انتكاسة ترامب تفتح نافذة للبنان… هل ينتقم دي فانس من «انقلاب» روبيو وهيغسيث ويعيد الجنوب إلى التسوية الإقليمية؟

خاص مناشير
لم تعد تداعيات الانتكاسة الانتخابية التي مُني بها دونالد ترامب والحزب الجمهوري شأناً أميركياً داخلياً فحسب، بل باتت تطرح أسئلة تتجاوز واشنطن إلى الشرق الأوسط، وخصوصاً لبنان الذي يدفع يومياً ثمن اختلال موازين القوى الإقليمية، وعجز سلطته السياسية عن التقاط التحولات الدولية والاستعداد لما يمكن أن تحمله من فرص أو مخاطر.
فالجنوب اللبناني، الذي بات أشبه بساحة مفتوحة أمام الاعتداءات الإسرائيلية، لا يزال ينتظر نتائج سبع جولات تفاوضية امتدت من واشنطن إلى روما وتامبا في فلوريدا، من دون أن تنجح في وقف آلة التدمير أو وضع حد لاستباحة القرى والبلدات. وفي المقابل، تبدو السلطة في بيروت وكأنها تتعامل مع المسار التفاوضي باعتباره أمراً منفصلاً عن التحولات الكبرى التي ترسمها واشنطن، فيما قد تكون هذه التحولات تحديداً مفتاحاً لإعادة النظر في موقع لبنان على طاولة التسويات.
الانقسام داخل إدارة ترامب… من يقرر الحرب ومن يملك قرار التسوية؟
لفهم ما يمكن أن تحمله نتائج الانتخابات الأميركية للبنان، لا بد من العودة إلى الانقسام الذي رافق إدارة ترامب حيال التعامل مع إيران والمنطقة. فمن جهة، برز نائب الرئيس جي دي فانس بوصفه أحد أبرز الداعمين للمسار الدبلوماسي، والأكثر ميلاً إلى تجنّب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. ومن جهة أخرى، دفع الجناح المتشدد، الذي يتقدمه وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث، باتجاه مقاربة أكثر صدامية، تقوم على ممارسة أقصى الضغوط على طهران، بالتنسيق مع إسرائيل.
وفي قلب هذا التباين، برزت ما عُرفت بـ«مذكرة إسلام آباد»، التي تضمنت، وفق الرواية الواردة في هذا المسار، بنداً أول يدعو إلى وقف الحروب والأعمال العدائية على مختلف الجبهات، مع ورود اسم لبنان ثلاث مرات، بما كان يعني عملياً إدراج الساحة اللبنانية ضمن مظلة التفاهم الإقليمي، بدلاً من تركها رهينة تفاوض منفصل مع إسرائيل.
لكن هذا الاحتمال لم يصمد طويلاً. فبعد توقيع ترامب المذكرة في 17 حزيران، وبفعل التحرك الذي قاده الجناح المتشدد داخل إدارته، انتقل الملف اللبناني سريعاً إلى مسار آخر. وفي 26 حزيران، أشرف روبيو على توقيع «اتفاق الإطار» بين السفيرة اللبنانية ندى معوّض والسفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر.
هنا تكمن العقدة السياسية الأساسية: هل كان اتفاق الإطار مجرد آلية لتنظيم التفاوض، أم أنه شكّل عملياً إخراجاً للبنان من مظلة التفاهم الإقليمي، وقطعاً للطريق على أي ربط بين وقف الحرب على إيران ووقف الاعتداءات على لبنان؟
في الحالتين، كانت النتيجة واحدة: لبنان وجد نفسه أمام مسار تفاوضي خاص، فيما بقيت إسرائيل تحتفظ بحرية المبادرة العسكرية، وبات الجنوب يدفع ثمن الفصل بين المسارين.
دي فانس يعود إلى الواجهة… وروبيو وهيغسيث تحت الضغط
الانتكاسة الانتخابية للجمهوريين تعيد اليوم فتح الحسابات داخل الإدارة الأميركية، خصوصاً أن الحرب مع إيران باتت من الملفات التي تُحمّل مسؤولية أساسية عن تراجع شعبية ترامب وحزبه. وهذا ما يمنح دي فانس فرصة سياسية لإعادة طرح مقاربته، والتأكيد أن الرهان على القوة العسكرية والتصعيد لم يحقق النتائج التي وُعد بها الأميركيون.
