خبر عاجلسياسة

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تُبدي رأيها في اقتراح قانون الإعلام

إعــــــلان
إحجز إعلانك الآن 70135365

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان تُبدي رأيها في اقتراح قانون الإعلام

 

مناشير

الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذ

إبداء رأي بشأن اقتراح قانون الإعلام كما عدّلته اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة بتاريخ 6 تموز/يوليو 2026

أولاً: المقدمة

عملاً بأحكام القانون رقم 62/2016 القاضي بإنشاء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان المتضمّنة لجنة الوقاية من التعذيب، ولا سيّما الأحكام التي تخوّل الهيئة إبداء الرأي في مشاريع واقتراحات القوانين والسياسات العامة ذات الصلة بحقوق الإنسان، وانطلاقاً من ولايتها الوطنية في تعزيز وحماية حقوق الإنسان وفقاً لمبادئ باريس، تبدي الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان رأيها في اقتراح قانون الإعلام كما عدّلته اللجنة الفرعية المنبثقة عن اللجان النيابية المشتركة.

 

يستند هذا الرأي أيضاً إلى الأساس الموضوعي المتمثّل في كون الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان إحدى الجهات المعنية مباشرة بتطبيق هذا القانون، إذ أناط بها الاقتراح دوراً أساسياً في انتخاب وترشيح أعضاء الهيئة الوطنية للإعلام، ولا سيّما عن فئة الخبير في الحريات العامة وحقوق الإنسان، الأمر الذي يجعلها شريكاً مؤسسياً في ضمان استقلال الهيئة الوطنية للإعلام وفاعليتها واحترامها لمعايير حقوق الإنسان.

 

وتسجّل الهيئة، بدايةً، تقديرها للجهود التشريعية المبذولة، بعد مسار تشريعي امتد لأكثر من ستة عشر عاماً، وشمل أكثر من ستين جلسة عمل منذ حزيران/يونيو 2010 داخل اللجان النيابية المختصة واللجان المشتركة واللجان الفرعية المنبثقة عنها، بما يعكس أهمية هذا التشريع وحجم التحديات المرتبطة بتحديث المنظومة القانونية الناظمة للإعلام في لبنان.

 

وقبل المضي في عرض الملاحظات، تؤكد الهيئة أن الاقتراح يشكّل خطوة إيجابية ومتقدمة نحو تحديث التشريع الإعلامي اللبناني، وتعزيز حماية الصحافيين، وإرساء إطار قانوني أكثر توازناً ووضوحاً. إلا أن هذه الإيجابية لا تحول دون وجود عدد من الثغرات الجوهرية التي تستوجب المعالجة قبل إقرار القانون بصورة نهائية، ضماناً لعدم المساس بحرية التعبير وحرية الصحافة، وتعزيزاً لاستقلالية الإعلام والتعددية الإعلامية.

 

ثانياً: الملاحظات العامة

تؤكد الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن اقتراح قانون الإعلام يشكل فرصة تاريخية لإرساء منظومة إعلامية حديثة ومتوافقة مع الدستور اللبناني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان. إلا أن نجاح هذا الإصلاح يتطلب استكماله بإزالة التناقضات التشريعية، وتعزيز ضمانات حرية التعبير وحرية الصحافة، وتكريس استقلال الهيئة الوطنية للإعلام، وضمان الشفافية في التمويل والملكية، ومنع الاحتكار، وتوفير الحماية القانونية الكاملة للصحافيين ومصادرهم، بما يحقق التوازن بين حماية الحقوق الفردية وصون المصلحة العامة ودعم إعلام حر ومستقل وتعددي يخدم المجتمع والدولة الديمقراطية.

 

ترى الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أن الاقتراح، رغم ما يتضمنه من تطوير مهم للإطار التشريعي الناظم للإعلام، لا يزال يفتقر إلى رؤية مفاهيمية متكاملة تواكب التحولات العميقة التي شهدها قطاع الإعلام على الصعيدين الوطني والدولي. لم يعتمد الاقتراح تمييزًا واضحًا بين مفهومي “الإعلام” و”الصحافة”، إذ انطلق من تنظيم الإعلام بوصفه الإطار الجامع لجميع وسائل ومنصات إنتاج ونشر المحتوى، من دون أن يعرّف الصحافة أو الصحافي كمهنة مستقلة ذات وظيفة اجتماعية خاصة في إنتاج الأخبار والتحقق منها وخدمة المصلحة العامة. وقد اقتصر ورود مصطلح “الصحافة” في النص على إشارات متفرقة، مثل نقابة الصحافة والوكالات الصحفية، من دون بناء نظام قانوني خاص بالعمل الصحافي. ويؤدي هذا النهج إلى طمس الحدود بين النشاط الإعلامي بمختلف أشكاله والعمل الصحافي المهني، بما قد ينعكس على تحديد نطاق الحقوق والواجبات والضمانات المقررة للصحافيين، وعلى تطبيق المعايير المهنية والأخلاقية الخاصة بالصحافة

 

كما يلاحظ أن الاقتراح لم يميز بصورة كافية بين حرية التعبير وحرية الصحافة. فحرية التعبير حق أساسي يتمتع به جميع الأشخاص، وفقاً للدستور اللبناني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وتشمل مختلف أشكال التعبير عبر الوسائط التقليدية والرقمية. أما حرية الصحافة، فهي ضمانة مؤسساتية ومهنية تكفل أداء الصحافة لوظيفتها في جمع المعلومات والتحقق منها ونشرها خدمةً للمصلحة العامة، بما يعزز حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. ومن ثم، فإن حماية حرية الصحافة تستوجب ضمانات قانونية خاصة، من بينها استقلالية التحرير، وحماية المصادر الصحافية، والسرية المهنية، وعدم التدخل في العمل التحريري، والحماية من الضغوط الاقتصادية أو السياسية التي قد تؤثر في استقلال المؤسسات الصحافية.

 

وبالرغم من أن الاقتراح كفل حرية الرأي والتعبير والإعلام بصورة عامة، فإنه لم يضع إطاراً قانونياً متكاملاً يكفل هذه الضمانات الخاصة بالعمل الصحافي، ولم يفصل بصورة واضحة بين الحقوق العامة المكفولة لجميع الأفراد في التعبير، وبين الضمانات المهنية والمؤسساتية اللازمة لتمكين الصحافة من أداء دورها الرقابي باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمع الديمقراطي.

