لم يكتمل بعد.