فإذا كان الجناح المتشدد قد نجح في إبعاد لبنان عن مظلة التسوية الإقليمية، فإن تبدّل موازين القوى داخل الإدارة قد يفتح الباب أمام مراجعة هذا الخيار، خصوصاً إذا قرر ترامب البحث عن مسؤولين لتحميلهم كلفة الإخفاق السياسي والانتخابي.
وليس مستبعداً أن تتحول هذه المراجعة إلى صراع نفوذ على مستوى الفريق المحيط بالرئيس، وأن يجد روبيو وهيغسيث نفسيهما أمام اختبار صعب، بعدما ارتبط اسماهما بالمقاربة الأكثر تشدداً تجاه إيران.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب سيضحي بوزير أو مسؤول، بل ما إذا كان مستعداً للتضحية بالسياسة التي قادت إلى التصعيد، والعودة إلى خيار التسوية الإقليمية الذي كان دي فانس يدفع باتجاهه.
لبنان أمام فرصة… أم أمام جولة جديدة من الانتظار؟
بالنسبة إلى لبنان، لا تكمن أهمية هذا التحول المحتمل في هوية المسؤول الأميركي الذي سيربح المعركة داخل الإدارة، بل في طبيعة القرار الذي ستنتجه واشنطن. فعودة الاعتبار إلى المسار الدبلوماسي قد تعني إعادة فتح النقاش حول شمول لبنان بأي تفاهم إقليمي، ووضع حد لمحاولة التعامل مع جبهته باعتبارها ملفاً منفصلاً يمكن إدارته بمعزل عن بقية ساحات الصراع.
وهنا تبرز مسؤولية السلطة السياسية في بيروت. فهل ستبقى أسيرة المسار التفاوضي الذي فُرض عليها، أم ستعيد قراءة المتغيرات الأميركية وتبحث عن تصحيح سياسي ودبلوماسي يعيد لبنان إلى موقعه الطبيعي ضمن أي تسوية إقليمية؟
لقد أظهرت التجربة أن فصل لبنان عن التفاهمات الأوسع لم يحمِه من الحرب، ولم يمنحه قدرة تفاوضية أكبر، بل ترك الجنوب أمام معادلة مختلة، تتقدم فيها الاعتداءات الإسرائيلية فيما تتراجع قدرة الدولة على فرض شروطها أو انتزاع ضمانات حقيقية.
ولا يعني ذلك أن عودة دي فانس إلى واجهة القرار ستؤدي تلقائياً إلى وقف الحرب أو تغيير الموقف الأميركي، فالمصالح الإسرائيلية لا تزال عاملاً أساسياً في رسم السياسة الأميركية، كما أن أي تسوية جديدة ستصطدم بحسابات إقليمية معقدة. لكن المتغير الانتخابي يتيح للبنان فرصة لإعادة طرح السؤال الذي جرى تجاوزه سابقاً: لماذا قُبل بفصل المسار اللبناني عن المسار الإقليمي، ومن استفاد من هذا الفصل؟
المشكلة أن واشنطن قد تراجع حساباتها قبل بيروت.
فبينما تنشغل الإدارة الأميركية بإعادة ترتيب أوراقها، قد تجد السلطة اللبنانية نفسها مرة جديدة متأخرة عن التحولات، تكتفي بمراقبة ما يجري وانتظار ما تقرره العواصم الكبرى، بدلاً من المبادرة إلى صياغة موقف وطني واضح يحمي مصالح لبنان وسيادته.
إن انتكاسة ترامب والجمهوريين قد تكون بداية تحوّل في المقاربة الأميركية، لكنها لن تتحول إلى مكسب لبناني ما لم تمتلك بيروت القدرة على استثمارها. فالفرص الدبلوماسية لا تنتظر طويلاً، والجنوب لم يعد يحتمل مزيداً من التجارب الفاشلة أو الرهانات الخاطئة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه السلطة اللبنانية قبل أن تطرحه واشنطن: إذا كان دي فانس قد عاد إلى الواجهة لمراجعة خيارات الحرب، فهل تملك بيروت الشجاعة لمراجعة خطيئتها التفاوضية، والمطالبة بإعادة لبنان إلى أي تسوية إقليمية تضمن وقف الاعتداءات واستعادة السيادة؟
أم أن اللبنانيين سيكتشفون، مرة جديدة، أن واشنطن تغيّر حساباتها، فيما بيروت لا تزال تنتظر الإشارات؟