 

وتسجل الهيئة كذلك أن الاقتراح لم يستوعب بصورة كافية التحول البنيوي الذي شهدته البيئة الإعلامية خلال العقدين الأخيرين. فلم يعد الإعلام يقتصر على نقل الأخبار أو إنتاج المحتوى، بل أصبح أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الرأي العام والتأثير في الخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية، في ظل هيمنة المنصات الرقمية، وتنامي دور الخوارزميات، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والوساطة الرقمية في إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه.

 

كما أن الإعلام لم يعد قطاعاً قائماً بذاته، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية ورقمية متشابكة تتداخل فيها المؤسسات الإعلامية مع شركات التكنولوجيا، ومنصات النشر والتوزيع، وشركات الإعلان، ومزودي خدمات البيانات، الأمر الذي يفرض اعتماد مقاربة تشريعية أكثر شمولاً تراعي حماية التعددية الإعلامية، ومنع الاحتكار والتركيز الاقتصادي، وتعزيز الشفافية في الملكية والتمويل، وصون استقلال القرار التحريري، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحرية الإعلام والتنافسية العادلة.

 

وفي هذا الإطار، ترى الهيئة أن حماية استقلالية الإعلام لا تنفصل عن تنظيم مصادر تمويله وضمان شفافيتها. ورغم أن الاقتراح تضمن أحكاماً تتعلق بالإفصاح عن الملكية والمداخيل ومصادر التمويل، فإنها تبقى بحاجة إلى مزيد من التطوير لضمان الكشف عن المالكين الحقيقيين، والمصالح الاقتصادية المتقاطعة، والتمويل غير المباشر، بما يسمح برصد تضارب المصالح والحد من النفوذ السياسي أو الاقتصادي على المؤسسات الإعلامية. كما ينبغي أن يُفهم تعزيز ارتباط الإعلام بالاقتصاد الوطني باعتباره إطاراً لتعزيز الشفافية والاستدامة والاستقلال، لا وسيلة لتقييد مصادر التمويل المشروعة أو الحد من التعاون الدولي المشروع، ما دام يتم في إطار الإفصاح الكامل والرقابة القانونية.

 

كما تلاحظ الهيئة أن الاقتراح لم يكرّس بصورة واضحة مفهوم الإعلام العمومي (Public Service Media)، ولم يضع إطاراً قانونياً ينظم آليات الانتقال من نموذج الإعلام الرسمي أو الحكومي إلى إعلام عمومي مستقل يخدم المجتمع بأسره. فقد خلا الاقتراح من الضمانات المؤسسية الكفيلة باستقلال وسائل الإعلام العامة عن السلطة التنفيذية، سواء من حيث أسلوب إدارة هذه المؤسسات، أو آليات تعيين مجالس إدارتها، أو ضمان استقلالها المالي والإداري والتحريري، أو مساءلتها أمام الجمهور.

 

ذلك أن الإعلام العمومي لا يُعد امتداداً للإدارة العامة أو وسيلة للتعبير عن سياسات الحكومة، وإنما هو مرفق عام مستقل يهدف إلى خدمة الصالح العام، وتأمين الحق في الوصول إلى المعلومات، وتعزيز التعددية الإعلامية والتنوع الثقافي والسياسي واللغوي، وضمان التغطية المهنية والمتوازنة، ولا سيما خلال الانتخابات والأزمات والطوارئ، وفق معايير الاستقلالية والحياد والنزاهة. ويُعد تكريس هذا النموذج أحد المتطلبات الأساسية لحماية حرية الإعلام وترسيخ النظام الديمقراطي، انسجاماً مع المعايير الدولية ذات الصلة.

 

وتؤكد الهيئة، أن أي إصلاح تشريعي في قطاع الإعلام ينبغي ألا يقتصر على إعادة تنظيم المؤسسات الإعلامية أو تحديث الأطر التنظيمية، بل يجب أن يؤسس لمنظومة قانونية متكاملة توازن بين حماية حرية التعبير باعتبارها حقاً أساسياً لجميع الأشخاص، وضمان حرية الإعلام وحرية الصحافة واستقلالهما بوصفهما ركيزتين للديمقراطية وسيادة القانون. كما ينبغي أن يصون الوظيفة الاجتماعية للإعلام باعتباره خدمة ذات مصلحة عامة تؤدي دوراً محورياً في تعزيز الشفافية والمساءلة، ومكافحة التضليل الإعلامي، وحماية الحق في الوصول إلى المعلومات، وتمكين الجمهور من الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة ومتعددة المصادر.

 

وفي هذا السياق، ترى الهيئة أن من الضروري أن يكرّس القانون بصورة صريحة المبادئ الحاكمة للنزاهة الإعلامية، واستقلالية القرار التحريري، وحماية المصادر الصحافية، والشفافية في الملكية والتمويل، والفصل الواضح بين المحتوى التحريري والمحتوى الإعلاني أو الدعائي، ومنع تضارب المصالح، وتعزيز التعددية الإعلامية، بوصفها ضمانات متكاملة تكفل حماية حرية الإعلام، وترسخ ثقة المجتمع بالمؤسسات الإعلامية، وتنسجم مع التزامات لبنان الدستورية والدولية في مجال حقوق الإنسان.

 

 

 

ثالثاً: الملاحظات التفصيلية

أولاً: استمرار الازدواجية التشريعية في معالجة جرائم النشر

ترحب الهيئة بالاتجاه الذي اعتمده الاقتراح نحو الحد من المقاربة الجزائية في قضايا النشر، من خلال إخضاع معظم المنازعات الناشئة عن الأعمال الإعلامية للمسؤولية المدنية، بما ينسجم مع المعايير الدولية لحرية التعبير التي تؤكد أن العقوبات الجزائية، ولا سيما العقوبات السالبة للحرية، لا تشكل الوسيلة المناسبة لمعالجة قضايا النشر، وأن الأصل هو اعتماد وسائل انتصاف مدنية فعالة ومتناسبة تكفل جبر الضرر من دون إحداث أثر ردعي على ممارسة حرية التعبير.

 

غير أن الهيئة ترى أن هذا الإصلاح بقي منقوصاً، إذ لم يعتمد الاقتراح معالجة تشريعية موحدة لجرائم النشر، بل أبقى بصورة غير مباشرة على الازدواجية القائمة بين النظامين المدني والجزائي. فبينما تستفيد وسائل الإعلام الخاضعة لأحكام هذا القانون من نظام يقوم بصورة أساسية على المسؤولية المدنية، تبقى أفعال القدح والذم والتحقير المرتكبة خارج نطاقه، ولا سيما عبر الحسابات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها من المنصات الرقمية، خاضعة لأحكام قانون العقوبات. ويؤدي ذلك إلى إخضاع الفعل ذاته لنظامين قانونيين مختلفين تبعاً لوسيلة النشر، لا لطبيعة الفعل أو جسامته أو مقدار الضرر الناجم عنه.

 

وترى الهيئة أن هذا التمييز لا ينسجم مع مبدأ المساواة أمام القانون، كما يتعارض مع مبدأ الحياد التكنولوجي الذي يقتضي ألا تختلف طبيعة المسؤولية القانونية أو مستوى الحماية المقررة لحرية التعبير تبعاً للوسيلة التقنية المستخدمة في النشر. فالمعيار الواجب اعتماده يجب أن يكون طبيعة الفعل وآثاره، لا المنصة أو الوسيط الذي نُشر من خلاله. كما أن هذا النهج يؤدي إلى تفاوت غير مبرر بين الصحافي أو المؤسسة الإعلامية من جهة، وسائر الأفراد الذين يمارسون حقهم في حرية التعبير عبر الوسائط الرقمية من جهة أخرى، رغم أن الجميع يتمتعون بالحماية ذاتها المقررة بموجب الدستور اللبناني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

 

ويؤدي استمرار هذه الازدواجية كذلك إلى إشكالات عملية في التطبيق القضائي، إذ قد تخضع الوقائع ذاتها لمعالجات قانونية مختلفة تبعاً لتكييف وسيلة النشر، الأمر الذي ينعكس على استقرار الاجتهاد القضائي ويمس بمبدأ الأمن القانوني وإمكانية توقع القاعدة القانونية. كما أن هذا النهج لم يعد ينسجم مع التحول الذي شهدته البيئة الإعلامية، حيث تراجعت الحدود التقليدية بين الإعلام المهني والإعلام الرقمي، وأصبح إنتاج المحتوى وتداوله يتم عبر منصات متعددة يشارك فيها الصحافيون والمؤسسات الإعلامية والأفراد في المجال العام على حد سواء.

 

وعليه، ترى الهيئة أن الإصلاح التشريعي المنشود يقتضي اعتماد نظام قانوني موحد للمساءلة عن جرائم النشر، يقوم على استبعاد العقوبات الجزائية في قضايا القدح والذم والتحقير، بصرف النظر عن الوسيلة المستخدمة في النشر، مع الإبقاء على التجريم بالنسبة للأفعال التي تشكل، وفقاً للمعايير الدولية، تحريضاً على العنف أو الكراهية أو التمييز، أو تنطوي على اعتداءات جسيمة على الحقوق الأساسية للغير، وبما يحقق المساواة بين جميع ممارسي حرية التعبير، ويعزز الاتساق التشريعي، ويكرس الأمن القانوني، ويواكب التطور الرقمي في مجال الإعلام والاتصال.

 

ثانياً: الإخلال بمبدأ المساواة في التمتع بضمانات حرية التعبير

ترى الهيئة أن الاقتراح، بصيغته الحالية، يؤدي إلى تفاوت غير مبرر في مستوى الحماية القانونية المقررة لممارسة حرية التعبير، إذ يقصر عدداً من الضمانات والإجراءات الخاصة على وسائل الإعلام والأشخاص الخاضعين لأحكامه، في حين يبقى سائر الأفراد الذين يمارسون حقهم في التعبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو المنصات الرقمية أو غيرها من وسائل النشر الإلكتروني خاضعين، بالنسبة للأفعال ذاتها، لأحكام قانون العقوبات والقواعد العامة. ويترتب على ذلك إخضاع أشخاص يمارسون الحق الدستوري ذاته لأنظمة قانونية مختلفة، استناداً إلى صفة الناشر أو الوسيلة المستخدمة في النشر، لا إلى طبيعة الفعل أو جسامته أو الضرر الناجم عنه.

 

وتؤكد الهيئة أن حرية التعبير، كما كفلها الدستور اللبناني والمواثيق الدولية، ولا سيما المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، هي حق أساسي يتمتع به جميع الأشخاص دون تمييز، وتشمل حرية التماس المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة يختارها الشخص ودون اعتبار للحدود. كما أن هذا الحق لا يقتصر على العاملين في القطاع الإعلامي، بل يشمل جميع الأفراد، بمن فيهم المواطنون الذين يشاركون في النقاش العام عبر الوسائط الرقمية، باعتبارها أصبحت إحدى الوسائل الأساسية لممارسة حرية التعبير في المجتمع المعاصر.

 

وفي هذا السياق، تذكر الهيئة بأن مبدأ المساواة وعدم التمييز يشكل أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان. فقد ألزمت المادة (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الدول باحترام الحقوق والحريات الواردة فيه وضمانها لجميع الأفراد دون أي تمييز، فيما كرست المادة (26) منه مبدأ المساواة أمام القانون والحق في الحماية القانونية المتساوية. ومن ثم، فإن أي تمييز في نطاق الحماية القانونية المقررة لممارسة حرية التعبير يجب أن يستند إلى معايير موضوعية ومعقولة، وأن يكون ضرورياً ومتناسباً مع هدف مشروع، وهو ما لا يتحقق عندما يكون معيار التمييز هو وسيلة النشر أو صفة الناشر.

 

كما ترى الهيئة أن استمرار إخضاع المحتوى المتشابه لأنظمة قانونية مختلفة بحسب الوسيلة المستخدمة في نشره لا ينسجم مع مبدأ الحياد التكنولوجي، الذي يقتضي أن تبقى الحقوق والواجبات والمسؤوليات القانونية مرتبطة بطبيعة الفعل وآثاره، لا بالتقنية أو المنصة التي تم من خلالها التعبير. ويؤدي هذا النهج إلى خلق تفاوت غير مبرر في مستوى الحماية القانونية، ويقوض مبدأ الأمن القانوني، كما يفتح المجال لاختلاف المعالجة القضائية لوقائع متماثلة، في وقت أصبحت فيه الحدود الفاصلة بين الإعلام المهني والإعلام الرقمي أقل وضوحاً، وأصبحت المنصات الرقمية فضاءً رئيسياً لإنتاج المعلومات وتداولها والمشاركة في الشأن العام.

 

ولا يعني ذلك التسوية بين العمل الصحافي وغيره من أشكال التعبير، إذ إن للصحافة وظيفة اجتماعية ومهنية خاصة تبرر إقرار ضمانات إضافية لازمة لتمكينها من أداء دورها في خدمة المصلحة العامة، ومن أبرزها حماية المصادر الصحافية، والسرية المهنية، واستقلالية القرار التحريري، وحق الوصول إلى المعلومات. إلا أن هذه الضمانات ترتبط بطبيعة العمل الصحافي ووظيفته، ولا يجوز أن تؤدي إلى الانتقاص من الحماية الأساسية المكفولة لجميع الأشخاص في ممارسة حرية التعبير.

 

وعليه، ترى الهيئة أن الإصلاح التشريعي المنشود يقتضي اعتماد إطار قانوني يضمن المساواة في التمتع بالضمانات الأساسية لحرية التعبير لجميع الأشخاص، بصرف النظر عن وسيلة النشر أو صفة الناشر، مع الإبقاء على الضمانات المهنية الخاصة بالصحافة باعتبارها أدوات لحماية الوظيفة الديمقراطية للإعلام، لا امتيازات تمنح لفئة دون أخرى. كما توصي الهيئة بتوحيد القواعد القانونية المنظمة للمساءلة عن أفعال النشر بما يحقق الاتساق التشريعي، ويعزز الأمن القانوني، ويواكب التحول الرقمي، وينسجم مع التزامات لبنان بموجب الدستور والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.

 

ثالثاً: تجريم التحريض على الكراهية وضرورة التقيد بالمعايير الدولية

ترحب الهيئة بإلغاء الجرائم المتعلقة بإثارة النعرات وتعريض البلاد للمخاطر المنصوص عليها في قانون المطبوعات النافذ، باعتبار أن هذا التوجه يشكل خطوة إيجابية نحو الحد من القيود الجزائية الفضفاضة التي طالما أثيرت بشأنها مخاوف تتعلق بتوافقها مع حرية التعبير، كما ينسجم مع مبدأ الشرعية الذي يقتضي أن تكون القيود المفروضة على الحقوق والحريات محددة بدقة وواضحة ويمكن توقع آثارها القانونية.

 

غير أن الهيئة ترى أن نجاح هذا الإصلاح يقتضي عدم استبدال النصوص الملغاة بأحكام أخرى قابلة للتفسير الواسع أو التطبيق غير المنضبط، ولا سيما في ما يتعلق بتجريم التحريض على الكراهية أو التمييز أو العنف. فغياب الضوابط القانونية الدقيقة قد يؤدي عملياً إلى إعادة إنتاج القيود السابقة على حرية التعبير تحت مسميات مختلفة، بما يفرغ الإصلاح التشريعي من مضمونه ويقوض الضمانات التي يرمي إلى تكريسها.

 

وتؤكد الهيئة أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يميز بوضوح بين الخطاب الصادم أو المسيء أو المثير للجدل، الذي يبقى محمياً بموجب الحق في حرية التعبير، وبين الدعوة إلى الكراهية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، والتي يجوز، بل يجب، حظرها بموجب المادة (20/2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومن ثم، فإن تجريم هذا النوع من الخطاب يجب أن يظل استثناءً يفسر تفسيراً ضيقاً، وألا يمتد إلى التعبير المشروع عن الآراء أو الانتقادات أو النقاشات العامة، ولو كانت حادة أو صادمة.

 

وفي هذا الإطار، ترى الهيئة أن تطبيق النصوص المتعلقة بالتحريض على الكراهية ينبغي أن يلتزم بالمعايير التي أرستها الأمم المتحدة، ولا سيما خطة عمل الرباط، التي اعتمدت اختباراً يقوم على ستة عناصر مترابطة لتقييم مدى استحقاق الخطاب للتجريم، وهي: السياق الذي صدر فيه الخطاب، وصفة المتحدث ومدى تأثيره، وتوافر القصد أو النية في التحريض، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره ووصوله إلى الجمهور، واحتمال أن يؤدي بصورة وشيكة إلى التمييز أو العداوة أو العنف. وتشكل هذه العناصر ضمانة أساسية لمنع التوسع في التجريم، ولحصر العقوبات في الحالات التي يبلغ فيها الخطاب درجة من الخطورة تستوجب تدخل القانون.

 

وتوصي الهيئة، تحقيقاً لليقين القانوني وضماناً لحسن التطبيق، بأن يحيل القانون صراحة إلى المعايير الدولية الحاكمة لتجريم التحريض على الكراهية، وأن يربط قيام المسؤولية الجزائية بتوافر جميع العناصر الجوهرية التي تميز التحريض المحظور عن غيره من أشكال التعبير المحمية، بما يحقق التوازن بين حماية الأفراد والمجتمع من خطاب الكراهية الخطير، وصون حرية التعبير باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمع الديمقراطي.

 

رابعاً: ضمان الاستقلال المالي والإداري للهيئة الوطنية للإعلام

ترى الهيئة أن استقلال الهيئة الوطنية للإعلام يشكل أحد الشروط الأساسية لنجاح القانون وتحقيق أهدافه في حماية حرية الإعلام وتعزيز التعددية الإعلامية. ولا يتحقق هذا الاستقلال بمجرد النص عليه، وإنما يتطلب توفير ضمانات قانونية ومؤسسية ومالية تكفل ممارسة الهيئة لصلاحياتها باستقلال كامل، بعيداً عن أي تدخل أو تأثير سياسي أو إداري أو مالي، وبما ينسجم مع المبادئ الدولية الناظمة لعمل الهيئات التنظيمية المستقلة.

 

وتؤكد الهيئة أن استقلال الهيئات الوطنية المستقلة لا يقتصر على استقلال أعضائها أو إجراءات تعيينهم، بل يشمل أيضاً استقلالها المالي والإداري، باعتباره شرطاً لازماً لاستقلال القرار التنظيمي. ولذلك، ينبغي أن تتمتع الهيئة بموارد مالية مستقرة وكافية، وبصلاحية إدارة شؤونها الإدارية والمالية بصورة مستقلة، مع إخضاعها لآليات رقابة لاحقة تكفل المساءلة والشفافية دون أن تتحول إلى وسيلة للوصاية أو التدخل في عملها.

 

وانطلاقاً من ذلك، ترى الهيئة أن النص الوارد في الفقرة (د) من المادة (95) بصيغته الحالية يحتاج إلى إعادة نظر، إذ إن إحالة نظام التدقيق المالي إلى أحكام المادة (73) من القانون رقم 326 تاريخ 28 حزيران 2001 (قانون الموازنة العامة لعام 2001) لا تنسجم مع الطبيعة القانونية للهيئة الوطنية للإعلام باعتبارها هيئة وطنية مستقلة، ذلك أن الأحكام المشار إليها وضعت لتنظيم التدقيق المالي في الوزارات والإدارات العامة التابعة للسلطة التنفيذية، ولا تشكل الإطار القانوني الملائم للهيئات المستقلة التي يفترض أن تتمتع باستقلال مالي وإداري عن السلطة التنفيذية.

 

كما ترى الهيئة أن إخضاع الهيئة لآليات رقابية تستند إلى النظام المالي المطبق على الإدارات العامة قد يؤدي، عملياً، إلى تكريس شكل من أشكال الوصاية الإدارية أو المالية، بما يتعارض مع مقتضيات الاستقلال التي يفترض أن يتمتع بها جهاز تنظيمي مستقل يتولى تنظيم قطاع الإعلام والإشراف عليه.

 

وفي المقابل، تؤكد الهيئة أن استقلال الهيئة لا يعني إعفاءها من قواعد المساءلة والرقابة، وإنما يقتضي اعتماد منظومة رقابية حديثة تقوم على مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة المالية، من خلال إخضاع حساباتها للتدقيق الداخلي والتدقيق الخارجي المستقل، إضافة إلى رقابة ديوان المحاسبة اللاحقة، وفقاً للمعايير الحديثة المعتمدة في التشريعات اللبنانية، ولا سيما المبادئ التي أرساها قانون الشراء العام، وبما يضمن الشفافية وحسن إدارة المال العام دون المساس باستقلال الهيئة.

 

وتوصي الهيئة بما يأتي:

أولاً: النص صراحة على أن يكون للهيئة الوطنية للإعلام موازنة سنوية مستقلة تدرج في فصل خاص ضمن الباب رقم (28) المخصص للهيئات الوطنية المستقلة المنشأة بموجب قوانين، وأن تتمتع بوظيفة مستقلة ضمن الموازنة العامة للدولة، وأن تكون اعتماداتها كافية لتمكينها من ممارسة جميع اختصاصاتها بصورة مستقلة وفعالة.

 

ثانياً: تعديل الفقرة (د) من المادة (95) بما يزيل الإحالة إلى المادة (73) من القانون رقم 326/2001، واستبدالها بنظام رقابي يتلاءم مع الطبيعة القانونية للهيئة الوطنية للإعلام بوصفها هيئة مستقلة.

 

وتقترح الهيئة أن تصبح الفقرة (أ) من المادة (95) على النحو الآتي:

(أ) يكون للهيئة موازنة سنوية خاصة تدرج في فصل خاص ضمن الباب رقم (28) المخصص للهيئات الوطنية المستقلة المنشأة بموجب قوانين في الموازنة العامة للدولة، وتكون كافية لتغطية نفقاتها وأنشطتها، وتتمتع بوظيفة مستقلة ضمن الموازنة العامة بما يكفل استقلالها المالي والإداري.

 

كما تقترح تعديل الفقرة (د) لتصبح كالآتي:

(د) إضافة إلى الرقابة اللاحقة لديوان المحاسبة، تخضع حسابات الهيئة لنظام للتدقيق الداخلي وللتدقيق الخارجي المستقل من قبل مكاتب محاسبة وتدقيق مستقلة، وفقاً للمعايير والآليات المعتمدة في التشريعات اللبنانية، ولا سيما المبادئ المنصوص عليها في قانون الشراء العام، وبما يتوافق مع مبادئ الحوكمة الرشيدة والشفافية والاستقلال المؤسسي. وتنشر الحسابات السنوية وتقارير التدقيق في الجريدة الرسمية وعلى الموقع الإلكتروني الرسمي للهيئة.

 

وتؤكد الهيئة أن الجمع بين الاستقلال المالي والإداري من جهة، والرقابة اللاحقة والشفافة من جهة أخرى، يشكل الضمانة الأساسية لتحقيق التوازن بين استقلال الهيئة الوطنية للإعلام ومساءلتها، ويعزز ثقة الجمهور بعملها، ويكرس انسجامها مع المعايير الدولية المنظمة لعمل الهيئات التنظيمية المستقلة.

 

خامساً: الإبقاء على حظر الحصرية في وساطة الإعلانات

تسجل الهيئة ملاحظتها على حذف الفقرة (ب) من المادة (74) التي كانت تحظر الحصرية في نشاط وساطة الإعلانات، وترى أن هذا التعديل يمثل تراجعاً عن إحدى الضمانات التشريعية المهمة لحماية التعددية الإعلامية وتعزيز المنافسة العادلة في سوق الإعلان.

 

فالإعلان لا يشكل مجرد نشاط تجاري، بل يمثل بالنسبة لمعظم المؤسسات الإعلامية المصدر الأساسي أو الرئيس لتمويلها واستدامة عملها، الأمر الذي يجعل تنظيم سوق الإعلان جزءاً لا يتجزأ من منظومة حماية حرية الإعلام واستقلاليته. ومن ثم، فإن أي اختلال في توزيع الموارد الإعلانية ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المؤسسات الإعلامية على الاستمرار، وعلى تنوع الآراء والمعلومات المتاحة للجمهور.

 

وترى الهيئة أن السماح بإبرام عقود حصرية بين المؤسسات الإعلامية ووسطاء الإعلانات، أو بين الوسطاء والمعلنين، من شأنه أن يؤدي إلى تركّز الإيرادات الإعلانية في أيدي عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين، بما يحد من قدرة المؤسسات الإعلامية الصغيرة أو المستقلة أو الناشئة على الوصول إلى الموارد الإعلانية، ويؤدي تدريجياً إلى إضعاف التعددية الإعلامية وتقليص التنوع في المشهد الإعلامي.

 

كما قد يؤدي هذا الواقع إلى استخدام النفوذ الاقتصادي في سوق الإعلان وسيلةً للتأثير في السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية أو ممارسة ضغوط مالية عليها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الأمر الذي يمس باستقلال القرار التحريري ويقوض الدور الرقابي الذي تضطلع به وسائل الإعلام في المجتمع الديمقراطي.

 

وتؤكد الهيئة أن حماية التعددية الإعلامية لا تتحقق من خلال تنظيم ملكية وسائل الإعلام أو الحد من تركز التراخيص فحسب، وإنما تقتضي أيضاً ضمان وجود سوق إعلانية تتسم بالمنافسة المشروعة والشفافية وتكافؤ الفرص وعدم التمييز، بما يحول دون تركّز النفوذ الاقتصادي في قطاع الإعلان. وقد أثبتت التجارب المقارنة أن السيطرة على سوق الإعلان قد تؤثر في استقلالية الإعلام وتعدديته بقدر لا يقل عن تأثير تركز ملكية وسائل الإعلام نفسها.

 

كما ينسجم الإبقاء على مبدأ عدم الحصرية مع المبادئ الدستورية المتعلقة بحرية المبادرة الاقتصادية، ومع قواعد المنافسة المشروعة، ويحد من مخاطر إساءة استغلال الوضع المهيمن والإقصاء الاقتصادي، ويعزز قدرة المؤسسات الإعلامية المستقلة والجديدة على المنافسة والاستمرار، بما ينعكس إيجاباً على حق الجمهور في الوصول إلى معلومات وآراء متنوعة.

 

وانطلاقاً من ذلك، توصي الهيئة بالإبقاء على الفقرة (ب) من المادة (74) التي تحظر الحصرية في نشاط وساطة الإعلانات، باعتبارها إحدى الضمانات التشريعية اللازمة لحماية التعددية الإعلامية، وصون استقلال المؤسسات الإعلامية، وتعزيز المنافسة العادلة والشفافية في سوق الإعلان، بما ينسجم مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية المتعلقة بحرية الإعلام والتعددية الإعلامية.

 

المادة (112): الخلط بين التحريض على الكراهية ومفهوم “الأخبار الكاذبة”

تسجل الهيئة ملاحظتها على إضافة عبارة “اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة” إلى المادة (112) المتعلقة بجريمة التحريض على الكراهية والتمييز، وترى أن هذا التعديل يؤدي إلى الخلط بين أفعال تختلف في طبيعتها القانونية وأركانها والأهداف التي ترمي إلى حمايتها.

 

فجريمة التحريض على الكراهية أو التمييز تهدف إلى حماية الأفراد والمجتمع من الدعوات التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، وهي جريمة استثنائية تخضع لشروط دقيقة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة (20/2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. أما نشر معلومات غير صحيحة أو مضللة، فيتعلق بمدى صحة المعلومات أو دقتها، ولا يستلزم بطبيعته توافر عنصر التحريض أو احتمال وقوع أعمال تمييزية أو عدائية أو عنيفة، كما لا يؤدي، بمجرد حصوله، إلى خروج الخطاب من نطاق الحماية التي تكفلها حرية التعبير.

 

وترى الهيئة أن الجمع بين هذين الفعلين في نص جزائي واحد يؤدي إلى توسيع نطاق التجريم على نحو يمس بمبدأ الشرعية الجزائية، إذ قد يفضي إلى إخضاع أشكال من التعبير للملاحقة الجزائية لمجرد الادعاء بعدم صحة المعلومات المنشورة أو التشكيك في دقتها، حتى في الحالات التي لا يتوافر فيها أي تحريض على التمييز أو العنف أو الكراهية. ويؤدي ذلك إلى غموض في تحديد نطاق التجريم، ويمنح السلطات القائمة على إنفاذ القانون سلطة تقديرية واسعة قد تفضي إلى تقييد غير مبرر لحرية التعبير.

 

وتؤكد الهيئة أن القانون الدولي لحقوق الإنسان لا يفرض على الدول تجريم ما يسمى بـ”الأخبار الكاذبة” بوصفها فئة قانونية مستقلة. وقد أكدت الهيئات الدولية المعنية بحرية التعبير، بما في ذلك المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحرية الرأي والتعبير، أن المصطلحات الفضفاضة من قبيل “الأخبار الكاذبة” أو “المعلومات المضللة” لا تستوفي متطلبات الوضوح واليقين القانوني، وقد تستخدم لتجريم التعبير المشروع أو الحد من النقاش العام، إذا لم تقترن بعناصر قانونية محددة ودقيقة.

 

كما تذكر الهيئة بأن المادة (20/2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية تلزم الدول بحظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية التي تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة أو العنف، ولا تمتد إلى تجريم المعلومات غير الصحيحة بحد ذاتها. وقد أرست خطة عمل الرباط اختباراً قانونياً دقيقاً يقتضي مراعاة ستة عناصر متلازمة، هي: السياق، وصفة المتحدث، والقصد، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره، واحتمال أن يؤدي إلى التمييز أو العداوة أو العنف، قبل اللجوء إلى التجريم الجزائي. ومن ثم، فإن إدراج “اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة” ضمن النص الخاص بالتحريض على الكراهية يؤدي إلى الخلط بين معيارين قانونيين مختلفين، ويقوض الضمانات التي أرساها القانون الدولي لضمان التوازن بين حماية المجتمع وصون حرية التعبير.

 

ويُضاف إلى ذلك أن تجريم “اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة” في هذا السياق يثير إشكالية تتعلق بالاتساق التشريعي، إذ يتداخل مع عدد من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، ومنها جرائم الإخبار الكاذب، والافتراء، واختلاق الأدلة أو الجرائم، مما قد يؤدي إلى ازدواجية في التجريم وتضارب في تطبيق النصوص، ويخل بمبدأ الأمن القانوني والوضوح التشريعي.

 

لذلك، توصي الهيئة بحذف عبارة “اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة” من المادة (112)، وحصر التجريم في الأفعال التي تستوفي العناصر القانونية للتحريض على التمييز أو العداوة أو العنف، وفقاً للمادة (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واختبار خطة عمل الرباط. كما توصي، إذا ارتأى المشترع تنظيم ظاهرة المعلومات المضللة، بأن يتم ذلك في إطار تشريعي مستقل يعتمد تدابير غير جزائية تقوم على تعزيز الشفافية، وحق الرد والتصحيح، ودعم التحقق من المعلومات، والتثقيف الإعلامي والرقمي، بدلاً من التوسع في العقوبات الجزائية التي قد تؤدي إلى تقييد غير متناسب لحرية التعبير.

 

المادة (106): التوسع في الاستثناءات التي تعيد الاختصاص إلى القضاء الجزائي

ترى الهيئة أن الفقرتين (هـ) و(و) من المادة (106)، ولا سيما الفقرة (و)، تثيران إشكالية جوهرية تمس فلسفة الاقتراح الإصلاحية، إذ تنشئان استثناءً واسعاً يسمح بإعادة إحالة عدد من منازعات النشر إلى القضاء الجزائي، بما يقوض التوجه الأساسي الذي يقوم عليه الاقتراح والمتمثل في اعتماد المسؤولية المدنية كأصل في معالجة قضايا النشر.

 

فبينما يسعى الاقتراح إلى الحد من اللجوء إلى العقوبات الجزائية في الجرائم المرتبطة بالنشر، تجيز الفقرة (و) إعادة تحريك الدعوى الجزائية متى ادعى المتضرر أن المادة الإعلامية كانت كاذبة أو افترائية أو تشهيرية أو ابتزازية أو نسبت إليه أفعالاً جرمية. وبذلك يصبح مجرد الادعاء بتوافر إحدى هذه الحالات كافياً لفتح مسار جزائي، على أن يبت القضاء لاحقاً في مدى صحة هذه الادعاءات، الأمر الذي يؤدي عملياً إلى تحويل الاستثناء إلى قاعدة قابلة للتوسع في التطبيق.

 

وترى الهيئة أن هذا النهج يفرغ الإصلاح التشريعي من مضمونه، لأن ضمانات حرية التعبير لا تقتصر على تجنب إصدار أحكام جزائية، وإنما تشمل أيضاً حماية الأفراد من الخضوع لإجراءات جزائية غير مبررة، بما تنطوي عليه من تحقيقات، واستدعاءات، وتدابير احترازية، وأعباء مادية ومعنوية قد تتحول بحد ذاتها إلى وسيلة للضغط أو الردع، حتى لو انتهت الدعوى بالحفظ أو البراءة أو بعدم المسؤولية.

 

كما يثير النص إشكالية تتعلق بمبدأ الشرعية واليقين القانوني، إذ يستخدم أوصافاً عامة وغير منضبطة، مثل “مادة إعلامية كاذبة”، أو “تشهيرية”، أو “ابتزازية”، من دون تحديد عناصرها القانونية أو معايير تكييفها، بما يفتح المجال أمام تفسيرات متباينة ويمنح سلطة تقديرية واسعة في تحريك الملاحقات الجزائية. ويتعارض ذلك مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، الذي يقتضي أن تكون النصوص الجزائية واضحة ودقيقة وقابلة للتوقع، بحيث يتمكن الأفراد من معرفة حدود السلوك المجرم بصورة لا تحتمل التوسع في التفسير.

 

وتلفت الهيئة كذلك إلى أن إبقاء هذه الصياغة قد يشجع على إقامة دعاوى استراتيجية ضد المشاركة العامة (SLAPPs)، من خلال استخدام الإجراءات الجزائية لإرهاق الصحافيين والمؤسسات الإعلامية وردعهم عن تناول قضايا المصلحة العامة، حتى في الحالات التي لا تقوم فيها أركان أي جرم جزائي. وقد دعت الهيئات الدولية المعنية بحرية التعبير إلى اتخاذ تدابير تشريعية تحول دون إساءة استخدام القضاء لإسكات الصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، لما لذلك من أثر ردعي يقوض حرية الإعلام والنقاش العام.

 

وانطلاقاً من ذلك، ترى الهيئة أن الاستثناءات التي تبرر العودة إلى القضاء الجزائي ينبغي أن تفسر تفسيراً ضيقاً، وأن تقتصر على الأفعال التي تشكل جرائم مستقلة ذات طبيعة خطيرة، وفقاً للمعايير الدولية، وألا تمتد إلى المنازعات الناشئة عن النشر التي يكون العلاج المناسب لها هو المسؤولية المدنية ووسائل الانتصاف غير الجزائية.

 

لذلك، توصي الهيئة بحذف الفقرة (و) من المادة (106)، وإعادة النظر في الفقرة (هـ) بالقدر الذي قد يؤدي إلى توسيع اختصاص القضاء الجزائي، بما يضمن انسجام المادة مع فلسفة الاقتراح القائمة على جعل المسؤولية المدنية الأصل في منازعات النشر، ويعزز الأمن القانوني، ويمنع الالتفاف على الإصلاح التشريعي من خلال استثناءات فضفاضة تعيد عملياً إحياء المقاربة الجزائية التي سعى الاقتراح إلى الحد منها.

 

المادة (117): ضرورة حصر حالات حظر النشر في قانون الإعلام

تسجل الهيئة ملاحظتها على إلغاء المادة (117) واستبدالها بعبارة عامة تحيل إلى “كل ما يخالف القوانين المرعية الإجراء”، وترى أن هذه الصياغة لا تنسجم مع متطلبات الوضوح واليقين القانوني وجودة التشريع، التي تشكل ضمانات أساسية لحماية حرية التعبير وحرية الإعلام. فالإحالة العامة إلى مختلف التشريعات النافذة تجعل نطاق القيود المفروضة على النشر غير محدد بصورة يمكن توقعها، وتفتح المجال أمام التوسع في تفسير حالات المنع بالاستناد إلى نصوص قانونية متفرقة لم توضع أصلاً لتنظيم العمل الإعلامي.

 

وتؤكد الهيئة أن القيود المفروضة على حرية التعبير يجب أن تستوفي شروط الشرعية والضرورة والتناسب، وأن تكون محددة بدقة في القانون، بحيث يستطيع المخاطبون به معرفة السلوك المحظور بصورة واضحة ويمكن توقعها. ويقتضي ذلك أن يتضمن قانون الإعلام نفسه بياناً صريحاً ومحدداً للحالات التي يجوز فيها تقييد النشر، بدلاً من الاكتفاء بإحالة عامة إلى منظومة تشريعية واسعة ومتعددة، قد يصعب على الصحافيين والمؤسسات الإعلامية الإحاطة بها أو التحقق من مدى انطباقها على كل حالة.

 

وترى الهيئة أن الإحالة العامة من شأنها أن تخلق حالة من عدم اليقين القانوني، وأن تزيد من مخاطر الرقابة الذاتية، إذ قد يمتنع الصحافيون ووسائل الإعلام عن نشر معلومات تتعلق بالشأن العام خشية مخالفة نصوص قانونية أخرى قد تكون قابلة لتفسيرات مختلفة. كما قد تؤدي إلى تفاوت في الاجتهادات القضائية وإلى توسيع غير متوقع لنطاق القيود على حرية الإعلام، بما لا ينسجم مع متطلبات الدولة الديمقراطية.

 

وفي المقابل، فإن الإبقاء على نص خاص يحدد على سبيل الحصر الحالات التي يحظر فيها النشر لا يرمي إلى توسيع القيود على حرية الإعلام، بل إلى تضييقها وحصرها في الحالات التي تبررها حماية حقوق الغير أو الأمن الوطني أو حسن سير العدالة أو غيرها من المصالح المشروعة التي يقرها القانون الدولي لحقوق الإنسان. وكلما كانت حالات المنع أكثر تحديداً ودقة، كلما تعززت الحماية القانونية لحرية التعبير، وتراجعت احتمالات التفسير التعسفي أو التوسع في القيود.

 

كما ترى الهيئة أن هذا النهج ينسجم مع مبدأ “جودة القانون” الذي يقتضي أن تكون النصوص المقيدة للحقوق الأساسية واضحة، ويمكن الوصول إليها، وقابلة للتوقع في آثارها، بحيث لا تترك للإدارة أو القضاء سلطة تقديرية واسعة في تحديد نطاق الحظر خارج ما رسمه المشترع بصورة صريحة.

 

لذلك، توصي الهيئة بعدم الاكتفاء بالإحالة العامة إلى “القوانين المرعية الإجراء”، والإبقاء على مادة مستقلة في قانون الإعلام تحدد بصورة حصرية وواضحة حالات حظر النشر، مع إعادة صياغتها بما ينسجم مع الدستور والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

 

وتقترح الهيئة أن تشمل هذه الحالات، على سبيل الحصر:

 

المعلومات التي يحظر القانون نشرها حمايةً للأمن الوطني متى كان النشر من شأنه إحداث ضرر فعلي ومحدد؛

وقائع ومداولات جلسات مجلس الوزراء التي يفرض القانون سريتها؛

وقائع الجلسات السرية لمجلس النواب ولجانه، وفقاً للقانون؛

التحقيقات والإجراءات القضائية التي يحظر القانون نشرها حمايةً لحسن سير العدالة أو لقرينة البراءة؛

هوية ضحايا جرائم الاعتداءات الجنسية والاغتصاب، وهوية الأطفال والقاصرين، وكل ما يؤدي إلى كشف هوياتهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛

المعلومات التي يحظر القانون نشرها حمايةً للحق في الخصوصية أو للبيانات الشخصية أو للمصالح المشروعة الأخرى التي يحددها القانون بصورة واضحة.

وتؤكد الهيئة أن إدراج هذه الحالات ضمن قانون الإعلام نفسه يوفر ضمانة أفضل لحماية حرية التعبير، ويحقق التوازن بين حق الجمهور في المعرفة وبين المصالح المشروعة التي تستوجب الحماية القانونية، ويحول دون التوسع في القيود من خلال الإحالات التشريعية العامة.

 

المادة (123): حماية حرية التنظيم النقابي للإعلاميين

تسجل الهيئة ملاحظتها على حذف الجزء الوارد في الفقرة (هـ) من المادة (123) الذي كان يكفل حق الإعلاميين في تأسيس النقابات والانضمام إليها بحرية، وترى أن هذا الحذف يشكل تراجعاً غير مبرر عن إحدى الضمانات الأساسية لاستقلال المهنة وحماية العاملين في قطاع الإعلام.

 

وتؤكد الهيئة أن حرية تكوين الجمعيات والتنظيم النقابي تعد من الحقوق الأساسية المكفولة بموجب الدستور اللبناني، كما تحظى بحماية بموجب المادة (22) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل لكل شخص الحق في حرية تكوين الجمعيات مع آخرين، بما في ذلك الحق في إنشاء النقابات والانضمام إليها لحماية مصالحه. كما تشكل الحرية النقابية أحد المبادئ والحقوق الأساسية في العمل التي أقرتها منظمة العمل الدولية، وتعد من الضمانات الجوهرية لاستقلال المهن وحرية العمل النقابي.

 

وترى الهيئة أن حماية حرية الإعلام لا تقتصر على ضمان استقلال المؤسسات الإعلامية، وإنما تمتد أيضاً إلى ضمان استقلال العاملين فيها، وهو ما يقتضي تمكينهم من إنشاء منظماتهم المهنية والانضمام إليها بحرية، بعيداً عن أي احتكار أو قيود غير مبررة. فالنقابات المهنية تؤدي دوراً أساسياً في حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للإعلاميين، والدفاع عن استقلالهم المهني، وصون أخلاقيات المهنة، وتعزيز حرية التعبير، وتمثيل العاملين في القطاع في الحوار مع السلطات العامة وأصحاب العمل.

 

كما تلاحظ الهيئة أن البيئة الإعلامية شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات جوهرية مع اتساع الإعلام الرقمي، وظهور أنماط جديدة من العمل الإعلامي، الأمر الذي يجعل من الضروري إتاحة المجال لتطوير الأطر النقابية بما يستوعب مختلف فئات العاملين في قطاع الإعلام، ويكفل تمثيلهم بصورة ديمقراطية، بعيداً عن أي قيود تشريعية تحد من حرية التنظيم أو تكرس احتكار التمثيل النقابي.

 

وتؤكد الهيئة أن أي قيد على حرية التنظيم النقابي يجب أن يفسر تفسيراً ضيقاً، وأن يستوفي شروط الضرورة والتناسب المنصوص عليها في القانون الدولي لحقوق الإنسان، وألا يمس بجوهر الحق في إنشاء النقابات والانضمام إليها. ومن ثم، فإن حذف النص الذي يكرس هذا الحق من قانون الإعلام قد يفهم على أنه انتقاص من إحدى الضمانات الأساسية لاستقلال الإعلام، رغم أن الاتجاه التشريعي الحديث يقوم على تعزيز التنظيم الذاتي للمهنة ودعم استقلال الهيئات والنقابات المهنية.

 

لذلك، توصي الهيئة بإعادة إدراج النص الذي يكفل صراحة حق الإعلاميين في تأسيس النقابات والانضمام إليها بحرية، بما ينسجم مع أحكام المادة (22) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومع المبادئ والحقوق الأساسية في العمل التي أقرتها منظمة العمل الدولية، وبما يعزز استقلال المهنة، والتعددية النقابية، وحماية العاملين في .قطاع الإعلام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى